مقالات

محمد منير يكتب: الصوت الانتخابي القادم الحاسم

أبناء الطبقة الوسطى يتحركون بدوافع نابعة من قناعتهم ومزاجهم ، لهذا فإن قسماً كبيراً منهم يميل إلى سياسة العزوف عن التصويت كوسيلة احتجاج على النظام. يتبع

 

 

محمد منير*

      مصر تعيش أزهى عصور الديمقراطية .. عبارة شائعة فى الأوساط السياسية وخاصة الرسمية .. والديمقراطية يا سادة وسيلة متفق عليها لتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية، وهذا ما يحدث تماما فى معظم بلاد العالم وخاصة المجتمعات الغربية؛ إلا أنه فى بلادنا ديمقراطية بلا غاية فلا حرية ولا عدالة اجتماعية.

ويبدو أن ديمقراطيتنا مصنوعة من مادة خام مغشوشة مثل أشياء كثيرة، مثل حديد التسليح الذى انهارت بسببه بنايات فوق رؤوس الأبرياء، ومثل الأغذية واللحوم المسرطنة والفاسدة التى أضرت بصحة المصريين، ومثل الطرق غير الممهدة التى أريقت عليها دماء الأبرياء.

لهذا لم تنتج الديمقراطية المصرية سوى كل قبيح وفاسد، وإذا حدثت طفرة غير متوقعة، وأنتجت الديمقراطية الشكلية نبتا صالحا انقلب عليه حراس الفساد واجتثوه من جذوره منذرين كل من تسول له نفسه التعامل مع الديمقراطية المصرية باعتبارها طريق للحرية والعدالة الاجتماعية. 

أتذكر منذ أعوام أننى تجرأت وكتبت مقالا طالبت فيه أن يكون حق التصويت فقط للمتعلمين حيث يفتقد الأمى مقومات الاختيار السليم لمن يعبر عن الوطن ويقوده، كما أن أميته نقطة ضعف وثغرة يدلف من خلالها قادة الدكتاتوريات وأباطرة الفساد .. والدليل أن نتائج  ديمقراطية الدول التى تنعدم فيها الأمية تختلف تماما عن نتائج الديمقراطية الفاسدة فى بلادنا، وما إن كتبت ذلك حتى هاجت الدنيا وماجت وكان نصيبى أفظع التعبيرات، وأبشع الاتهامات ابتداء من التعالى مرورا بالجهل نهاية بالخيانة!

الأدوات يا سادة ليست أوثاناً تُعبد على حالها؛ فالأدوات وسيلة لتحقيق غاية يتم تهذيبها وتطويعها طبقا لظروف وواقع كل مجتمع، والديمقراطية وإن كانت تعبيرا عن مصالح أفراد المجتمع، إلا أن المتحكم فى تفاصيلها يجب أن يكون ممن يحمل وعياً ناضجاً بمعنى كلمة الاختيار والانتخاب والمصلحة العامة، وهذا ما لا يتوفر فى الأمي الذى يسهل اقتياده فى أى طريق طبقا لمصالح ذاتية ضيقة وباستغلال غفلة الوعى غير المكتمل وخاصة فى المجتمعات الفقيرة، والنتائج واضحة.

وتوضيحا لما كتبته سأضرب مثلا عمليا .. فى دائرة الدقى والعجوزة وفى معركة الإعادة تنافس أحمد مرتضى منصور والدكتور عمرو الشوبكى، وطبقا للمواقف السياسية فلا فرق كبير بينهما فكلاهما من مؤيدى النظام الحالى ومن مناهضى أى معارض له .. الفرق شخصى الأول ابن لمدرسة البلطجة المجتمعية ووريث أبوه أشهر بلطجى مصرى وصاحب نظرية وأسلوب مشهور فى مصر " القبيحة ست جيرانها " ، وأدواته البرلمانية منعدمة وثقافته الأكاديمية منهارة ورؤيته لدور البرلمانى ضيقة تفتقر إلى الفهم والوعى والثقافة.

والثانى عمرو الشوبكى يسير فى نفس التوجه السياسى لإبن مرتضى فهو من نفس فريق حلفاء النظام الفاسد، ولكنه أكاديمى يمتلك من الأدوات ما يؤهلة للقيام بدور النائب فى البرلمان الهزلى، ولهذا فإن المنطق يسير بنا إلى فوز الشوبكى، وجاءت النتيجة لتعلن فوز أحمد مرتضى وحصوله على 21817 صوتا مقابل حصول الشوبكى على 21029 صوتا الفرق 788 صوتا.

 دائرة الدقى والعجوزة من الدوائر التى ينقسم سكانها اجتماعيا إلى قسمين قسم يتجمع فيه أبناء الطبقة الوسطى بكل وعيها وثقافتها، وقسم يعيش فيه أبناء المناطق القديمة التى تتسم بالفقر وانتشار الأمية، وتنعكس عليها كل موبقات الانهيار الإقتصادى والمجتمعى .. القسم الأول تعداده السكانى يفوق القسم الثانى، ورغم ذلك فالتأثير الانتخابى لأبناء المناطق الفقيرة أقوى.

أبناء الطبقة الوسطى يتحركون بدوافع نابعة من قناعتهم ومزاجهم، لهذا فإن قسماً كبيراً منهم يميل إلى سياسة العزوف عن التصويت كوسيلة احتجاج على النظام، والجزء الآخر يصوت طبقا لقناعته التى تميل تجاه المرشح المؤهل للبرلمان وليس ابن العزوة أو القوة أو العصبة. القسم الثانى فى المناطق الفقيرة يسهل حشده بدعايات ساذجة ووعود كاذبة وعطايا لا تسمن ولا تغنى من جوع لسد رمق يوم أو أسبوع بالكثير بسبب الفقر والجهل .. وهذا هو الفرق بين ما حصل عليه مرتضى والشوبكى، إلا أن هناك حقيقة غائبة وهو أن العازفين عن التصويت بسبب احتجاجهم على كل الأطراف وعلى اللعبة البرلمانية الوهمية والديمقراطية الفاسدة يفوق عدد ماحصل عليه المرشحان بل يفوق عدد من شارك فى الانتخابات كلها .
 معنى هذا أن هناك صوتا لم يسمع بعد وهو الصوت القادم الحاسم .

____________________________

*كاتب وصحفي مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة