مقالات

عبير الفقيه تكتب: "الحلال" في إسبانيا

أظهر بعض السياسيين في دول أوروبا الغربية خصوصا إبان الحملات الانتخابية اهتماما خاصا عبر خطب شعبوية لتشويه الجالية المسلمة، واتهامها برفض الاندماج.. يتبع.

عبير الفقيه*

       انتظم بالعاصمة الإسبانية مدريد أواخر شهر أكتوبر/تشرين الأول، المعرض العالمي للمنتُوجَات الحلال، وقد جمع أكثر من 300 مؤسسة من إسبانيا ومن دول حوض المُتوسط تَخصَّصَت في هذا النوع من المنتوجات.

وقد تمَّ بالتوازي مع المعرض عقد العديد من المحاضرات التي أُثيرت فيها  نقاشات مُتصلة بمشاغل هذا القطاع الواعد، والذي يقدر الخبراء أن رقم معاملاته في البلدان الأوروبية  وحدها  يفوق حاليا  الـ67 مليار يورو مع نسبة نمو سنوي بين الـ10 والـ20 في المائة. ويُتوقع أن يبلغ 20 في المائة سنة 2020 من قيمة السلة الغذائية بأوروبا. 

وأثار ازدياد الطلب على المنتوجات الحلال خلال السنوات الأخيرة اهتمام كبار المُصنعين والمُوردين وشركات التوزيع.

وقد يتبادر إلى الأذهان أن المنتوجات الحلال تتركز حول اللحوم ومشتقاتها ومراعاة القواعد الشرعية عند ذبح الحيوانات؛ لكن الحقيقة أن هذا المفهوم قد أتسع لتشمل العلامة التجارية "حلال"  منتوجات غذائية وخدمات متعددة من الصناعات الدوائية والأمصال إلى مواد التجميل والعناية بالبشرة وصولا إلى الملابس والخدمات  السياحية والبنكية.

وهو ما أضفى معان جديدة على مفهوم المنتوجات الحلال وأخرجه من دائرته الاثنية والدينية الضيقة ليتحول إلى مُرادف للمنتوجات الصحية ذات الجودة العالية، وهو ما حول هذه المنتوجات لتندرج على قائمة البدائل للنمط الغذائي السائد الذي ارتبط بعدة أمراض كالسرطان مثلما أشارت منظمة الصحة العالمية مؤخرا إلى ذلك.

ولا شك أن انتشار عروض علامة  الحلال المميزة  داخل الفضاءات التجارية الكبرى قد يسَّرَ الحصول على المنتوجات "الحلال"، وزاد من شعور المستهلكين المسلمين بالنخوة والاعتزاز بهويتهم الدينية، وتعبيرهم الصريح عن امتثالهم للتعاليم التي تلزمهم بالابتعاد عن أكل  الحرام رغم وجودهم ضمن سياق من العادات الغذائية المُعَولمة وفي مجتمع أغلبه من غير المسلمين. 

وقد كانت شركات التوزيع والفضاءات التجارية الكبرى تتحاشى فيما مضى عرض العلامة "حلال" خشية التصادم مع خطاب اليمين المتطرف الذي يتهم الجالية المسلمة بالسعي لأسلمة المجتمع بتواطؤ من الشركات العابرة للقارات التي أحيت في المسلمين الرغبة في التعبير دون وجل عن ثقافتهم الدينية ومظاهر سلوكهم  المختلف عما هو سائد. 

 غير أن الشركات  قد حسمت أمرها وفضلت الانحياز للربح والاستفادة من سوق "الحلال" الواعدة، وذلك بابتداع حيل  تغيير التسمية لتصبح في أحيان كثيرة "منتوجات الشرق"، و"التسويق للاثنيات" في مناسبة رمضان مثلا لتشبع حاجة الزبائن من المسلمين وغيرهم و تتحاشى بذلك الردود الحادة من السياسيين المتطرفين  المتأهبين لالتقاط أي زلة. 

ورغم الجدل المُثار حول التنازع القانوني للسُّلطات الدينية التي تمنح علامة "حلال"، وتصادق عليها  بعد مراقبتها من المنشأ حتى تصل إلى المستهلك؛ فإن المنتوج  في كل الحالات فتح أبواب رزق لكل المشاركين بل أصبح موضوع منافسة شديدة بين الشركات الكبرى لتفوز بحصة من السوق الضخمة والواعدة.

 وقد أظهر بعض السياسيين في بلدان أوروبا الغربية خصوصا إبان الحملات الانتخابية اهتماما خاصا بالموضوع عبر خطب شعبوية لتشويه الجالية المسلمة، واتهامها برفض الاندماج مع المجتمعات الحاضنة وإصرارها على التمايز بعاداتها الغذائية الغريبة عن ثقافة المجتمعات التي يعيشون فيها مستشهدين ككل مرة بتقارير رفعتها الجمعيات المُدافعة عن الحيوانات تعتبر طريقة الذبح تعذيبا، وتطالب  بتخدير الذبيحة قبل ذبحها وتدعوهم إلى الالتزام بتراتيب العمل في المسالخ في أغلب الدول الأوروبية .

وقد تم إلغاء الدورة الحالية للمعرض والتي كان مُقررا تنظيمها في فرنسا وتحويلها إلى مدريد صدى لصراع بين السياسيين الذين يستثمرون في عدائهم لكل ما هو إسلامي، وهم على مسافة شهر من الانتخابات المحلية، لاسترضاء ناخبين مسكونين بالإسلام فوبيا، في مواجهة رجال الأعمال الذين ينظرون إلى الواقع بعين أخرى  ويرون أن إبعاد المعرض من باريس إلى إسبانيا هَدرٌ لفرصة مُواتية لالتقاط وُعُودِ استثمار وعقد صفقات مُغرية قبل أن يلتقطها المنافسون.

وقد نجح أصحاب المطاعم مثلا في استقطاب المسلمين من المقيمين ومن السائحين عندما أفلحوا في إدماج الأطباق الحلال في لائحة الأطعمة المقدّمة أو حتى في تركيبة تلك الأطباق النمطية التي تُميز تراث الطبخ الوطني مصدرُ فخر الفرنسيين الدائم . وهو ما أعْتُبِرَ علامة انفتاحٍ تُجَاهَ نمط الثقافة الغذائية للمُسلمين. وتحول بذلك الطعام الحلال من مجرد سلعة مُنتَجَةٍ لحساب أقلية دينية إلى بضاعة مُوجهة لعموم المُستهلكين ومعروضة في نفس الفضاءات التجارية الكبرى شأنها في ذلك شأن بقية البضائع والسلع.
  ومثلما تطور الطلب على المنتوجات البيولوجية والتي يقع إنتاجها وتصنيعها وتسويقها في ظروف  أقرب إلى الطبيعية للحفاظ على سلامة مكوناتها بدواعي  العودة  إلى الطبيعة فإن الإقبال على المنتوجات "الحلال" كان استجابة لالتزام المستهلكين المسلمين بالتعاليم الدينية باستهلاك ما هو مباح شرعا ولو كانوا في بلدان غير إسلامية .

________________________

*كاتبة تونسية مقيمة في إسبانيا
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة