سمير طاهر يكتب: فيسبوك الذي يشبهنا

 

سمير طاهر*

لعلي لا أجانب الحقيقة إذا قلت إن ظهور موقع فيسبوك قد أحدث تغييراً في حياة البشر يضاهي أكبر التغييرات الثقافية في العصر الحديث. فبعد عقود من ثورة التواصل الفردي جاءت ثورة التواصل الجماعي، وفجأة كفت الحدود الدولية والمسافات البعيدة عن أن تكون مانعاً بين أصحاب الاهتمامات المشتركة، فصارت الفكرة تنطلق من أي مكان في العالم فيتاح لآلاف الناس أن يتفاعلوا معها مهما باعدت بيهم المسافات. من كان يتخيل مثل هذا من قبل؟ ثم تعددت وتعاظمت إلامكانات التي يتيحها هذا الفضاء الإلكتروني، فلعب دوراً خطيراً في الأحداث العامة في بلدان عديدة الى درجة جعلت بعض الأقلام وبعض الحكومات تجزم بأن هذا الموقع قد ابتُكر ونُشر في أرجاء الأرض، وجُعل مجانياً، لا لشيء إلا لتنفيذ مخطط سياسي معين، وهو الاعتقاد الذي حدا بدول مثل الصين وكوريا الشمالية وغيرهما الى منع هذا الموقع داخل حدودها.
في مرحلة أولى كان المرء يطّلع في فيسبوك على حقائق وأسرار لا تجد طريقها الى وسائل الاعلام. لكن بعد ذلك صار هذا الموقع ميداناً للغث والسمين، وللحقيقة والأكاذيب، وللصورة والفوتوشوب. وبرزت فيه مواهب حميدة وأخرى خبيثة. فما تترفع عن نشره وكالات الأنباء الموثوقة والصحف المعروفة لضعف مصداقيته كان يجد طريقه الى فيسبوك وينتشر بسرعة، ويفعل فعله في الرأي العام. والمثير للغرابة هو إن بعضاً من المثقفين صارت تنطلي عليهم تلك الفبركات والاختلاقات فيبنون عليها “تحليلات” واستنتاجات. يذكر أن أحد فناني الرسوم المتحركة في مصر أراد أن يختبر الى أي حد يمكن للتلاعب الصوري أن يكون مشابهاً للحقيقة فصنع مشهداً متقناً لصحون طائرة تزور مدينة القاهرة، ونال المشهد آلاف الزيارات والاستحسانات لكونه لا يختلف عن أي تقرير مصور من تقارير وكالة ناسا الفضائية. 
موقع فيسبوك – مثله مثل أية ظاهرة ثقافية – يعطي صورة عن ثقافة كل مجتمع وطريقته في معالجة الأمور الكبرى، ويعطي كذلك وصفاً لخصائص شخصية الفرد في مجتمع معين. فكل ذلك مكشوف من خلال نوعية المواضيع المنشورة وكذلك من خلال أسلوب الطرح، والتعليقات، وتقاليد النقاش. وبالنسبة للصفحات العربية في هذا الموقع فانها – رغم اختلافها في التوجهات – تحمل سمات مشتركة تميزها عن صفحات البلاد الأخرى. ومما نلاحظه على الصفحات العربية جملة علامات مميزة، من بينها:
– أن الاختلاف في وجهات النظر شيء غير محتمل! ويبدو أن مقولة أن “الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية” قد انتهى زمانها وصار الاختلاف في الرأي ينهي حتى الاحترام، فصار من المعتاد أن نقرأ تعليقات تبدأ باختلاف في الرأي وتنتهي بشتائم أو إهانات. ولقراء صفحات فيسبوك بلغات أوروبية أن يقارنوا بين “آداب الاختلاف” فيها وبين الوضع في صفحاتنا العربية، ويقارنوا!
 – أن الصفحات العربية تحتوي على نسبة عالية من نظرية المؤامرة التي تتحفنا بأفكارها في مجال السياسة الدولية، حيث نجد لكل تطور سياسي تفسيراً مؤامراتياً جاهزاً، ولكل حدث غائية خفية حتى لو كان صدفة، فلا وجود لكلمة صدفة في قاموس نظرية المؤامرة، فحتى الفيضانات والهزات الأرضية هي مصطنعة لخدمة أغراض سرية لم تتكشف سوى لأصحاب هذه النظرية.
– أن هذه الصفحات تكاد تكون مغرمة بالخوض في خصوصيات الشخصيات العامة، والتركيز على هذه الخصوصيات أكثر من التركيز على مواقف أصحابها وأفكارهم. هذا بالاضافة الى الهوس بالحوادث الصغيرة والهفوات والأخطاء العابرة التي تقع فيها تلكم الشخصيات، ونشرها وتحميلها كل ما يخطر في البال من دلالات 
– التشجيع على الفهم السطحي للتحضر والحداثة. الفهم السطحي بحد ذاته ليس بالشيء الجديد ولكن التشجيع عليه عبر مئات “الاستحسانات” (لايك) وإعادة النشر (شير) هو الظاهرة الجديدة المؤسفة. فشاعت تصورات مشوهة عن المفاهيم الكبيرة المتداولة في عالم اليوم: حيث صار معنى “العلمانية” هو الهزء بالتقاليد الدينية لشعوبنا والاحتقار لمقدساتها؛ وصار معنى المساواتية (فيمينيسم) هو فحش القول وكشف الجسد، على طريقة الهاوية البائسة علياء المهدي؛ وصارت الديمقراطية هي الاستهتار بمشاعر الناس… والى آخر ذلك.
 – شيوع التلفيق بشكل كبير. ربما كانت القوانين المشددة في دول الغرب ضد تشويه السمعة تلعب دوراً في قلة مساحة هذا “الفن” على صفحات التواصل هناك، في الوقت الذي قلما عوقب فيه أشخاص في العالم العربي على نشر أخبار كاذبة أو صور مفبركة تشوه سمعة أحدهم. لكن الظاهرة – في رأيي – تحمل ما هو أكبر من العامل القانوني. فصحيح أن البعض يميل الى اتخاذ التلفيق وسيلة لتحقيق أغراض معينة، إلا إنه – في المقابل – هناك استعداد عام لتصديق هذه التلفيقات أو – على الاقل – للتعاطي معها بجدية، وهذا الاستعداد هو الأرض الخصبة لانتشار هذه الظاهرة. فعندما يتعلق الخبر الكاذب بشخص نكن له تقديراً فإننا نبدي نشاطاً في التقصي لمعرفة ما إذا كان الخبر صحيحاً أم لا، ولكننا لا نبدي مثل هذا النشاط عندما يتعلق الخبر بشخص لا نوده، فترانا نتجاهل استخدام وسائل التحقق المتاحة على الشبكة، بل وقد نساهم بنشر الخبر، الذي لا نعرف مدى صحته! وقل الشيء نفسه عن الأخبار التي تتعلق بمجموعة سكانية معينة مثلاً أو حزب سياسي أو غير ذلك، فما يكتب ضد “جماعتنا” نخضعه لوسائل التحقق لنصرخ في أرجاء الموقع الأزرق بأنه كذب، ولكننا نرحب بما ينشر ضد “الجماعة الأخرى” حتى وإن كان صورة مفبركة أو خبراً لا أصل له، وكأننا نريد أن نرضي عصبيتنا الفئوية أو نرجسيتنا الشخصية بأي طريقة، سواء بالحقائق أو بالأوهام.
فيسبوك هو مرآتنا، شئنا أم أبينا!
      ____________________________

* كاتب عراقي مقيم في السويد 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة