عبد القادر عبد اللي يكتب: السوريون بين رفض الاندماج وصعوبته

نحن ننتمي إلى مجتمع يضرب فيه عنصر المخابرات الرجل، ويذهب الرجل إلى البيت مهاناً ليضرب زوجته.

عبد القادر عبد اللي*
اتصل بي أحد السوريين في مدينة أضنة (التركية) لغرض، وطلب اللقاء، وقال لي: “نلتقي عند الجامع الكبير”، قلت له: “أين الجامع الكبير هذا؟” قال لي بطريقة فيها شيء من التهكم والسخرية: “وهل هناك أحد في أضنة لا يعرف الجامع الكبير؟ إذا كنت لا تعرف أضنة، فاسأل أي شخص يدلك عليه.” ومن مبدأ فوق كل ذي علم عليم، صمتُ، وسألت أولادي المقيمين في أضنة وكنت في زيارتهم، فضحكوا، وقالوا لي: “بابا، السوريون أطلقوا على شوارع أضنة وحدائقها ومساجدها أسماء خاصة بهم، والجامع الكبير هو التسمية السورية لجامع صبانجي!” هذا يعني أنهم بدل أن يحفظوا أسماء الأمكنة والشوارع والحدائق أطلقوا عليها أسماءهم الخاصة، حتى باتت تلك الأسماء هي الأساسية، ومن لا يعرفها فهو في أقل تقدير جاهل، ويستحق أن يُسخر منه.
ما أعاد هذه القضية إلى ذاكرتي، شكاوى السوريين اللاجئين إلى أوربا من مشاكل الاندماج. فالجميع يتحدث عن منع ضرب الزوجة! واحترام حقوق الطفل! وغيرها من القوانين الأوربية التي على اللاجئ أن يلتزم بها… وحتى إن هناك من يستغل هذا الأمر من المتطرفين، فيطلقون كثيراً من الأكاذيب حول ما يفرضه الأوربيون على اللاجئين من إباحية وغيرها…
نحن ننتمي إلى مجتمع يضرب فيه عنصر المخابرات الرجل، ويذهب الرجل إلى البيت مهاناً ليضرب زوجته، والزوجة تشعر بالمهانة فتضرب ابنها، ويشعر الابن بالمهانة فيضرب أخته، ثم تذهب أخته لتضرب ابنة الجيران، بالطبع إذا كان الجار مسكيناً لا سند له، وهكذا دواليك ندور في حلقة من العنف… وفي آخر عمل ترجمة فورية لي قبل أن أغادر سورية، شهدت على تقريعٍ يمكن وضعه في مصاف الضرب قام به موظف إيراني من الدرجة العاشرة لمن تُسمى في سورية مستشارة الرئيس، وهي راضخة مطرقة برأسها مثل مواطن أمام عنصر مخابرات. ويومئذ قلت لنفسي: “نعم، هذا هو مصدر العنف الذي نعاني منه، فإذا كان الذين في رأس هرم السلطة يهانون بهذه الطريقة، فإن كل ما يبدر منهم من عنف سيجدونه عادياً.” ولعل هذا منبع الغرابة والاستغراب الذي يعاني منه السوريون الهاربون من بلدانهم.
أكون سائراً في الطريق، فتلفت زوجتي  نظري قائلة: “هذه من ريف حلب الشمالي!” وتشير إلى أخرى لتقول لي: “هذه من حماة”، وهكذا… اعترضت في إحدى المرات، وقلت لها: “إنك تبالغين، كيف عرفت؟” فقالت: “من ربطة الحجاب” لم أصدق، مما دفعني لاستفزازها، حتى ذهبت وكلمت المرأة مباشرة بالعربية، وسألتها من أي بلد في سورية هي، فأجابت المرأة: “من حماة!”
لقد مضى على كثير من السوريين في تركيا ما يقارب الثلاث سنوات ونصف، وهي فترة مهمة، وكافية ليتعرف الإنسان إلى المجتمع الذي يعيش فيه، ويتأثر به. ثلاث سنوات ونصف ومازال السوري في المدن التركية معروفاً من طريقة لبسه ومشيته، وحتى دون أن يتكلم، وإذا ما تكلم فهو يطلق صوته بأعلى ما يمكنه، ويشاجر الآخرين على الهاتف، ويشتم وهو وسط جموع الناس.
من البساطة القول إن السوريين عندما أتوا إلى تركيا لم يحسبوا -كما أن الحكومة التركية لم تحسب- أنهم سيبقون كل هذه السنين، ولذلك فهم لم يحاولوا الاندماج، واعتبروا أنهم سيبقون بضعة شهور، ثم يعودون! ولكن الأمر بعد مرور الأشهر والسنوات، ودخول كل هذه القوى إلى الساحة السورية لم يعد كذلك، فهناك أولاد يجب أن يذهبوا إلى المدارس، ونساء يجب أن يذهبن إلى الأسواق، ويتسوقن، ورجال يجب أن يعملوا بعد أن انتهت مدخراتهم. إضافة إلى هذا، فأكثر العائلات السورية فقدت مصادر رزقها الأساسية في سورية، فالأرض الزراعية التي كانت تمتلكها بارت، وأشجار كرومها وبساتينها قُطعت، هذا غير العدد الكبير من الموظفين الذين فقدوا وظائفهم، وكل هذا يشير إلى طول فترة البقاء مما يفرض عليهم تعلم محيطهم، ومعرفة الناس من حولهم، وعلى الأقل معرفة لغة البلد الذي يقيمون فيه، ولا يعرفون إلى متى هم يقيمون فيه.
صحيح أن اللغة التركية تعتبر من اصعب اللغات على الإطلاق بالنسبة للعربي، ولا يتسع المجال هنا للبحث في هذه الصعوبة، ولكنها باختصار تنتمي إلى عائلة آلطاي اللغوية، وتختلف اختلافاً كبيراً عن اللغات السامية والهندو أوربية التي يعرف العربي عنها إن لم يعرفها، وهي لغة لواحق وسوابق، فالتصريف كله فيها يأتي على شكل إضافات على الكلمة مما يجعلها تتناقض تماماً مع طريفة تفكير العربي في نظرته إلى اللغة. من جهة أخرى فإن كثرة الكلمات العربية فيها تشكل صعوبة شديدة للعربي، لأن كثيراً من هذه الكلمات دخلت في غير معانيها العربية، وحتى بمعانٍ بعيدة جداً عن معانيها العربية، وبتحريف معين للفظها الأصلي العربي. ومن المعرف أن اللغة من العوامل الأهم التي تسهل عملية الاندماج أو التأقلم، وعدم كسر حاجزها يقف سداً منيعاً أمام اندماج الفرد في مجتمع اللغة. ولكن هل اللغة وحدها ما تمنعهم من الاندماج، خاصة وأن هناك كثيراً منهم من تمكن من معرفة الحد الأدنى المطلوب من أجل التفاهم اليومي مع الناس؟..
ولكن المجتمع التركي أيضاً يشترك مع العرب عموماً بكثير من العادات والتقاليد والعقيدة والملامح، ولعل السوريين هم الأقرب إلى المجتمع التركي، فهناك كثيرون بينهم يعتبرون أنفسهم من أصول تركية، حتى إن هناك كثيراً من الأسر السورية تحمل ألقاباً تركية، ويمكن أن نعد المئات من ألقاب الأسر التي دخلت من اللغة التركية، ويكفي الإشارة إلى “يازجي”، “بصمجي”، “شيشكلي”، “آقبيق”، “صاري”، “سباهي”، “عكوش”… هذا غير النسبة إلى مدن أناضولية مثل: “وانلي”، و”خربوطلي”، و”ديار بكرلي”، و”مارديني”، و”عنتبلي” و”أورفلي”، و”اسطنبولي”..
على الرغم من هذا التقارب كله، والاشتراك في العادات والتقاليد والدين والثقافة، فإن السوري لم يحقق اندماجاً ولو بالحد الأدنى مع محيطه التركي، ومازال الغالبية منهم يمكن أن يعرفوا وهم وسط جمع فيه العشرات، فما بالكم بالاندماج في المحيط الغربي الأوربي؟
_______________________________

*كاتب سوري مقيم في تركيا

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة