ابتسام تريسي تكتب : الشرطة النسائية في المناطق المحررة!

المشكلة الأبرز في حكم المناطق المحررة هي ضيق الفكر الذي يتمتع به المقاتلون، فهم لا يفقهون شيئاً في الأمور المدنية . يتبع

ابتسام تريسي*

 
فكرة الشرطة النسائية هل هي حلم ممكن التحقق؟ أم مجرد وهم في أذهان المنظمات الإغاثية الغربية؟ أم أنّ الأمر محكوم بالمال؟ المال الذي يفتح الأبواب المغلقة.

منذ تحرّرت بعض المناطق في الشّمال السّوري وأولها محافظة إدلب، تولت بعض الفصائل تسيير الشؤون المدنية في تلك المناطق نظراً لغياب الدولة!

وتسيير شؤون المواطنين في تلك المناطق ليس بالأمر السّهل مع غياب الكادر المناسب للدوائر الرسمية، بما فيها إرادة النفوس، والقيد المدني، والمحاكم، والبلدية، والشرطة.

خلو الساحة أدخل جهتين متناقضتين إلى الميدان تتنافسان في إدارة المجتمع، الفصائل التي قامت بالتحرير، والمنظمات الأجنبية التي توظف شباب الداخل للعمل على أمرين، تدريب كوادر إدارة مدنية وشرطة، وكتابة تقارير عن الوضع يشمل البيئة وحياة الناس ومشاكلهم وكلّ ما يجري تقريباً في تلك المناطق!

المنظمات الدولية التي تقوم بهذا العمل، أو على الأصح تراقب عمل موظفيها من الشباب السوري في الداخل وتستلم التقارير، وتوجّه هؤلاء العاملين نحو سياسة محايدة تجاه الأطراف المتصارعة تحت مسمّى “المجتمع المدني” لا يمكن أن تكون منزّهة وهدفها هو القيام بشؤون البلد ومساعدة الناس على النهوض من آثار الدمار ومتابعة حياتهم الاعتيادية كما كانوا قبل الثورة.

بالتأكيد لا أحد يمكنه أن يستعيد حياته كما كانت بعد أن تعرّض للدمار النفسي قبل دمار البيئة وضياع الأهل وتشردهم، وتشتتهم في أصقاع الأرض. لا يوجد سوري في المناطق المحرّرة سَلِم من أذى النظام حتّى الشبيحة أنفسهم، فقد تعرّضوا للتهجير وفقدان منازلهم وأموالهم بعد سيطرة جيش الفتح على محافظة إدلب وبعض مناطق الشمال.

ضيق الفكر

 المشكلة الأبرز في حكم المناطق المحررة هي ضيق الفكر الذي يتمتع به المقاتلون، فهم لا يفقهون شيئاً في الأمور المدنية ويريدون بسط سيطرتهم على كلّ شيء، بدءًا من عمل أفران الخبز وبسطات الخضار وانتهاءً بمحاكمة الناس “على الطريقة الشرعية” بمحاكم مرتجلة لا علاقة لها بالشرع أو القانون لأنّ من يقومون عليها ليسوا من حملة الشهادات الجامعية المتخصصة في هذا الشأن.

آخر ما حُرّر هو إغلاق المدارس في محافظة إدلب بحجة أنّها مختلطة! المقاتلون صار همهم الأول محصوراً في زي المرأة، وحجابها، وحشمتها، وتطبيق أحكام القتل على المشتبه بهم، والرجم على النساء “الزانيات” واعتقال الإعلاميين كما تفعل داعش والنظام! وآخر عمل قام به أفراد من الفصائل المسلحة الدخول إلى إحدى المدارس في إدلب، والتعدي اللفظي على المعلمة والطالبات لأنّ المعلمة ترتدي معطفاً لونه “فاتح” والطالبات يلبسن “بنطالاً” وهذا ممنوع شرعاً من وجهة نظرهم. المعلمة سألت أحدهم عن شهادته، فقال إنّه لم يحصل على الابتدائية، فطردتهم هي وطالباتها، وقالوا لهم “لا ينقصنا إلا الجهلة يأتون ليعلمونا ديننا”.

آخر البدع تشكيل هيئة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” التي أصدرت بياناً موقّعاً من معظم الفصائل أنّه اعتباراً من يوم الثلاثاء سيتم تنفيذ قرار منع التبرج في الطرقات والمدارس”! هذا بعد مجزرة الدخان التي قامت بها الهيئة بجمع الدخان من المحلات وحرق العبوات أمام مبنى البلدية في المحافظة! كما قاموا بإصدار فتوى منع بيع الألبسة النسائية الداخلية والإكسسوارات وأدوات المكياج من قبل الرجال، وأمروا بإدخال “دمية العرض” إلى المحلات وتغطية وجهها، وتنفيذ الأمر بالاستعانة بنساء من “المحارم” وعدم التنفيذ يعرّض المتهم للعقوبة وإحالته للمحكمة الشرعية!

غزو واضح وصريح

بالمقابل على الطرف الآخر تقوم المنظمات الأوربية وبدقة أكبر “الأمريكية” بغزو واضح وصريح لتلك المناطق بأهداف – ظاهرياً – تسعى لتمكين الشعب السوري من حكم نفسه وإدارة شؤونه بعيداً عن المقاتلين من شتى الفصائل المسلحة.

الصراع ما زال خفياً بين الطرفين، لكنّ الاختراع الأخير لتلك المنظمات وهو بحث إمكانية تشكيل شرطة نسائية في تلك المناطق سيفجّر الوضع، ويجعل مصير الناس على كف عفريت.. لن يقبل الأهالي، قبل الفصائل، بمثل هذا الأمر، فهم وإن قبلوا وجود فتيات يعملن في الداخل مع تلك المنظمات ويقمن بعمل استقصائي عن أوضاع الناس، فقد قبلوه على مضض؛ لأنّه من المستحيل أن يقوم الشباب بزيارة البيوت والقيام بما تقوم به الفتيات. أمّا أن يصل الوضع إلى قبول تجنيد النساء في سلك الشرطة -وإن كانت مدنية – فذلك سيعود بآثار سلبية على المنظمات وعلى العاملين فيها من شباب الداخل. وسيصعّد الحرب الباردة بين الفصائل والمنظمات.

لكن من ناحية أخرى قد يبدو الأمر مقبولاً لدى البعض لأنّه يمنع تدخل الرجال في أوضاع حساسة للطرفين، كما أنّ الأمر برمته متروك للداعمين.. نعم الأمر برسم الداعمين فإن وافقوا عليه، ستسكت الفصائل مرغمة، وإن لم يوافقوا، ستكون ضربة موجعة للمنظمات العاملة في المناطق المحررة، وقبل ذلك للشباب الذين يقومون بأعمال مدنية في مجال (المجتمع المدني) من تدريب المجالس المحلية والإغاثة والتعليم..
فمتى سيستطيع الشباب السوري العمل على إدارة المجتمع وشؤون المدن المحرّرة من دون الرضوخ لرغبات الداعمين والمنظمات والفصائل؟

________________________________

* روائية سورية 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة