مقالات

قائمة الأثرياء ونوادر الحكّام البخلاء

عبد الرزاق قيراط*

كشفت جريدة "لوموند" الفرنسيّة مؤخّرا مؤامرتين: تتعلّق الأولى بأصحاب المدّخرات المشبوهة في البنوك السويسريّة سواءً كانوا من العرب أو من الفرنجة. وتتّصل الثانية بمدارسنا التي تآمرت علينا بتخطيط محكم من وزراء التربية والتعليم. فقد عملوا على تجهيلنا، فلم نتعلّم من مقرّرات الحساب إلاّ الشيء القليل الذي لا يؤهّلنا لفهم الصفقات الكبيرة، وما يدخل في علم الاقتصاد، وحيل المضاربات… وقد وقفتُ على عجزي شخصيّا في هذا الميدان الرياضيّ البهلوانيّ بامتياز، فلم أفلح في قراءة أرقام طويلة جدّا على علاقة بمدّخرات الأثرياء العرب في البنوك المذكورة آنفا، حتّى تساءلتُ عن الجدوى من جمعها وتكديسها بذلك الفحش. فأنا بطبيعتي زاهد في الدنيا، أعيش على شرعة الحسن ابن الهيثم كما بيّنها الأستاذ مصطفى نظيف، رحمهما الله، في كتابٍ خصّصه لذلك العالم الكبير فقال ممتدحا:" ومن أخلاقه أنّه كان منصرفًا عن الصغائر، زاهدًا في الترف والمال والسلطان، مقبلاً على العمل والبحث في مسائل العلم حتى إنّه رفض أجرَ أحد الأمراء عن تعليمه قائلاً: يكفيني قوتُ يوم، فما زاد على ذلك إنْ أمسكتُه كنت خازناً، وإنْ أنفقتُه فهو زائل، فإذا اشتغلت بهذين فمن يشتغلُ بعملي وأمري"… 
كلام جميل وتفكير نظيف. ولكنّه لا يقنع أمثال قارون من رجال "المال والسلطان". وقد أوْدَعُوا "من الكنوز ما إنّ مفاتحَهُ لتنوءُ بالعُصبة أولي القوة"، في بنوكٍ تحفظُ أسرارهم وتقيهم شرّ الضرائب والحاسدين.. ومن بين أولائك اللصوص المحترمين جدّا، تونسيّون من أصهار بن علي ومن أقارب الذين يحكمون اليوم، ويتحكّمون في ثرواتنا الباطنيّة فيُخفون عنّا حجمَها وحقيقةَ مواردها. فهي سرّ من أسرار الدولة، أبرم عقودَها وزارءُ لا رقابة عليهم، ولا محاسبة للمفسدين منهم. ففرّطوا (بشهادة موظّفين وخبراء على دراية بتلك الملفّات) في نفط البلاد وغازها وسلّموه لشركات أجنبيّة بأبخس الأثمان مقابل ما ظهر وما سيظهر من أرقام منتفخة في حسابات مصرفيّة بأسمائهم وأسماء أقاربهم… وينطبق على تلك الطائفة "المارقة"، وصفٌ قديم ورد بكتاب البخلاء لأبي عثمان الجاحظ عندما ذكر "أصحاب الجمع والمنع"… والكتاب جدير بالقراءة مراراً وتكراراً لفهم حقيقة ما يدور من حولنا. ففيه من النوادر والعبر ما يساعد على تدبّر ما يجري في أوطاننا منذ أن هبّت عليها نسائم الربيع العربيّ..
وتعميما للفائدة، يمثّل"أصحاب الجمع والمنع"، فرقةً من الأشحّاء الذين اجتمعوا على مذهبٍ عجيبٍ في جمع الأموال والحرص عليها من التلف والزوال.. فيقول أحدهم للدرهم الذي وصل إلى يده بعد سفر طويل: "كم من أرض قد قطعت، وكم من كيس قد فارقت.. ثم يلقيه في كيسه ويقول له: اسكن على اسم الله في مكان لا تُهان ولا تُذلّ ولا تزعج منه. وهو لم يدخل فيه درهماً فأخرجه"… وعلى ذلك النهج، سار لصوص هذا الزمان، فهرّبوا أموالا طائلة، جمعاً لهم، ومنعاً لمنافعَ عظيمةٍ، لا تُدركُ إلاّ بمقاومة الفساد، وحسن التصرّف في الأموال العامّة، واستثمارها في المشاريع التنمويّة لتوفير الشغل للعاطلين، ومقاومة الفقر وبناء المصحّات والمدارس والطرقات وتأمين العيش الكريم  لعموم المواطنين. ولكنّ ذلك النماء، يبقى بعيد المنال، في ظلّ فساد اقتصاديّ ترعاه الطبقةُ الحاكمة ولا تحرّك ساكنا للقضاء عليه… فقصور القوانين، وسكوت السياسيّين وتورّط بعضهم مع كبار موظّفي الدولة في تحصيل المكاسب على حساب مصلحة الشعوب، ساهم في حماية اللصوص والمتهرّبين من الأداء الضريبيّ، حتّى تضخّمت ثرواتُ أفرادٍ قليلينَ وبلغت مستويات تبعث على الغثيان.
وفي مقابل ذلك، تُوجّه لعامّة الناس نصائحُ تدعوهم إلى التضحية في سبيل الوطن بالتقشّف والصبر على غلاء الأسعار والابتعاد عن التبذير، وغير ذلك من الدروس والعبر. وفي هذا السياق، يفيدنا بخيل آخر بما يعرفه من قواعد التوفير والاقتصاد. فقد ورث عن والده قطعة جبن، "فيها حزّ كالجدول". فسأل منزعجا: ما هذه الحفرة. قالوا: كان (أبوك) لا يقطع الجبن، وإنما يمسح على ظهره فيحفر كما ترى. قال: فبهذا أهلكني، لو علمتُ ذلك ما صليتُ عليه! قالوا: فأنت كيف تريد أنْ تصنع قال: أضعها من بعيد فأشير إليها باللقمة!
ولا يقتصر كتاب البخلاء على تعليم العامّة وإرشادها إلى ما يجلب مصلحتها، فاللافت في نادرة "قطعة الجبن" أنّها ألهمت حكّاما مخادعين، فاقتبسوا منها أفكارا لبرامج تبشّر الناسَ بالعدالة والحرّية والكرامة والديمقراطيّة وحقوق الانسان، ولكنْ على شاكلة قطعة الجبن التي يُشار إليها من بعيد، حتّى لا يثير لمسُها غضبهم.. فتلك المكارم محكومة بمبدإ أصيل يقوم على ذكرها بالقول لا بالعمل. ولكنّ الشعوب "حمقاء"، والمؤكّد أنّها تجهل ما جرى لذلك الرجل الذي جلس ليأكل من مائدة بخيلٍ فنهره قائلا: كيف طمعت في هذا؟ ومن أباح لك مالي؟
قال الرجل: أو ليس قد دعوتني؟!
قال: ويلك! لو ظننتُ أنك هكذا أحمق ما رددتُ عليك السلام.. إنْ كنتَ آكلا فهاهنا بيان آخر: وهو أنْ أبدأ أنا، فأقول: هلُمّ، وتجيب أنتَ، فتقول: هنيئًا، فيكون كلامٌ بكلامٍ. فأمّا كلامٌ بفعال وقولٌ بأكل، فهذا ليس من الإنصاف"..

______________

*كاتب تونسي 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة