نور الدين عبد الكريم يكتب: حول حديث “ناقصات عقل ودين”

 نور الدين عبد الكريم*
كثيرا ما يختلط الفهم الصحيح، للمسائل والأحكام الشرعية، بالعادات والتقاليد المجتمعية المتوارثة. فربما نجد في مجتمعات عربية أو إسلامية عادات وتقاليد، تتعارض بشكل صريح مع الفهم الصحيح للدين الإسلامي ومقاصده.

وربما يحمل البعض هذه العادات والتقاليد على أنها من صلب الإسلام، وبالتالي يبني تديّنه على ذلك، فيصبح دينه خاضعا لعاداته وتقاليده، في حين أن الأصل أن تكون العادات والتقاليد خاضعة للضوابط والأحكام الشرعية، وبذلك يكون الابتداء بالفهم الفقهي الصحيح للدين، ومن ثم تمرر هذه العادات والتقاليد على المقياس الشرعي، فيُثبت ما يوافق الأحكام الشرعية ومقاصد الشريعة ويُلغى ما يتعارض معها. وبهذا ينتفي التعارض بين الحكم الشرعي والعادة الموروثة.

موضوع المرأة في مجتمعاتنا، أحد الأمثلة التي اختلط على الناس أمرهم فيها، بين ما هو شرعي وما هو عادة مجتمعية خاطئة. فمن الغريب أن نجد في مجتمع مسلم من يمتهن المرأة وينتقصها حقها أمام حق الرجل، معللا ذلك بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي وصف فيه النساء بأنهن “ناقصات عقل ودين”.

من الحق القول إنه ربما من الصعب بمكانة تحديد تاريخ وسبب وكيفية تسلل الفكر الذي ينظر إلى المرأة بانتقاص، وتقليل قدر، مقارنة بالرجل. هذا الفكر الذي ينظر إلى الرجل وكأنه عنصر بشري كامل لا تشوبه شائبة، وأن المرأة تنقصه قدراً، وتأتي دونه مكانة، خلقت مكملة له لا قرينة له بالبشرية، ولا متساوية له بالمسؤولية والتكليف الشرعي أمام الله، وهذا هو سبب نعته صلى الله عليه وسلم لهن بنقصان العقل والدين، حسب فهمهم.

الاشكالية
من يتتبع شرح وتعليق الكثير من العلماء المتأخرين والمعاصرين لهذا الحديث الشريف، يدرك أن ثمة إشكالية قد أثرت على طريقة نظرة مجتمعاتنا إلى المرأة، وليس في هذا الكلام انتقادا أو قدحاً في كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، بل إن المقصود إشكالية في تلقي الناس للحديث، وفي فهم له.

وقد درس هذا الحديث وتتبع أحكامه، الأستاذ الدكتور “محمد أبو الليث الخير آبادي”، أستاذ مادة الحديث في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، وقدم خلاصة دراسته هذه في بحث بعنوان: “حديث ناقصات عقل ودين: إشكالية، أسباب، حلول”. وأجاب في هذه الدراسة على كثير من التساؤلات التي يحملها البعض منا وتجول في خاطره، وتضعه في حيرة من أمره، فالبعض قد يتساءل، كيف لنبي الرحمة والعدالة، الذي كان يحث رجال أمته ويذكرهم بواجبهم تجاه النساء ويقول: “استوصوا بالنساء خيرا”، النبي الذي كان يقول: أكرموا النساء فما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم”، كيف له أن ينتقص من قدرهن، ويحط من شأنهن، ويرميهن بنقصان العقل والدين، وفي يوم عيد؟!

نَصّ الحديث:
يجيب الدكتور أبو الليث على هذه التساؤلات. يذكر في بحثه عدة روايات صحيحة للحديث، بالإمكان التوفيق بينها في أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج على الرجال في يوم العيد، وخطب فيهم وأوصاهم ووعظهم. ثم مر على النساء، وخصهن بالحث على الصدقة والتقرب. فقال: “يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار”، فأجبنه: وبم يا رسول الله؟ -أي: أيُ سبب جعلنا أكثر أهل النار- فقال: “تكثرن اللعن، وتكفرن العشير”
ثم أتبع قائلاً: “ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن”، فسألنه عن سبب نقصان عقولهن ودينهن، فقال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟” قلن بلى. قال: “فذاك نقصان عقلها”، “أو ليست إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم؟” قلن بلى. قال: “فذاك من نقصان دينها”.

للداعية المتمرس الحرية أن يستخدم اسلوب الترغيب أو الترهيب حسبما تفتضيه الحالة والمناسبة. فقد حثهن عليه الصلاة والسلام على التصدق، وذكّرهن بأنهن يكثرن عصيان أزواجهن، واللعن، وهذا مما سيجعلهن يفقن الرجال عددا في دخول النار يوم القيامة، ثم بيّن لهن أن تقديم الصدقات لوجه الله تعالى سيمحو عنهن تلك الخطايا. وقد ذكر رواة الحديث أن جمع النساء هذا كان أغلبه من نساء الأنصار، ونساء الأنصار معروفات بأن كن “يغلبن” أزواجهن.

فربما اقتضت في هذه الحالة تذكيرهن وتعريفهن بحقوق طاعة الأزواج. وبعد النصح والتذكير أحب عليه الصلاة والسلام أن يلاطفهن، ويمازحهن، فذكر أمر سلب عقول ذوي الألباب والحكمة من الرجال، مع أنهن ناقصات عقل ودين. وعلى هذا لم يكن ذكر نقصان العقل والدين سببا رئيسيا أو هدفا من الحديث. بل جاء بمناسبة عفوية، وكان ممن باب الاستطراد، أو الاستتباع كما ذكر بعض علماء الحديث، والاستتباع هو “المدح بشيء على وجه يستتبع المدح بشيء آخر”، كما ورد في موسوعة” كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم”.

فهل يعقل أن يقف عليه الصلاة والسلام على رؤوس المسلمين والمسلمات في يوم عيد وفرحة وبهجة، وينتقص من قيمة أحد منهم أو قدره، وهو النبي الذي آتاه الله جوامع الكلم، وأدّبه فأحسن تأديبه، وجعل الرحمة واللطف والطيب، من صفاته الملازمة التي لا تفارقه على أي حال كان.

حقيقة نقصان العقل والدين:
إذاً، ذكر نقصان العقل والدين كان من باب الملاطفة والممازحة، وهذا لا يعني بحال من الأحوال الافتراء أو الكذب، فالنبي صادق في جده وفي مزحه، وقد أوضح معنى كلامه حينما استتبع، وخصص كلامه في حالتين اثنتين، وهي عدم أداء المرأة صلاتها وصيامها حال حيضها ونفاسها، وكذلك، كون شهادتها تعادل نصف شهادة الرجل. وبذلك نفهم أن وصف النقصان هذا غير ملازم للمرأة على جميع أحوالها، بل خاص بهاتين الحالتين فقط، وعدا ذلك ينتفي عنها. فالنقصان الوارد في الحديث إذن ليس عاما شاملا لجميع النساء ولا في جميع الأحوال.
أما طبيعة نقصان الدين، فلم يقصد المصطفى به نقص قدر ولا مكانة، فهو ليس نقص حقيقي، وإنما هو نقص صوري عددي فقط. فالمرأة مأمورة من الله تعالى بأن تترك صلاتها وصيامها حال حيضها، فكيف لها أن تستجيب لأمر ربها ومن ثم نفهم استجابتها هذه على أنها تقليل لدينها ومكانتها.

أما نقصان العقل الوارد في مسألة الشهادة على عقود المداينة، فالمقصود به أن شهادة المرأة تعادل نصف شهادة الرجل، وهو أيضا نقصان أداء كذلك، لا نقصان حقيقي. لكن يبدو أن الاشكالية في هذه المسألة قد تكون أكثر صعوبة من إشكالية نقص الدين، فقد أورد الدكتور أبو الليث بعض النصوص والشروح التي فَهمت هذا الأمر على أنه نقصان حقيقي، وهي نصوص لعلماء أجلاء بحجم القرطبي والشوكاني رحمهما الله.

إلا أنه بالإمكان الإجابة على هذا الإشكال، بأن المقصود بالنقصان العقلي للمرأة لا يحمل على النقصان الحقيقي، بل هو نقصان أداء كما ذكر سابقا، وعلى ذلك فإن الخلاف الدائر في المسألة، إنما هو حول فهم العلة من النص الشرعي الذي اشترط شاهدتين على عقد الدين، مقابل كل شاهد من الرجال.

فيرى بعض العلماء السابقين، وكذلك المعاصرين، أنه مراعاة لعاطفة المرأة ومشاعرها المتقلبة، بسبب ما يعتريها من تغيرات في مزاجها في فترة حيضها وكذلك حملها وولادتها، وليس في هذا إنقاص لقدرها أو مكانتها، بل فيه تخفيفٌ للأعباء، وتقليلٌ من كثرة المسؤوليات، وتنزيهٌ وترفعٌ لها عن كثرة مزاولة الأمور المادية، وحضور مجالس المداينات، والمراهنات والمناقصات، بتعقيداتها وخلافاتها التي لا تنتهي.

وتعلق “مديحة خميس” موضحة هذه القضية بقولها: “وليس المقصود أن هذه الأشياء هي السبب في هذا النقص، وإنما هي دليل عليه نتيجة عنه ومترتبة على وجوده، أي أنه بسبب قلة سيطرة العقل عند المرأة وتغلب العاطفة عندها بما يستتبع قلة سيطرة دينها وغيابه أحيانا، قد خفف الله عليها، فحملها عبء ومسؤولية نصف الشهادة رحمة بها”.

الفهم الخاطئ جاء متأخرا
ومن العجيب في هذه المسألة أن أحدا من الصحابة أو الصحابيات الأجلاء، لم يأخذ كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، على هذا المعنى الخاطئ الذي تناقله بعض العلماء، وبعض عامة الناس أيضا، فلم يرد عن الصحابة ولا عن تابعيهم أن نظر أحدهم إلى المرأة نظرة انتقاص، أو دونية، ولم يرد عن إحدى الصحابيات أن اشتكت انتقاصها أو اهانتها بسبب نقصان عقلها أو دينها. أما سؤالهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين ورود الحديث فقد كانت أسئلة توضيحية لا اعتراضية. 

وقد جاء اللبس والإشكال في الفهم، في أجيال لاحقة لعصر الصحابة والتابعين وتابعيهم، وتناقلتها الكتب، وتداخلت فيها العادات والتقاليد الخاطئة، حتى وصلنا إلى زمان، يقف فيه خطيب الجمعة ويقول: “رحم الله زماناً كانت المرأة لا تخرج فيه إلاّ ثلاث مرّات : مرّة من بطن أمّها، ومرّة من بيت أبيها إلى بيت زوجها، ومرّة من بيتها إلى قبرها”، وهي جملة سمعها الشيخ محمد الغزالي، فرد عليها قائلا: “لا بارك الله في هذه الايام، ولا اعادها في تاريخ امتنا، إنها أيام جاهلية لا أيام اسلام”
حديث “ناقصات عقل ودين”، لا امتهان ولا نقص لامرأة فيه. بل فيه وعظ وإرشاد، ممزوج بملاطفة وبمجاملة، فيه إقرارٍ بدهاء وقوة شقائق الرجال؛ فهن سالبات العقول، مذهبات الألباب، آخذات أذهان ذوي الحكمة وذوي الرأي. فأي شاعر وأي صاحب غزل قادر على الاتيان بأجمل من هذا الوصف.

_____________________________

*باحث أردني
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه