عبد الرزاق قيراط يكتب: إصلاح التعليم في تونس .. من هنا نبدأ

إنه لا إصلاح إلاّ بإعادة الأمور إلى نصابها، فالمدرسة للدراسة والبيت للأسرة، والشارع طريق للعبور لا غير. والهدف من هذا الفصل أن تقوم كلّ جهة بوظيفتها في الفضاء الذي خصّص لها. يتبع

عبد الرزاق قيراط*

عندما تتخلّى الدولة عن مسؤوليّاتها في إدارة قطاع التربية والتعليم تعمّ الفوضى. وهذا حالنا في جلّ البلدان العربيّة وفي تونس بالخصوص. وعليه فإنّ الإصلاح الذي ينادي به الجميع لا بدّ أن ينطلق من تشخيص دقيق للوضع الذي وصلت إليه مدارسنا لتحديد المسؤوليّات وإلزام أصحابها باحترام واجباتهم نحو أجيال يتهدّدها شبح الأميّة والتخلّف والبطالة.

واللافت في نتائج التشخيص أنّ البنية التحتيّة للمدارس لم تعد صالحة لاستقبال الطلاّب وإيوائهم تحت سقوف قد تنهار بين لحظة وأخرى. وقد اعترف وزير التعليم التونسي بالحالة المزرية التي تعرفها المؤسسات التعليميّة مبيّنا أنّ “صيانتها تتطلّب 800 مليون دينار لا تستطيع الدولة  توفيرها”!

وهو بذلك التصريح يقدّم البرهان على استقالة الحكومة وتنكّرها لواجبها نحو المؤسّسات التعليميّة.. فالدولة عاجزة بإرادتها لأنّها لا تخصّص إلاّ قرابة 13 بالمائة من ميزانيّتها لذلك القطاع الذي يحتاج إلى أضعاف تلك النسبة الزهيدة الموجّهة لتسديد رواتب المدرّسين والموظّفين. فلا أموال للصيانة ولا موارد للتدريب والتطوير، ولا تفكير في النهوض بوضعيّة المربّين الذين التحقوا بطبقة الفقراء، ولا اهتمام بحال آلاف الطلاّب تأويهم مدارس لا تتوفّر فيها مياه صالحة للشراب، فما بالك بالنقائص الأخرى.

الانقطاع المدرسي
لقد تسبّب كلّ ذلك في تنامي ظاهرة الانقطاع المدرسيّ التي بلغت أرقاما قياسيّة في السنوات الأخيرة، ويمكن الحديث في هذا السياق عن نوعين من الانقطاع، الأوّل للفقراء الذين يغادرون مقاعد الدراسة في انتظار فرصة للهجرة إلى إيطاليا. والثاني للأغنياء الذين يهجرون المدرسة العموميّة ويلتحقون بالتعليم الخاصّ بحثاً عن تكوين أفضل ونجاح مضمون. والأرقام مفزعة في هذا المجال، فعدد المنقطعين  بلغ 120 ألف حالة في سنة واحدة. بينما غادر 25 ألف تلميذ إلى مدارس القطاع الخاص في مطلع هذا العام الدراسيّ.

وتمثّل تلك الأرقام نتيجة طبيعيّة لتهاون الدولة في القيام بواجبها نحو التعليم العموميّ. كما يعكس ذلك التهاون إرادة سياسيّة واعية ساهمت في تأزيم الوضع أكثر فأكثر بعد تأجيل عمليّة الإصلاح أو اختزالها في إجراءات شكليّة عاجلة كتعميم اللباس الموحّد على جميع الطلاّب وتقنين الدروس الخصوصيّة وإعادة ضبط جداول الامتحانات الفصليّة .. وكلّ ذلك لا يمسّ شيئا من جوهر المنظومة التربويّة البالية. وقد أصبح قطاع التربية والتعليم يعيش حالة من الفوضى شملت حتّى المفاهيم البسيطة المتّفق عليها، وعلى رأسها مفهوم الفضاء المدرسيّ. فهل يقصد به المدرسة أم البيت أم الشارع؟

انحراف وعنف
إنه سؤال جوهريّ، لا مهرب من طرحه ليتحمّل كلّ طرف مسؤوليّته ويقوم بالوظيفة التي أسندت إليه. فلا يجوز أن نرسل أبناءنا إلى المدارس فنجدهم يتسكّعون في الشوارع حيث أخطار الاختلاط بالغرباء والمنحرفين. وقد تسبّبت تلك الظاهرة في ظهور انحرافات سلوكيّة مفزعة في صفوف الطلاّب.

وفي هذا السياق تتحدّث الإحصاءات عن وقوع ثلثهم في حبائل استهلاك الحشيش، وتفيد المعطيات المتوفّرة لدى سلطة الإشراف بأنّ الوسط المدرسيّ تحوّل إلى فضاء عنيف حيث سجلت وزارة التربية التونسية خلال الثلاثي الأول من السنة الدراسية 2013- 2014 أكثر من 8000 حالة اعتداء، وأكثر من 19 ألف رفت بسبب الانحلال الأخلاقي.

وأسباب ذلك الانحراف كثيرة وأهمّها عجز الفضاء المدرسيّ عن إيواء الطلاّب داخل أسواره نظرا لقلّة الفصول والمشرفين على التأطير وغياب المدرّسين .. ونتيجة لتلك الإخلالات مجتمعة، استفحلت ظاهرة الدروس الخصوصيّة لتعويض النقص وسدّ الفراغ. فتحوّل البيت إلى مدرسة موازية يُستقبل فيها المعلّمون الواحد تلو الآخر. وتلك آفة يطول فيها الحديث، وهي تعكس ما ذكرناه في مجال اختلاط المفاهيم وتداخلها.

إصلاح المفاهيم
إنه لا إصلاح إلاّ بإعادة الأمور إلى نصابها، فالمدرسة للدراسة والبيت للأسرة، والشارع طريق للعبور لا غير. والهدف من هذا الفصل أن تقوم كلّ جهة بوظيفتها في الفضاء الذي خصّص لها. فلا مجال بعد اليوم لأنْ تتخلّى المدرسة عن طلابها وتخرجهم إلى الطرق المجاورة بلا أدنى رقابة أو حماية. ولا يجوز للمدرّسين أن يعتدوا على الأسرة فيقتحموا بيوت الناس بما يصدّرونه إلى أولياء الأمور من أعباء وواجبات بغاية تعجيزهم ودفعهم إلى طلب المساعدة الخاصّة التي أرهقت الماليّة العائليّة وتسبّبت في تشويه صورة المربّي.

لقد توصّل المصلحون في البلدان المتقدّمة إلى قناعة جعلتهم يطالبون بإعفاء الآباء من القيام بوظيفة لا تخصّهم. فألزموا المدرّسين  بإنجاز أعمالهم داخل فصولهم وتحت إشرافهم ضمانا لمبدأ المساواة بين جميع الطلاّب الذين ينحدرون من أوساط اجتماعيّة متناقضة. فمن الآباء الأميُّ والمتعلّمُ، والغنيُّ والفقيرُ، والمريض والمعافى…، وبذلك الاختلاف لا يجوز تكليف أبنائهم بواجبات لا يقدرون على حلّها بأنفسهم ما سيسبّب حرجا كبيرا داخل أسرهم.

وفي النهاية سيكون النجاح من  نصيب أبناء الأغنياء الذين يقدرون على تحمّل نفقات الدروس الخصوصيّة بينما سيتضرّر الفقراء كالعادة.

إنّ الحكومات التي تحترم مواطنيها، لا تسمح بذلك التفاوت الذي يضرب مبدأ العدالة، وينسف قاعدة المساواة. فكان قرارها الشجاع بأن تتحمّل المدرسةُ مسؤوليّتها، فلا تكلّف الصغار بواجباتٍ ينجزونها في البيوت التي  تأوي الأسرَ بعد الانتهاء من أعمالها لتنال نصيباً من الراحة والهدود. وذلك هو المدخل الرئيسيّ لإصلاح طال انتظاره.

__________________________

* كاتب تونسي 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة