عبير الفقيه تكتب: الإسبان وتعلّم اللّغة العربيّة

الغريب أن معظم الطّلبة النّاجحين والمواصلين في تعلّم العربيّة يصطدمون باختلاف اللّهجات عندما يسافرون الى البلدان العربيّة ويفاجأون بالجهل بالعربيّة الفصحى.

*عبير الفقيه

لا يختلف اثنان في أنّ تسارع نسق تطّور وسائل الاتصال الحديثة وتقارب الثّقافات يساعد كثيرا على فتح شهيّ البشر لمزيد من التعرّف على الآخر بدْءًا  بلغته ووصولا الى موسيقاه و حتى طعامه.

تقارب يثبت كلّ يوم أن العالم قرية فعلا، وأنّ وهم الحدود لا مكان له إلّا في العقول، من ذلك ان تقف مثلا على شغف اليابانيّين بثقافة الفلامينكو المزدهر في جنوب إسبانيا. شغف يدفع بصاحبه أن يتعلّم اللّغة الإسبانية في المدارس المتوفّرة في اليابان، يسبر أغوار مجتمعها الأمّ وينغمس في جنوبها السّاحر إلى حدود إتقان اللّغة ورقصة الفلامينكو الدّقيقة.

تصوّروا أين يمكن أن يصل مدى الإعجاب برقصة في ثقافة ما؟ فما بالنا بإقبال إسبانيّ على تعلّم اللّغة العربيّة مثلا؟  الأكيد أنّه الأمر يتجاوز الإعجاب و الشّغف.

اللّغة العربيّة لغة عريقة ذات حُظوة عالمية وخصوصا في حضارات الجوار وعلى رأسها أوربا والشّرق عموما. يتكلّمها حوالي 425 مليون شخص، وتكتسب مسحة من العلوّ و القداسة في نفوس متكلّميها باعتبارها لغة القرآن الكريم. وهي  تسبق اللّغة الرّوسية والفرنسية في الترتيب العالمي من حيث عدد الناطقين بها.

وتُعدّ إسبانيا البلد الأقرب إلى الثقافة العربيّة مقارنة بباقي دول أوربا باعتبار الإرث التاريخي  المشترك (سبعة قرون و نيف من الحكم الإسلامي من 711م الى 1492م)، والقرب الجغرافي، وعدّة عوامل جانبية أخرى لعلّ أهمّها، عامل الفضول الطبيعي لإنسان الألفيّة الثالثة، وازدياد رغباته للنّهل من المعارف والثقافات. ناهيك عن الحاجة الملحّة مؤخّرا في متابعة التّحوّلات السياسيّة والاجتماعية العاصفة بالبلدان العربيّة والاجتهاد في فهمها.

وكأغلب دُول العالم تُدرج اللغة العربيّة كاختصاص جامعي مستقلّ في المؤسسات الجامعية الحكومية بإسبانيا، وتحضر أيضا كمادّة اختياريّة لبعض الاختصاصات الأخرى ( العلوم السياسية، علاقات دولية، لغات…). امّا الرّاغبون في تعلّمها موازاة مع العمل أو الدّراسة (مع ضمان شهادة في التّعليم )، فهم مُخيّرون في إسبانيا بين حلّين: إمّا التوجّه إلى المدرسة الرّسمية للّغات، وهي مؤسسة حكومية تحظى بصيت جيّد على مستوى التّكوين في اللّغات عموما؛ و لكن طاقة الاستيعاب فيها محدودة جدّا وتتطّلّب تفرّغا لا يتوفّر لدى الموظّفين أو الطّلبة الذين يفضّلون ساعات أقلّ.

أمّا الحلّ الثّاني فتتكفّل به المدارس الخاصّة بأسعار أغلى مقابل جودة في التكوين مع مرونة في تغيير الأوقات وتقليص عدد الطّلبة في الفصل الواحد. وعموما تحرص المدارس الخاصّة على هذه الجوانب لضمان استمراريّتها ولكسب اسم متميّز في ظلّ المنافسة.

يبقى أن نشير إلى وجود مبادرات تطوّعيّة ضعيفة من طرف الجمعيات التي تهتم بالمهاجرين تقوم غالبا على تقديم تعليم غير محترف وهو أمر مفهوم في ظلّ تشغيل متطوّعين غير مجبورين بإظهار خبرة علمية.

ويمكن تقسيم المقبلين على تعلّم اللّغة العربيّة في المعاهد الخاصّة في إسبانيا إلى ثلاثة فرق: الفرقة الغالبة هي الطّلبة الذين يقبلون بشغف واهتمام بالثقافة العربيّة عموما فقط لدوافع نفسيّة. فرقة ثانية تحتاج اللغة للتواصل مع العائلة باعتبار الطالب ابن زواج مختلط، يعني من أب أو أمّ عربيّة، وغالبا ما يكون متلقٍّ جيّد أيضا.

أمّا الفريق الثّالث فهم مجموعة الطّلبة الموظّفين أو أصحاب المهن الحرّة الذين يحتاجون اللّغة لغاية للتّواصل مع أطراف مهنيّة عربيّة، وعادة ما يكونون حريصين على مراكمة المفردات على حساب القواعد النّحوية مثلا.

وقد يتبادر لذهن العربيّ البسيط أن تعليم اللّغة العربيّة للأوربيين أمر هيّن؛ إلّا أنّ الواقع عكس ذلك. فالطّالب من هؤلاء يأتي بشحنة من الفطنة و النّهم المعرفي و الحضور الذّهني بشكل يجعل الأستاذ حريصا على مصداقيّة كلّ معلومة يعطيها، نطقه، خطّه، ثقافته التي تُثري الحصّة و تميّز بصمته عن غيره. و هو في الحقيقة  إحساس يتملّك صاحبه بقدر غيرته على لغته و إصراره على ترسيخ الانطباع الجيّد في نفوس المعجبين بها.
     والغريب أن معظم الطّلبة النّاجحين و المواصلين في تعلّم العربيّة يصطدمون باختلاف اللّهجات عندما يسافرون إلى البلدان العربيّة ويفاجأون بالجهل بالعربيّة الفصحى، وخصوصا لا مبالاة  فئة الجامعيّين و عجزهم على إتمام حوار سليم لغويّا.

من ذلك أن بعضهم يأتي مستغربا كيف يُعقل أن محاوره العربي المسؤول الذي تعرّف عليه في إدارة ما لا يحسن كتابة جملة صحيحة في وثيقة إدارية طّلبها هذا السّائح. أو أن عربيّا لا يعرف إيليا أبو ماضي ولا يحفظ أبياتا لمحمود درويش… مواقف  ذكّرتني بمثال أعطاه فيصل القاسم يوما متحدّثا في برنامجه الشّهيرعن هشاشة التكوين في الفصحى في البلدان العربيّة حيث قال ” أنا تعرّفت على المضاف اليه في لندن” .

__________________________

*كاتبة تونسية مقيمة في اسبانيا 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة