عبير الفقيه تكتب: المغرب العربي وورطة اللّغة العربية

يبدو أن حكومات المغرب العربي، وخصوصاً الجزائر و المغرب، اتّفقت على أن يكون وزير التّربية و التّعليم في كلّ منهم ضحلا في اللغة العربية.

عبير الفقيه*
    يبدو أن حكومات المغرب العربي، وخصوصاً الجزائر و المغرب، اتّفقت على أن يكون وزير التّربية و التّعليم في كلّ منهم ضحلا في اللغة العربية كشرط  ليشرف على كل المنظومة التربوية في بلده، ولاسيما أنه لن يخاف من اهتزاز صورته أمام الرّأي العام بما أن التّعامل مع وسائل الإعلام المحلّية يتمّ عبر اعتماد اللّهجة المحلية، أو اللغة الفرنسية، امّا التعامل مع وسائل الإعلام الدولية فاللغة الفرنسيّة تفي بالغرض، باعتبار هذه البلدان تعيش على أمجاد فرنسا إلى الآن.

   ربْط  اتقان اللغة العربية بمؤهّلات وزير ما في بلد عربي يعتبر اللّغة العربية معطى رسميّا في دستوره، لا تطرحه و تناقشه سوى “أصوات معارضة”، أو بعض نخبة متعلّمة تعتبر مسألة الهويّة مقدّسة، أو من رحم ربّي من عامّة الشّعب. الباقي يبدو أنه لا يستنكر هذا النّقص طالما كان الوزير يتكلّم إحدى  لغات الفرنجة بطلاقة، ومظهره مواكبا لأناقة الألفيّة الثالثة.

  هذا الأمر يفرض الاستنكار و النّقد وحتّى الاحتجاج إذا كان متعلّقا بوزير التّربية والتّعليم بالذات. ولا أدلّ من اسم الوزارة حتى نتبيّن مدى أهمّية اعتبار اللغة العربية شرطا أساسيا لاختيار الوزير الذي سيمثّلها. و إن كان الأمر غير هذا فالتّسمية توحي لامحالة بـ”يدٍ عليا” تتجاوز المنطق و العُرف المعمول به.

فهذه الوزارة في المغرب الشّقيق مثلا تُعتبر وزارة سياديّة، أي أن تسمية وزيرها تتأتّى مباشرة من الملك، و بالتالي لا توجد سلطة دون ذلك قادرة على زحزحة “رشيد بلمختار” من على رأس هذه الوزارة. فقد أثار تصرّف هذا الوزير المستفزّ منذ أسبوعين  تقريبا موجة من الانتقادات من سياسيين ومثقفين ومن شريحة واسعة من الشّعب. انتقاد وسُخط قابله صمت مُريب من جانب الحكومة. الحادثة تعلّقت بردّة فعل مستهترة من طرف الوزير عندما دعته نائبة في جلسة في البرلمان إلى مراجعة الظروف المزرية في بعض المؤسسات التعليمية.

النّائبة كانت واضحة ومحترمة، امّا الوزير فكان يتلاعب بشاشة هاتفه الجوّال حينا وضاحكا مع وزير آخر بطريقة ساخرة تحت أضواء الكاميرا التي كانت تنقل الجلسة؛ وكأنّه يبلغها هي ومن تعنيهم أنهم لا يثيرون اهتمامه.

      لم يجتهد السيد الوزير في تفسير لامبالاته لوسائل الإعلام التي استجوبته بعد ذلك، واكتفى مطمئنّا بانّ الملك هو من اختاره على رأس الوزارة حتى يشرف على مناهج تربية أطفال وشباب المغرب. حادثة سلبية تُضاف الى رصيد سلبي آخر. و لعلّ أفظعه  ما جرى له في حوار مع قناة فرانس 24 الناطقة بالعربية؛ إذ سألته المذيعة عن وضعية التعليم في المغرب فأجابها ” لا أتحدّث باللغة العربية” و انطلق متحدّثا بالفرنسية.
سلوك يذكّرني بالمداخلة الشهيرة للرئيس الجزائري بوتفليقة في البرلمان الفرنسي، وكان ضيفا عليه سنة 2011 حين اكتفت المترجمة بديباجة الخطاب “بسم الله الرحمن الرحيم” ثمّ تنحّت جانبا، لأن خطبته كانت بالفرنسية.

   وفي الحقيقة مهما تكن كفاءة وزير التّربية والتّعليم عالية، فلا أظنّها تُقنع لا الإطار التربوي ولا التلاميذ و لا الطّلبة بصورة الإنسان النّاجح، وهو العاجز عن التمكّن من لغة شعبه الرّسمية المعتمدة في الدّستور والتي تعكس بالتأكيد احتراما لسيادة و تاريخ البلد. نشاز لا يحتمل تبريرا مهما تراكم.

   أمّا المبادرة التي تقدّمت بها نظيرته في الجزائر، نورية بن غبريط وزيرة التّربية والتّعليم في ندوة بعنوان “تقييم الإصلاح التربوي” قبل عدة شهور، فتبقى من المبادرات التّاريخية؛ إذ اقترحت وزيرتنا (وهي المعترفة بعجزها عن التخاطب باللّغة العربية الفصحى) مع جمع من الخبراء أن يتمّ جانب من الإصلاح التربوي من خلال تعويض اللّغة العربية الفصحى (الصّعبة) باللّهجة العامّية في المرحلة الابتدائية، باعتبار استعمال الدّارجة الجزائرية يسمح بتنمية أجزاء مهمة في المخّ. هكذا صرّحت لجريدة “الوطن” آنذاك.

   اقتراح يُنقذ الوزيرة من الانتقادات لشخصها و يعمّم هذا الفشل على عامّة الشعب، ولا بأس إن اهتزّت صورتها أيضا لدى السياسيين و لدى الرّأي العام، فهم يجيدون اللّهجات الجزائرية بأنواعها مع ما تيسّر من الفرنسية.

ونظريّا، هي أستاذة في علم الاجتماع و شغلت سابقا منصب مديرة للمركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية بوهران. ولكن يبدو انّه و حسب الأعراف العربية، لا علاقة للخبرة العلمية للوزير بالمنصب الذي يشغله. هكذا تريد الحكومات.

     في تونس فالأمر مختلف نوعا ما، فوزراء التعليم المتعاقبون على الوزارة بعد الثورة لم يعانوا من هذا العيب، بل كان الأولّ مثلا  د. سالم الابيض كاتبا و ناشرا للبحوث والمقالات بالعربية.

وزارة التربية و التعليم في تونس بالذات هي وزارة تحظى بتأطير يساري منذ أوائل المشروع البورقيبي، لأنها الأكثر قدرة على رسم خطّ وعي الأجيال. وأفلتت في غفلة من الزّمن إلى ملعب المحايدين في عهد الترويكا و حكومة التكنوقراط التي خلفتها. ثمّ رجعت طيّعة إلى أصولها اليسارية مع الحكومة الحاليّة. 

   ما من شكّ أنها اختيارات غير موفّقة بالمرّة، تجلب النّقد على قدر الأخطاء المتراكمة والمستفزّة و تتلاعب بحاضر و مستقبل أمّة بأكملها. و تنتج بديهيّا أجيالا لا تحترم لا لغتها، ولا هويّتها.

_____________________________

*كاتبة تونسية 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه