مقالات

د. عصام عبد الشافي يكتب: أكتوبر .. وإعدام وطن

إن النظام العسكري الحاكم في مصر، لم يتردد لحظة في تبني إستراتيجية حافة الهاوية، والقائمة في أحد جوانبها على الدفع بكل ما امتلك من قوة وأدوات إلى حرب أهلية. يتبع

*د. عصام عبد الشافي
ارتبط شهر أكتوبر في ذاكرة الجيل المعاصر من المصريين بذكرى حرب أكتوبر 1973، التي خاضها الجيش المصري، بدعم عربي، سياسي واقتصادي، وحقق فيها نتيجة نوعية في مواجهة العدو الصهيوني، بغض النظر عن طبيعة وحدود هذه النتيجة، وبغض النظر عن طبيعة وحدود الدعم العربي للجيش المصري، ولكن هذه الذكري كانت تثير نوعاً من الشعور بالفخر بين كثير من المصريين، أياً كانت أيضاً درجة هذا الشعور.

ولكن بعد الانقلاب العسكري الذي شهدته مصر في 3 يوليو 2013، تحول شهر أكتوبر تعبيراً عن مخططات قادة الانقلاب لإعدام وطن، ولما لا وقد جعلوا منه في 2013 و2014 ساحة لصراع صنعوه بأيديهم بين فئات الشعب ومكوناته الأساسية، بعد أن دفعوا فريق من الشعب دفعاً للنزول إلى الساحات والميادين بدعوي الاحتفال بذكري أكتوبر 1973، في الوقت الذي كانت هناك دعوات من جانب رافضي الانقلاب للنزول للساحات والميادين أيضاً رفضاً لممارسات العسكر ومطالبة بانسحابهم من المشهد السياسي، والاكتفاء بدورهم المتعارف عليه في النظم السياسية الحقيقية، وليس الهيمنة على مقدرات الدولة والمجتمع

أصحاب الحق
وهنا قد ينبري البعض ويقول ولماذا لم يتوقف رافضو الانقلاب عن النزول في هذا الشهر؟ والرد هنا لا يحتاج لكثير جدال، لأن أصحاب الحق أولي بالدفاع عن حقوقهم أي وقت شاءوا على حساب أصحاب الاحتفال، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، أن الدعوات للتظاهر رفضاً للعسكر كانت تسبق دائماً دعوات الاحتفال، ومن ناحية ثالثة، أن الداعين إلى الاحتفال، كانوا يختارون نفس الميادين التي أعلن رافضو الانقلاب عن التظاهر فيها، وكأن الدعوة ليست للاحتفال ولكن للاقتتال.

وهي أمور لم تكن مستحدثة على قادة الانقلاب ورموزه، ولكنه سياسة ترسخت منذ اليوم الأول للانقلاب، بل وقبل ذلك في مظاهرات 30 يونيو 2013، التي خطط لها العسكر وأذرعهم الإعلامية والسياسية والأمنية والاقتصادية، والدينية وحلفائهم في الداخل والخارج.

ولم يقف نصيب أكتوبر من مخططات إعدام وطن عما حدث في أكتوبر 2013 وأكتوبر 2014، ولكن اتسع نطاقه في العام 2015، حيث سيشهد هذا الشهر حلقة جديدة من حلقات إعدام هذا الوطن، من خلال أحكام الإعدام المتوقع تأكيدها في الخامس عشر من أكتوبر 2015، بحق عدد من قادة ورموز جماعة الإخوان المسلمين، في القضية رقم 2210 لسنة 2014 (جنايات العجوزة) والمعروفة إعلامياً باسم “غرفة عمليات رابعة”، والتي صدر فيها حكم بإحالة أوراق 14 متهماً إلى المفتي وذلك بتاريخ 11 أبريل 2015.

ففي الأول من أكتوبر 2015، أصدرت نيابة النقض فى مذكرة الطعن على أحكام الإعدام والمؤبد الصادرة ضد الدكتور محمد بديع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين وعدد من قيادات الجماعة. وجاء فى مذكرة النيابة الاستشارية: أولا الحكم بعدم جواز الطعن المقدم من الطاعنين أحمد محمود عبد الحافظ وسمير محمد أحمد، ثانيا بعدم قبول الطعن المقدم من الطاعن عبده مصطفى دسوقى عبد المطلب شكلاً أو بقبوله حسبما هو موضح بهذه المذكرة، ثالثا بقبول عرض النيابة والطعن المقدم من باقى الطاعنين شكلاً وفى الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه والإعادة بالنسبة لهم وللطاعن الذى لم يقبل طعنه شكلاً دون المحكوم عليهم غيابيًا.
وفي نفس الوقت قامت إحدى دوائر محكمة النقض بتأجيل نظر الطعون المقدمة من هيئة الدفاع عن المرشد و37 من قيادات الجماعة المتهمين في القضية الشهيرة بـ”غرفة عمليات رابعة”، لاسقاط أحكام الإعدام والمؤبد الصادرة ضدهم من محكمة الجنايات، لجلسة 15 أكتوبر 2015 بدعوى إطلاع الدفاع على مذكرة نيابة النقض، وهو تأجيل لا معني له، لأن ما تم من رفض في الأول من أكتوبر سينطبق على ما سيحدث في الخامس عشر من أكتوبر.

قوانين العسكر وتشريعاتهم
الأمر هنا ليساً محلا لدفوع ودعاوي قضائية وقانونية، لأن مصر الآن ليست محلاً لقضاء أو قانون، ولكنها يحكمها العسكر بتشريعاتهم وقوانينهم التي يضعها من يقوم على السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، والذي يهيمن على سلطات الدولة ومؤسساتها، ودمر ما بقي من مؤسسات ظل الفساد ينهش في أركانها منذ 1952 وحتى اليوم.

إن تنفيذ حكم الإعدام في أى من قيادات الإخوان، يمكن أن يكون مقدمة لإعدام ما تبقي من هذا الوطن، ليس لأن هؤلاء القادة لهم مكانتهم التي تفوق غيرهم، أو لأنهم أغلى ممن سبقهم إلى الشهادة في سبيل هذا الوطن، ولكن لأن هذا الإعدام سيكون بمثابة “القشة التي ستقصم ظهر البعير”.

والبعير هنا هو الرهان على أمل خاسر في أن قادة الانقلاب كانوا يساومون بهذه الأحكام للابتزاز السياسي، والرهان على أنهم لن يقدموا على تطبيق هذه الأحكام، أما وإذا انهار هذا الرهان، فسيفقد الجميع السيطرة على الجميع، ولن يستطيع أحد فرض وصايته على أحد، ويمكن أن يتحول الصامدون الصابرون المتمسكون بسلمية ثورتهم حفاظاً على أمن واستقرار وطنهم إلى أدوات لرد الصاع لمن نال من رموزهم، ولمن يدفعهم دفعاً لهذا السيناريو الكارثي منذ 3 يوليو 2013 وحتى الآن.

إن النظام العسكري الحاكم في مصر، لم يتردد لحظة في تبني إستراتيجية حافة الهاوية، والقائمة في أحد جوانبها على الدفع بكل ما امتلك من قوة وأدوات إلى حرب أهلية حتي يضمن استمرار الهيمنة والسيطرة، وحتى يضمن الترويج لفزاعته حول الإرهاب التي يتاجر بها ويبتز بها الخارج. وفي إطار تحقيق النجاح في هذه الإستراتيجية فإنه لن يتردد لحظة في إعدام قادة الإخوان ورموزهم، إذا وجد في هذا ما يحقق له غاياته.
ولكن ما لا يعلمه الكثيرون، أو يعلمونه ويتجاهلون آثاره، أن مثل هذا السيناريو لن تتوقف تبعاته على حدود مصر، ولكن نيرانه ستنال الجميع، سواء قوي إقليمية أو دولية… ولهذا حديث آخر.
_____________________

*باحث مصري في العلوم السياسية

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة