مقالات

عبده مغربي يكتب: من يحمي الفساد في مصر؟!

عبده مغربي*

قبل الشروع في كتابة هذا المقال بدأتُ عملية بحث علي محرك "غوغل" لكي أعرف المصير الذي انتهى إليه العديد من البلاغات التي تم تقديمها بعد 25 يناير 2011 ضد رجل الأعمال المصري"صلاح دياب" صاحب أهم صحيفة يومية مستقلة في مصر هي "المصري اليوم" .. تذكرتُ أن بلاغات كثيرة تم تقديمها ضد الرجل عن علاقاته بقطاعات "الزراعة" و"البترول" وتضمنت اتهامات له بالإستيلاء علي أراضي وحقول نفط بأقل كثيراً من قيمتها الحقيقية.

  ظهرت روابط عديدة بها عناوين عن هذه البلاغات لكنني اكتشفت أن بعضاً من هذه الراوابط حينما تنقر عليها تُحيلك إلي الصفحات الرئيسية للمواقع  الإلكترونية لهذه الصحف التي سبق وأن نشرت مضامين هذه البلاغات إبان الأشهر الأولي للثورة .. فنياً فإن النقر علي رابط الخبر عندما يحيلك إلي الصفحة الرئيسية فهذا معناه أن هذه المواقع رفعت الخبر من علي خوادمها.

هيكلة المصري اليوم

جاءت فكرة هذا المقال بعدما شاهدت نقاشاً تلفزيونياً بين الحقوقي "هشام قاسم" الذي أوكل إليه مؤخراً مهمة إعادة هيكلة "جريدة المصري اليوم"  وبين كلاً من الزملاء "يحيي قلاش" نقيب الصحفيين و "جمال عبد الرحيم" سكرتير عام النقابة، النقاش كان في برنامج "مانشيت"  المُذاع علي قناة " أون تي في" التي يملكها رجل الأعمال "نجيب ساويرس"  والذي يملك أيضاً حصة لا بأس  في الصحيفة محل النقاش

مؤكد أن صحيفة "المصري اليوم" هي واحدة من أهم الصحف اليومية الخاصة إن لم تكن أهمها علي الإطلاق من حيث التوزيع، كما أنها من حيث المهنية  تٌعتبر الأكثر حظاً من غيرها، لكن هذه المهنية لا يمكن بحال من الأحوال أن تخرج عن الخطوط الحمراء المرسومة لها من قِبَل الإدارة، ومن هذه الخطوط قبل الثورة وبعدها : ( وزارة البترول ووزيرها "سامح فهمي" آخر وزير بترول في حكم مبارك وكل وزير بترول يأتي بعده إلي يومنا هذا)  و ( وزارة الزراعة ووزيرها "يوسف والي" أهم وزير زراعة في عصر مبارك وكل وزير زراعة يأتي من بعده)  وأيضا  ( وزارة الري ووزيرها "محمود أبو زيد" وزير الري الأشهر قبل الثورة وكل وزير ري أيضاً يأتي من بعده) 

 تلك هي الوزارات التي يرتبط معها "صلاح دياب" المالك الرئيسي للصحيفة بمصالح استراتيجية في مشروعاته بمصر ويحظر علي صحيفته منذ تأسيسها أن تطلق مدفعيتها الثقيلة ضد هذه الكيانات إلا إذا تعطلت مصالح الرجل فيها، هنا تتقمص الصحيفة دور زعيم كوريا الشمالية حينما يرفع الأغطية البلاستيكية عن صواريخه النووية ثم يعيدها ثانية مع كل تهديد يلمحه من الغرب.. نفس الأمر تفعله جريدة "المصري اليوم" بين لحظة وأخري حسب الضرورة التي يقتضيها الموقف، وبحكم الخبرة التي عليها الوزراء في مصر قبل الثورة وبعدها فإنهم يحرصون كثيراً علي أن يتجنبوا مدفعية "المصري اليوم" الثقيلة، مدفعية من رهبتها دفعت وزارة الداخلية "بجلالة قدرها" إلي سحب بلاغ سبق وقدمته ضد "المصري اليوم" في وقت سابق حينما نشرت الصحيفة تحقيقاً بعنوان "ثقوب في البدلة الميري" نشرت فيه تجاوزات ضباط الشرطة.

البداية

دخلت "المصري اليوم" الخدمة في العام 2004 بعد أن أيقن"دياب" أنه بحاجة إلي مدفيعة إعلامية تحمي "استثماراته" المتزايدة ، وبعدما أدرك أن حمايتها تتطلب تنويع الأسلحة، فالاتصالات والعلاقات والمحسوبيات وحدها لا تكفي، إذ إن مجرد إطلاق رصاصة مكتوبة في جريدة أو تفجير تصريح موثق في برنامج يمكن أن ينفض جميع وسائل الحماية عنه ويسقطه في براثن الملاحقات الرقابية والقضائية في وقت كان فيه مبارك أصلاً يقوم بين الفينة والأخري بإنعاش نظامه عبر الكشف عن قضية فساد، فأراد "دياب" أن يقطع الطريق علي أيٍ من هذه المحاولات بـإصدار جريدة يومية أسماها "المصري اليوم" أغدق عليها بالملايين وأصبحت مدفيعته الضاربة، ووسيلته لكسب المزيد من المصالح و"الاستثمارات"، وكانت وزارتا البترول والزراعة الأكثر تحقيقاً لمصالحه، حيث استولي منهما علي آبار بترول وغاز وآلاف الأفدنة، بعدها اختل "سلاح المصري اليوم" بفعل وهج الثورة،  ونشرت بعض الصحف والمواقع  الأخري تفاصيل أكثر من 17 بلاغا إلي النائب العام والأموال العامة، بعض هذه الصحف التي كانت تنشر الفساد ليس لرغبتها في تطهيره بل من أجل اللحاق بركاب الثورة، بعض ما نشر في حق "صلاح دياب" كان يتعلق ببلاغات مقدمه إلي النائب العام والأجهزة الرقابية، وتناولت صفقات حصوله علي آبار نفط وآلاف الأفدنة الزراعية التي حولها إلي منتجعات ربح منها المليارات، هذه والتقارير والأخبار ما لبثت أن إختفت معظمها من خوادم غالبية الصحف، فقد اتفق أباطرة الإعلام فيما بينهم علي أن "اللي بيته من زجاج ما يحدفش الناس بالطوب" ووفق هذه الإتفاقية تبادل أباطرة الميديا في مصر المصالح فيما بينهم، فأصبح صحفيو "المصري اليوم" هم من يقومون بإعداد البرامج أوتقديمها علي الفضائيات التي يملكها باقي الأباطره من زملاء صلاح دياب – عددهم لا يتجاوز أصابه اليد الواحدة-  وأصبحنا نسمع ولأول مرة عن أجور بالملايين لـ"مذيعين" و"رؤساء تحرير" و "مُعدي برامج"  في شبكة مصالح كبري تضم "إعلاميين"  و "ملاك صحف" و" وأصحاب فضائيات" و" شركات الإعلان" في أشرس لوبي إعلامي إحتكر الإعلام بأنواعه المختلفة "مسموع – مقروء – مرئي- إليكتروني"  يدفعون منه مرتبات فلكية للقيادات الكبيرة والصغيرة في "شركات توزيع الصحف" المملوكة للدولة، فعند إصدار جريدة جديدة  تجد هذا اللوبي الخفي يمنع عنها كل وسائل الإستمرار، شركات الإعلان تحجب عنها الإعلانات، وشركات التوزيع تحتفظ بأغلبية المطبوع منها في المخازن،  فلا تستطيع الجريدة الوليدة دفع أجور محرريها، فلا إعلانات، ولا عوائد توزيع، وبالتالي تموت التجارب الجديدة من داخلها، فيظل الإعلام  بانواعه المختلفة تحت سيطرتهم

لوبي الإعلام

استمر اللوبي المتحكم في الميديا علي هذا المنوال ثم اختل قليلاً بعد 25 يناير 2011 عندما دخلت تجارب جديدة  للسوق، تجارب يملكها أيضاً رجال أعمال لكنهم سريعاً ما تآلفوا فيما بينهم ودخلوا كأعضاء جدد في الإمبراطورية،  لا مكان إلا لإعلام ممول من الخارج، أو ممول من رجال الأعمال،  لكنه في هذه اللحظة التي اختل فيها اللوبي أثناء الثورة خرجت مانشيتات صحفية تتناول "صلاح دياب" ورفاقه من الذين استولوا علي مقدرات البلد، ومنها قضية استيلائه هو و رجل أعمال  يعمل في مجال البترول يدعي "يحيي الكومي" علي حصة شركة "كوفيك" الكويتية في حقل "الأمل" البترولي، فقد ظهرت بعض المشاكل مع الشركة الكويتية التي أرادت الحصول على غاز حقل "الأمل" وهي المتعاقدة أصلاً علي إستخراج الزيت فقط، وطبقاً للاتفاقية الخاصة بالحقل مع الشركاء، كان من حقهم فقط إستخراج البترول وليس الغاز، ثم فجأة ظهر (يحيى الكومى وصلاح دياب) فى وقت واحد معاً لشراء حصة شركة "كوفيك" الكويتية والتى تمثل 50% من الحقل ووصل العرض إلى 6.5 مليون دولار، بالمخالفة للقانون حصل "صلاح دياب" علي الصفقة ، ودخل شريكاً مع الهيئة المصرية العامة للبترول، فجأة أصبح من حقه إستخراج الغاز بعد أن دفع 6.5 مليون دولار للشريك الكويتي وأخذ حصته في الحقل، وما كان ممنوعاً علي الشريك الكويتي أصبح مُباحاً  لـ"صلاح دياب"  ليس هذا فحسب بل  إنه حصل بمقتضي هذه الحصة علي  مبلغ 150 مليون دولار من بنك القاهرة، أي أنه حصل علي الغاز مجاناً ثم حصل بمقتضي حصوله علي الغاز علي قرض قيمته 150 مليون دولار، إضافة إلي ما سبق أصبح يمتلك ما قيمته 40 مليار دولار من الغاز الموجود بالحقل الذي يتم الضخ منه حتي الآن ويذهب إلي جيب صاحب "المصري اليوم".

لقد فتحت الثورة "دمامل" الفساد لكن سريعاً ما تم تضميدها بمسكنات ما بعد الثورة، مسكنات لوبي رجال الأعمال الذين سيطروا علي الإعلام،  لقد صمت الجميع دون أن يخبرنا أحد ما هو مصير هذه البلاغات التي تم تقديمها  أثناء الثورة ونشرتها بعض الصحف ثم عادت ورفعتها من الخوادم، فمن هذه الصحف علي سبيل المثال لا الحصر صحيفة "اليوم السابع" التي ما يزال محرك البحث علي "غوغل" يحفظ مضمون الرابط  للبلاغ المقدم ضد "صلاح دياب" ثم بالنقر عليه تجده يحيلك إلي الواجهة الرئيسية للموقع دونما وجود للخبر الأصلي.

صفقة الأمل

من نوادر هذه القضية أن "يحيي الكومي" مهندس صفقة  حقل "الأمل" الذي لا تكاد تسمع له صوتاً الآن هو أقرب الأصدقاء  المقربين إلي غير المأسوف عليه " الإعلامي محمد فودة" الذي تم القبض عليه قبل أسابيع في قضية رشوة تناقلت فيها مواقع التواصل الإجتماعي الكثير من الأسماء الإعلامية التي تتصدر الآن الشاشات المصرية، "فودة" هذا هو نجم موقع وجريدة "اليوم السابع" وهو أيضاً الذي كان يرص مقالاته في محاربة الفساد يومياً علي الموقع، وهو نفسه أيضا الذي تتناقل صحف وفضائيات رجال الأعمال  أخباره وتصريحاته عن محاربة الفساد، و "فودة" كذلك هو الذي كان أحد أهم المشرفين علي تسكين "المعدين" و"المذيعين" في برامج فضائية "سي بي سي" وقت إطلاقها، وهو أيضاً الصديق الصدوق لرجل الأعمال "أحمد أبو هشيمة" صاحب جريدة "اليوم السابع" التي رفعت أخبار فساد "صلاح دياب" من علي خوادمها، وهو أيضاً الذي إمتلأت مواقع التواصل الإجتماعي باللقطات واللقاءات المصورة له مع رئيسي الحكومة السابق"إبراهيم محلب" والحالي "شريف إسماعيل" وجميع الوزراء والمسئولين في الحكومة قبل القبض عليه.

إن "صلاح دياب" صاحب "المصري اليوم"  حصل علي حقل "جيسوم" في صفقة قالت فيها البلاغات وقتها أنها استيلاء واضح علي أكثر من 5 مليارات دولار، و "صلاح دياب" أيضاً هو الذي يمتلك الآن إحتياطي غاز في الأرض يقدر بـ 40 مليار دولار، وهو كذلك الشريك الأهم لرجل الأعمال"محمود الجمال" صهر "جمال مبارك"  الذي استولي معه علي آلاف الأفدنة بطريق الإسكندرية الصحراوي بسعر 300 جنيه للفدان، و "صلاح دياب" هو نعم ذلك الرجل الذي يستولي علي أراضي الدولة في "برقاش" و "صلاح دياب" مؤخراً هو خصم نقابة الصحفيين  بسبب مشروعه لإعادة الهيكلة في جريته"المصري اليوم" بتخيير محرريها إما بالعمل حصرياً في الجريدة دون العمل في الفضائيات أو تسريحهم.

لقد فتح "القرموطي" في برنامجه "مانشيت"  المذاع علي فضائية "اون تي في" قضية تسريح الصحفيين من جريدة "المصري اليوم" لكن من المؤكد أنه لا  "القرموطي" ولا غيره في أي فضائية أو جريدة أو موقع إخباري من المملوكين لرجال الأعمال يستطيع أو يتجرأ أن يفتح ملفات صاحب "المصري اليوم  المسكوت عنها في الإعلام، وفي الأجهزة الرقابية

__________________________

*كاتب وصحفي مصري 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة