مقالات

نور الدين عبد الكريم يكتب: الحلال والحرام في الموسيقى

قد يقول قائل، إن انتشار المحرم لا يُعلِّل بالضرورة الحكم عليه بالحلية. فأقول، إنني لا أنوي هنا تحليل حرام ولا تحريم حلال، وإنما أقرأ المسألة من أصلها.

نور الدين عبد الكريم*
لا يزال الجدل حول الحكم الشرعي للموسيقى قائماً، فعلى الرغم من انشار وتشعب استخداماتها، إلا أنها ما تزال محل خلاف ونقاش مستمر. ففي عصرنا الحديث لا تكاد تخلو محطة تلفزيونية، أو قناة إذاعية، أو موقع تواصل اجتماعي من مقاطع أو أجزاء موسيقية.

هذا بالاضافة إلى الأدوات التي نتعامل معها في حياتنا اليومية مثل السيارات، والآلات، والهواتف، والحواسيب، والأجراس، والساعات، والمنبهات، وغيرها الكثير.

الموسيقى والناس
وبناء على هذا الانتشار والواقع الذي فرض نفسه، اختلف تعامل الناس معها حسب حكمهم عليها؛ فمنهم من يرى أنها محرمة بسائر أنواعها، وبالتالي يحاول أن يتجنب الاستماع إليها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فنجده يقلب عن القناة بعد انتهاء نشرة الأخبار، كي لا يستمع إلى الموسيقى التي تليها، أو يضع اصبعيه في أذنيه إن سمع موسيقى صادرة من متجر مجاور أثناء تجوله في السوق، ويحرص على أن تكون نغمة هاتفه آيات قرآنيه، أو مقاطع صوتية خالية من الموسيقى.

وأذكر هنا موقفا أخبرني به صديق كان يعمل في مركز اتصال يوفر خدمة للزبائن، حيث اتصل به أحدهم، واحتاج صديقنا بعض الوقت ليلبي له طلبه، فاستأذنه أن يضعه على الانتظار لدقيقة، وعادة ما يستمع المتصل إلى مقاطع موسيقية، أثناء انتظاره على الهاتف في مراكز الاتصال طرداً للملل والضجر، وهذا ما حدث مع هذا الزبون، وبمجرد أن عاد له صديقي ليجيبه على تساؤله، تفاجأ به غاضباً يصرخ ويهدد ويتوعد، والسبب أنه لا يُحل الاستماع إلى الموسيقى بأشكالها، وقد أغضبته هذه الخدمة، وهدد بمقاطعة منتجات هذه الشركة، وعدم الاتصال بها مرة أخرى.
       

والصنف الآخر من الناس، يأتي على عكس الصنف الأول تماماً، فنجده لا يأخذ بحرمة الموسيقى بجميع أشكالها، أو ربما لا يهمه حكمها، فيستمع إليها كيفما كانت، ولا يهتم إلى لونها، أو مكانها، ولا يؤثر في ذلك عنده إن خالطها رقص أو غناء، ولا يهتم كذلك لكلمات أغانيها، أو”الفيديو كليب” الذي يصورها. 

وصنف ثالث من الناس، انتقى من الموسيقى ما يتناسب مع هواه ومعتقده، فربما ينظر إليها حسب المحيط الذي صدرت منه، أو الشخص الذي ألّفها وتغنى بها، وخلفيته الدينية، وبالتالي أطلق عليها اسم الأناشيد، بدلا من الموسيقى، فأجاز الأناشيد، وحرم الموسيقى حسب هذا التصنيف، ثم وقع في لبس عندما حاول التفريق بين هذين التصنيفين، فقد يستطرد في التفصيل في أنواع الأدوات المستخدمة، فيحلل الدف، ويحرم الطبل والعود، وقد يحلل صوت العود إن كان صادرا من آلة بديلة تحاكيه كالــ “بيانو” مثلاً، ويحرمه إن كان صوتا صادرا من العود مباشرة. أو قد يفرق بين الموسيقى والنشيد حسب سرعة الايقاع، فيحرم الصاخب السريع، ويحلل الهادئ البطيء. وهكذا يدخل في دائرة قد لا تنتهي وقد يصعب وصف حدودها.

وقد نجد صنفا رابعاً، ينظر إلى الموسيقى حسب هدفها وغاياتها، ويحكم عليها بالنظر إلى الأوصاف المقارنة لها، فهي حلال في نظره إن لم يخالطها أمر محرم، ككشف عورات، وشرب محرمات، ومحرمة إن كان هذا محيطها. وقد ينظر كذلك إلى الكلمات المرافقة لها، فيحللها إن كانت الموسيقى مصاحبة لكملات هادفة، تعزز الخلق السوي، وتقرب الإنسان من دينه ومبادئه الصحيحة، ومحرمة إن كانت على العكس.

أصل المسألة
قد يقول قائل، إن انتشار المحرم لا يُعلِّل بالضرورة الحكم عليه بالحلية. فأقول، إنني لا أنوي هنا تحليل حرام ولا تحريم حلال، وإنما أقرأ المسألة من أصلها، وأفرّق بين الفهم الصحيح لها، وبين تبعات الفهم الخاطيء الذي تم تداوله بيننا، فأصبح النظر إلى المسألة من باب العادة والتقليد أكثر من كونها تشريع وتكليف.

وقد خطرت في البال فكرة كتابة هذا المقال منذ أشهر معدودة، بعد أن قرأت تغريدة “تويترية” للشيخ عبد العزيز الطريفي، العالِــــم الذي أجله وأقدره، وأحترم فيه ما وهبه الله من فطنة وعلم وسعة اطلاع وسرعة بديهة. فالشكر للتكنولوجيا التي سهلت التواصل، وعجلت من اطلاعنا على أقوال وآراء العلماء على الرغم من بعد المسافات وبون الأجساد.      

قال الشيخ الطريفي في تغريدته: “تحليل المعازف لا يجلب الشك بتحريمها بقدر ما يجلب اليقين بنبوّة النبي ? حيث أخبر عن وقوع ذلك بعده (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون .. المعازف)”.

المعنى الذي فهمته من هذا الكلام، هو أن الجدل الدائر حول حكم المعازف أو الصوت الصادر عنها (الموسيقى) ما هو إلا دليل صدق نبوة نبينا محمد ?، حيث إن الموسيقى محرمة بأصلها، وسيأتي بعد فترة النبوة من يناقش هذا الحكم. والحديث الشريف الذي استدل به مصداق كلامه. 

وهنا دار في ذهني تساؤلات، أرسلتهن إلى فضيلته كتعليقات على تغريدته هذه، سألته أولا، عن الحديث الشريف الذي استدل به، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ” ليكوننَّ من أُمَّتي أقوام يَستحلُّونَ الْحِرَ والحَريرَ والخمر والمعازِف”، فهذا الحديث لا يعطي حكماً على الموسيقى بالحرمة، وإنما يخبر بأنه سيأتي أقوام يقولون بحلّيتها، أي أن نص تحريم هذه المعازف ليس منطوق هذا الحديث، بل هو نص آخر، فسألته: ما هو؟

ثم سألته سؤالا آخر، عن علة تحريم الموسيقى، أو بمعنى آخر، هل الموسيقى محرمة لذاتها أم محرمة لوصف إضافي اعتراها؟ فإن كانت لذاتها، فما علة ذلك؟ أما إن كان لوصف خارجي، فما حكمها إن زال عنها هذا الوصف؟. وسؤالي الأخير كان حول التعريف الشرعي للموسيقى، وما الفرق بينها وبين كل آلة تصدر صوتاً، وكيف نفرق في الحكم بين كل هذه الأصوات؟     

ولأنني فيسبوكي بطبعي، ولا أعرف زوايا ولا خبايا التويتر كما هو عليه الحال في الفيسبوك، فلا أدري إن كان قد اطلع الشيخ على تساؤلاتي هذه، ولا أدري كذلك إن كان قد نشر جواباً أو رداً عليها.

الجديع يجيب
ولكني وجدت إجابة تساؤلاتي هذه في كتاب ألفه الدكتور عبد الله الجديع، وهو أحد أعضاء المجلس الأوروبي للافتاء والبحوث، وأمين عام سابق له، حيث قام ببحث حكم الموسيقى، وتتبع كل الأدلة والأحاديث الواردة فيها، وسرد آراء الفقهاء حول المسألة وناقشها، وجاء بحثه تحت عنوان: “الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام”، في كتاب يزيد عن 600 صفحة، لا يتسع هذا المقال لعرضه واختصاره كاملا، ولكنني سأكتفي بعرض سريع لكلامه حول الأدلة الواردة من القرآن ومن السنة.  

الآيات الواردة
فبدأ الدكتور الجديع بالحديث عن الآيات القرآنية التي استدل بها من يقول بحرمة الموسيقى “أو المعازف”. فخلُص إلى أن هذه الآيات بمجملها لا تدل بشكل صريح على حرمة المعازف، فالتحريم لم يرد فيها بشكل قطعي. بل إنها تحرّم كل ما من شأنه أن يدعو إلى معصية الله، أو ما يتسبب في الصد والابتعاد عن طاعته، وهو أمر يشمل سائر أنواع اللهو واللغو والضلال، ولم يرد عن رسول الله ? ولا عن صحابته أن خصصوا عموم هذه الآيات بالمعازف، وإنما جاء ذلك اجتهاداً في فهم هذه الآيات من قبل مفسرين لاحقين، أو في أقوال نسبت إلى بعض الصحابة، ومن ثم وجد أنه ثمة شكوك في صحة ثبوت هذه الروايات عنهم.

من أمثل ذلك قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَ?ئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ)، فقال البعض، إن المقصود بلهو الحديث هنا الطبل والمعازف. وهو قول لم يثبت عن رسول الله ولا عن صحابته، وإنما المقصود بذلك كل ما من شأنه أن يشغل الانسان عن طاعة الله، سواء كان قولا، أو فعلا. 

الأحاديث الواردة
أما الأحاديث النبوية الواردة في المسألة، فقسمها إلى أقسام: فهي إما أحاديث ثابتة، ولكنها تحدثت بوصف عام عن تحريم اللهو وعن الإعراض عن طاعة الله. وإما أحاديث ثابتة أيضا، ولكنها ظنية في دلالتها على تحريم المعازف، أي لم يرد تحريم المعازف فيها بشكل قطعي. وأما القسم الثالث فهي أحاديث تدل قطعا على حرمة المعازف وتغلظ في عقوبة أصحابها، ولكنها غير ثابتة وغير صحيحة عن رسول الله.

من أمثال هذه الأحاديث غير الصحيحة ما نُسب إليه ? أنه قال: (صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورنة عند مصيبة)، وكذلك: (بعثت بهدم المزمار والطبل)، فهما حديثان ضعيفان، وأيضا: (من جلس إلى قينة فسمع منها، صب الله في أذنيه الآنك يوم القيامة)، والقنية هي المغنية، والآنك هو الرصاص المذاب، وهذا الحديث منكر.

أما الحديث الذي ذكره الشيخ الطريفي في تغريدته، فصنفه الدكتور الجديع ضمن الأحاديث ضعيفة الإسناد، ولكن على الرغم من ذلك فرض صحة هذا الإسناد، وناقش نص الحديث، فقال: (هذا الحديث خبر، ولا ريب أنه قد يدل على وجود الحكم، لكنه لا يفيد بذاته، وإنما يثبت الحكم بدليل آخر، فحكم المستحلات هنا يجب أن يكون قد علم من الشرع بغير هذا الحديث)، أي أن الحكم بالتحريم لم يرد بهذا الدليل وإنما في غيره، وهو ما لم يثبت عنده، ثم إن النهي الوارد في الحديث إنما هو عن حالة عامة من الانغماس في الترف والملذات التي سيصل إليها بعض أبناء الأمة، وسيستحقون غضب الله ومقته بسبب ذلك.

لم يرد تحريم
وبهذا نتوصل حسب هذه الدراسة إلى أنه لم ترد آية قرآنية، ولا حديث صحيح في تحريم الموسيقى بشكل قطعي، كما أثبتت أنه لم يُنقل هذا التحريم عن الصحابة ولا عن التابعين، ولم يُجمع عليه عموم الفقهاء، ولا المذاهب الأربعة، بل ثبت استعمال الموسيقى والاستماع إليها في عهد النبوة والصحابة والتابعين، ولكن ضمن الأدوات المتوفرة في ذلك الزمان، كالدف، والمزمار، والطبلة. 

وهذا يجعلنا ننظر إلى الموسيقى، كبقية الممارسات والمعاملات اليومية، تحكمها ضوابط شرعية عامة، إن اتبعَتها فهي ضمن دائرة الإباحة، وإن تجاوزَتها فهي ضمن دائرة الحرمة، لا لذاتها، وإنما لخروجها عن ضوابط الشرع ومقاصده بصفة إضافية خارجة عن أصلها.

وهذا هو ما قصده الشيخ يوسف القرضاوي، حفظه الله، حينما سئل عن حكم الموسيقى، فقال: الموسيقى الحلال حلال، والموسيقى الحرام حرام.

__________________________

* باحث أردني في الفقه الإسلامي

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة