مقالات

ابتسام تريسي تكتب: من منا لم يعشق روسيا؟

قبل أن تنقشع غمامة العشق بحدوث الثورة السورية وانهيار كل الأصنام بدءًا بصنم حافظ الأسد الذي يحتل ساحات المدن السورية ومداخلها، كان معظم السوريين يعتقدون أنّ روسيا التي عشقوها ستكون إلى جانبهم.

ابتسام تريسي*

أنا من جيل تربى على روايات تولستوي وتشيخوف ومكسيم غوركي وايتماتوف.. لم يكن ذلك مصادفة أو اعتباطاً، لا شيء في التاريخ يقوم بتشكيل فكر وعواطف شعب بمجرد مصادفة.

خيار سوريا منذ خروجها من تحت نير الاحتلال الفرنسي أن تكون دولة ديمقراطية حرّة ببرلمان حر، تحوّل بعد الانقلابات العسكرية المتعاقبة إلى نظام اشتراكي أرسى أسسه المفكر السوري زكي الأرسوزي.

وخطف ميشيل عفلق الفكر النظري ليؤسس حزب البعث “الأوحد” الحاكم للدولة والشعب، رافعاً شعار “وحدة ، حرية، اشتراكية” وقد طبّق الحزب البند الأول من شعاره لفترة قصيرة في الوحدة مع مصر، وتجاهل البند الثاني، فقد كان حكماً ديكتاتورياً يؤله الأشخاص ويسعى لتهميش المبدعين الحقيقين والمفكرين، وتشبث بالبند الثالث، وكان هواه سوفيتياً، واستقى أسسه وتعاليمه من تجربة الديكتاتور الأكبر ستالين.

ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، فقدت الاشتراكية ذلك البريق الذي تمتعت به وتمزق اليسار العربي وأفل نجمه، وبقي التيار محصوراً بأعداد قليلة من التابعين الذين يجترون أمجاداً لم يعد لها وجود في الواقع. واختار بعضهم الانشقاق لتشكيل أحزاب شيوعية تأخذ في حسبانها البيئة الثقافية والاجتماعية للواقع العربي.

أنا من جيل خطفت رواية “الأم” أنفاسه على الرغم من احتفائها بالشعارات مثل باقي روايات غوركي، هذا الجيل الذي لم يكن أمامه على شاشة التلفزيون سوى لونين “أسود وأبيض” أيضاً كان أمامه قوتين تتصارعان على حكم العالم “أمريكا، والاتحاد السوفيتي” وبما أنّ نظام الدولة يميل إلى الهوى الروسي فقد كانت برامج التلفزيون السوري “الاشتراكي” تبث أفلاماً روسية عن الحرب العالمية بالأسود والأبيض، وتبث أفلاماً روسية خيالية للأطفال ، تحتلها جميلات الشاشة الروسية، حتى الرسوم المتحركة كانت روسية وبقيت شخصيتا “خوموركا وأرخميدس” مؤثرتان في لاوعينا فترة الطفولة والشباب. 

في الجامعة كان “مرجعنا الأعلى” لينين، وشيخ طريقتنا “ماركس” وأصحاب “الحضرة” الدراويش متمثلين بأدونيس “الثابت والمتحول” والماغوط من خلال أشعاره ومسرحيات دريد لحام.

نعم عشقنا غوركي والماغوط وأدونيس ولم نشبع من تكرار مسرحيات “غربة” و”ضيعة تشرين” و”كاسك يا وطن”. وغرقنا في مستنقع اليسار وربما كان حزننا على انهيار الاتحاد السوفيتي أكبر من حزن الروس أنفسهم.. ولم تتركنا فيروز والرحابنة نخرج طوعاً من سيطرة النشيد الوطني للجيش الأحمر، بل حوّلته لأغنية بصوتها لا نمل تكرارها “كانوا يا حبيبي تلج وصهيل وفي” .

مَنْ مِن جيلي لم يقرأ عملاق الأدب الروسي جنكيز ايتماتوف، من يستطيع نسيان سائق شاحنته في الجبال ومشاكل العمال وشخصيات القاع الروسي الفقير!

مَنْ من جيلي لم تفتنه الفتاة “كاتيوشا” التي غنت لحبيبها الذي قتل في الحرب العالمية أغنية رائعة وحمل السلاح الذي يقتل به الروس الشعوب المسالمة اسمها!

قبل أن تنقشع غمامة العشق بحدوث الثورة السورية وانهيار كل الأصنام بدءًا بصنم حافظ الأسد الذي يحتل ساحات المدن السورية ومداخلها، كان معظم السوريين يعتقدون أنّ روسيا التي عشقوها ستكون إلى جانبهم في مطلبهم العادل “الحرية” التي بقيت طيلة خمسين عاما مجرد شعار يردده التلاميذ عند تحية العلم في صباحات الدراسة التي لم يعد لها وجود أيضاً بعد أن دمّر بشار الأسد المدارس قبل المساجد والبيوت والآثار والبنى التحتية في البلاد.

سقطت الأقنعة، وظهر للعيان ما نسيه الشعب السوري أو حاول أن يتناساه في غمرة بحثه عن قشة يتعلق بها لينجو من بحر الدماء.

تناسى أنّ روسيا كانت من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل، وأنّ نسبة كبيرة من الصهاينة المحتلين لفلسطين هم من اليهود الروس! وأيضاً أثناء بحثه عن تلك القشة جعل من أردوغان بطلاً ومن تركيا وطناً وتناسى أن تركيا كانت الصوت المرجح لصدور قرار الاعتراف بإسرائيل في الأمم المتحدة. وحين ضاقت به الدنيا واستقبله الألمان في رحلة بحثه عن مكان لا براميل متفجرة فيه، عشق ميركل وكاد يصنع لها تمثالاً ، وظهرت صورها وتحتها عبارة “منحبك” على مواقع التواصل الاجتماعي.. ولا أدري كيف سيتعامل السوريون مع آخر تصريح لها “حيث نعرف جميعاً منذ أعوام أنّه يمكن أن يكون هناك حل فقط في وجود روسيا و ليس من دون وجودها !” حتى ميركل تعشق روسيا على الرغم من أنّ بين ألمانيا وروسيا ما صنع الحداد!

وما صنعه الحداد كما يفسره البعض هو “السيف” أمّا الحكاية الشعبية فترجعه إلى امرأة “نكدية” سئم منها زوجها فأحضر مطرقة وصفائح حديد وطلب من ابنه أن يطرق عليها باستمرار وذهب وأقام له خيمة في مكان لا يصل إليه صوت الطرق والنق! وإن كنت أرى أنّ ما صنعه الحداد له تفسير أقوى من هذه الحكاية، فيما صنعه “ذو القرنين” حين وصل إلى قرية لا يكاد أهلها يفقهون قولاً ، واشتكوا له قوم يأجوج ومأجوج، وطلبوا منه أن يصنع بينهم سداً، ويعطونه أجراً كما جاء في سورة الكهف: “آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتّى إذا جعله ناراً قال آتوني أفرغ عليه قطرا، فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا”

ميركل قبل غيرها تدرك طبيعة القوة العسكرية الروسية، وتحديداً مقدرة الطيران الروسي الذي يتفوق على الطيران الأمريكي، ويحتاج لقوة موازية لقوته تقف مع الشعب السوري غير متوفرة حالياً وإن توفرت ستكون متواطئة ضدّ الشعب، وربما على السوريين الانتظار سنتين ليستلم الجمهوريون الحكم في أمريكا على أمل أن يأتي رئيس مجنون مثل جورج بوش الابن الذي احتلّ العراق من دون تفويض أممي، كما تحتل روسيا سوريا الآن من دون تفويض أممي، بل بتفويض ضمني بدليل تواطئ الدول الغربية كلها مع روسيا وسكوتها عن قتل أطفال سوريا وتدمير المزيد من المدن فوق رؤوس سكّانها.

 لقد انتظرت روسيا سنوات طويلة جداً بعد الصفعة التي أكلتها في أفغانستان كي تكسب صمتاً دولياً مقابل احتلالها لسوريا ، فأيام الاتحاد السوفيتي وغزوه لأفغانستان جنّدت أمريكاً كلّ المسلمين حول العالم، وصنعت القاعدة لأجل تمريغ أنف السوفييت في التراب، أمّا مع الثورة السورية فبالكاد نسمع صوتاً يعترض على احتلال سوريا من قبل الجيش الأحمر الروسي .
______________________

*أديبة سورية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة