أحمد قناوي يكتب: هوامش على دفتر مناظرتي مع الجنرال

أدركت أكثر حين سارع مناظري إليّ مصافحاً قائلاً لي إن النفاق أيضًا مؤامرة؛ فابتسمت له ابتسامة إشفاق على وطن يتصدر إعلامه أمثال هؤلاء. يتبع

أحمد قناوي*

في الحلقة التي استضافني فيها الاعلامي وائل الإبراشي في قناة دريم يوم الأربعاء الماضي حول الاختفاء القسري، كان في ذهني وأنا ذاهب إلى مقر القناة، ذلك الحديث المليء بمفردات الخيانة والعمالة والمخربين؛ فهي مفردات أصبحت إحدى سمات الإعلام المصري منذ فترة. وعلى المحاور أن يستمع بأدب جم وتغلبه حالة الحصار سواء من الضيوف المختارين والمناسبين للمرحلة، أو من الذي يفرضه مذيع الحلقة والذي غالبًا ما يكون على مقاس مواصفات إعلام يجيد في حصة الإملاء أكثر من حصة التعبير؛ لكن توقعي لم يصدق في جزء منه إذ بدا وائل الإبراشي محايدًا، وإن بقيت حالة الضيوف المختارة على هذا المستوى من إجادة كله تمام، وليس هناك أبدع مما هو قائم

الأرقام المرعبة.
كانت لديَّ أفكار عن وجود حالات اختفاء قسري، الأرقام كبيرة ومرعبة، كان تقديري أن هناك مبالغات في جانب؛ لكن القدر المتيقن أن هناك حالات بالفعل تجسد تلك الحالة، كانت حالة إسراء الطويل التي اختفت وتحرك والدها وأسرتها بحثًا عنها في المستشفيات وأقسام الشرطة، وتحرك أصدقاؤها على وسائل الميديا ومنها الفيسبوك مما أجبر مساعد وزير الداخلية وقتها للخروج علنًا في الإعلام ليعلن بوضوح أن إسراء الطويل ليست لدى الشرطة وليست مختفية عند أي جهاز. حدث ذلك بعد عشرة أيام من الاختفاء القسري؛ لكن محاميًا شاهد إسراء الطويل في نيابة أمن الدولة خرج وصور وكتب وامتلأ الفيسبوك بصورة إسراء الطويل.
تلك كانت حالة تم ضبط السلطات فيها متلبسة بحالة من حالات الاختفاء القسري، كان عليَّ جمع معلومات أكثر في الوقت الضيق الذي كان قبل البرنامج، أشار عليَّ صديق الاتصال بحليم حنيش محامي مصري في المبادرة المصرية للحقوق والحريات فهو المعني بملف الاختفاء القسري، واتصلت به وكانت أسئلتي أقرب للتحقيق هل تأكدت بنفسك من هذه الحالات أو من معظمها ؟ كان الرقم 165 حالة، هل لديك إثبات من جهات موثقة عن حالات الاختفاء ؟ هل لديك قائمة كاملة بالأسماء والعنوانين ؟ هل من اختفى قسريًا ثم ظهر أرشد عن وجود آخرين ؟

وثائق رسمية 
لم أريد الاعتماد على تقرير مفصل لمنظمة هيومان رايتس ووتش وذلك للحساسية المفرطة تجاه تلك المنظمات، وكان تقديري أن الاعتماد على منظمة مصرية في مثل هذا النوع من القضايا وفي مثل هذا المناخ أمر ربما أكثر مصداقية.

كان تقديري الاتفاق على حدود دنيا في المسألة لدينا مشكلة على الأجهزة المصرية – ولا غيرها – التحقيق فيها لا سيما وقد قدمت في البرنامج إشارة إلى وثائق رسمية مصرية من أقسام شرطة عن حالات للاختفاء القسري، كان تقديري أن ذلك يستوجب التحقيق وأن ذلك يستوجب خروج مسؤول على مستوى مناسب لمناقشة القضية وأن يعد بالتحقيق فيها وإعطائها أهميتها؛ لكن الأمور لا تسير على هذا النحو في الإعلام المصري، موقف رافض لأي قصور، رافض بالمطلق لأي تقصير، رافض لمجرد الحديث عن تلك المسألة، وليس هذا فحسب بل هو مستعد بإلقاء كل ذلك على مؤامرات تحاك بالوطن، وأن من يتحدث في هذا الأمر ضالع في تلك المؤامرات.

كان مناظري الرئيسي قائدًا سابقًا في القوات المسلحة يُعد حسب ما قال دراسات في هدم الدولة! وهذا نوع من الدراسات المستحدثة التي تواكب المرحلة، فكما أن المستبد في حاجة إلى جوقة نفاق فهو في حاجة إلى تأصيل ذلك النفاق وليس أسهل من إلحاق كل قصور وكل فشل وكل مصيبة على مؤامرة تحاك بالوطن، وكأن العالم ترك مشاغله وتفرغ لمصر يحيك لها المؤامرات.
وكأن العالم مثلاً هو من أقنعنا أن السيد اللواء عبد العاطي دكتور في علوم الأمراض وبالذات المستعصي منها، وكأن العالم مثلاً أشار علينا عقد مؤتمر اقتصادي على مسرح مليء بالأضواء الصاخبة بأكثر من الحقائق الصادمة، وكأن العالم مثلاً أشار علينا أن نقول أن مجرد تفريعة للقناة هي قناة جديدة، وأشار علينا أن دخلها السنوي سيصل إلى 100 مليار دولار، وأن العالم هو من تآمر علينا ليجعل مصر في رقم 124 في جودة التعليم وأرقام أخرى متدنية تتعلق بالصحة وبمستوى دخل الفرد والرفاهية، وكأن العالم هو من أشار علينا بوضع قانون انتخابي لا مثيل له في الأمم، وكأن العالم من أشار علينا بقوانين تتيح التصالح في جرائم الأموال العامة

المؤامرة

كان رد السيد القائد السابق على كل ما ذكرت أن ذلك مجرد مؤامرة على مصر، تذكرت تلك اللحظات التي أشاهد فيها هذا النوع من المفردات الرثة وينفجر رأسي غيظًا وأتمنى أن أر؛د لكن الآن الحقيقة أمامي ومحاوري أمامي يردد ذات الألفاظ وبذات حركة الجسد لم يسعفني الهدوء؛ لكن أسعفتني لحظة غضب منه ومن كل ما يمثله ومن تلك الدولة التي يروج لها فانفجرت غيظًا، فإذا به يتراجع حتى انهزم.

حين يفقد محاورك منطق حقيقي يستند إليه يستدعي من خارج الحوار ومن خارج ما هو مطروح لينقذ نفسه، تقديري أن واحدًا أمده ببوست كنت كتبته يوم حلف السيسي اليمين رئيسًا للجمهورية، والبوست يحمل أكثر من تأويل لكنه أصر أن يكون مثل الدبة فقرأ “بوست” مجهولا على الملاً وعلى الجميع وفي برنامج يحظى بنسبة مشاهدة واسعة. كان البوست ( مرسي الضعيف ذهب للميدان أبعد الحراس حلف اليمين …. السيسي القوي منح للناس إجازة وحلف اليمين في مبنى مؤمن…. هذا هو الفارق بين الثورة والنشل)، وحمل البوست فهمه فأصبح كالدبة التي تقتل صاحبها ودون أن أناقش معنى البوست ولا مفهومه كان ردي واضحًا هذا رأيي وأحترمه وأتمسك به. وأراد هو أن يختم البرنامج على هذا النحو من الختام، ليدلل أن الرموز التي تقدم للإعلام بذاتها بجهد بسيط وصبر بسيط وتماسك في الموقف ستنهار لأن قضيتها قضية نفاق لا قضية وطن، والنفاق يؤسس على الهش من الكلام والعائم من المواقف، أدركت ساعتها أن الإعلام المصري ليس أمامه سوى ذلك لأن خلافه يهزم كل هذا الزيف بسهولة ويسر.
أدركت أكثر حين سارع مناظري إليّ مصافحاً قائلاً لي إن النفاق أيضًا مؤامرة فابتسمت له ابتسامة إشفاق على وطن يتصدر إعلامه أمثال هؤلاء.

_______________________________

*كاتب مصري ومحام بالنقض 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه