25 يناير الحدث والدلالة

منتصر الزيات*

ما فتئت القوى المعارضة لحكم نظام 3 يوليو 2013 تحاول استنساخ 25 يناير التاريخ لإثارة الشارع المصري ضد مقومات وجود هذا النظام , إلا أنها فشلت في ذلك إذ لم يعد للتاريخ التقويمي في حد ذاته القدرة على تحريك حزب الكنبة مجددا في فترة صراع عنيف بين ثورة يناير 2011 والثورة المضادة لها في 3 يوليو 2013
دلالة التاريخ :
لا يمكن النظر إلى  25 يناير من حيث كونه مناسبة احتفالية تمر بكلمات بروتوكولية يستعرض فيها أبرز المشاركين فيها ظروف انطلاقة شرارة الثورة في اليوم الذي تم اختياره بعناية للاحتجاج ضد تجاوزات الشرطة المصرية في يوم عيدها  وتنطفئ الذكرى , فالثورة التي انطلقت ظهر ذلكم اليوم المشهود لم تحقق أهدافها بعد التي خرجت الجماهير من أجلها بعدما تعرضت لانتكاسة عنيفة في 30 يونيو و 3 يوليو 2013 بحدوث ثورة مضادة أحاطت بمضامين وأهداف ثورة يناير . هي إذا موجة ثورية مهمة استطاعت أن تسجل باسم شباب مصر القدرة على الانتفاضة ضد الظلم والاستبداد والقهر واستخدام كل الأدوات البوليسية لتعويق الديمقراطية  وخنق مسارات الحرية , فالدلالة مهمة جدا في كونها ثورة ضد الطغاة تتجاوز بكثير فكرة الاحتفالية الموسمية , لذلك فشلت على مدار العامين الماضيين في استنساخ التجربة بذات الوسائل والاساليب مع اختلاف جوهري في تفرق الثوار واختلافاتهم التي أودت بالتجربة
وإذا كان الشئ بالشئ يذكر , فقد استطاعت قوى الثورة المضادة التي تؤلف في مجموعها نظام الدولة العميقة المتدثرة في خلفية عسكرية حكمت مصر على مدي ستين عاما أو يزيد قليلا أن تجمع نفسها وتحدد أولوياتها ابتعدت قليلا عن المشهد لتنظم قواها وتصنف أهداف أجندتها حتى حققت ضربة موجعة لثورة يناير وتمثلت معالمها في استعادة الوجه الطاغوتي للنظام بسيادة العسكر واستخدامه للأدوات المتاحة التي فشل الثوار في اجتثائها بما يمكن القول إن الثورة المضادة هي إحياء للنظام الطاغوتي المستبد فقمع الرأي وحبست الفكرة وبالرغم من تسللها عبر بوابة حرية الرأي والتعبير فقد تم تقنين تشريعات تحظر تكرار ما وقع مرة أخرى فجرم التظاهر السلمي واستعادت أجهزة النظام سياسة الضرب في سويداء القلب
تفعيل دور الشباب بعد غياب :
لعل أبرز معالم ثورة 25 يناير أنها أفرزت قيادات شبابية جديدة لم يعرفها المسرح السياسي من قبل , بشعارها الساحر عيش حرية عدالة اجتماعية كرامة انسانية فاجتذبوا خلفهم قطاعات واسعة من الشباب المصري الذي بذل نظام مبارك جهدا كبيرا من أجل تهميشه مستخدما أدوات الرياضة بوجه عام وكرة القدم بوجه خاص يفجر من خلالها كوامن الطاقة الحبيسة في تظاهرات هشة من أجل أهداف قومية عبر انتصارات كروية , وأيضا دغدغة عواطفهم عبر تفجير غرائزهم بأعمال فنية هابطة
لم تقف محاولات الدولة العميقة عن تشويه صورة شباب الثورة  حتى في عز عنفوان المد الثوري , فما لبث “المجلس الأعلى للقوات المسلحة” يستغل كل الفرص التي يسخر أذرعه التلفزيونية من أجل تشويه القيادات الشبابية التي برزت في تلك الفترة فضلا عن انتهاجه سياسة فرق تسد ليباعد بين القوى الثورية عن بعضها البعض
ضرب شباب مصر أروع الأمثلة في التفاني لتلك الثورة والاخلاص لها , وضربوا مثالا في انكار الذات فيما وصف فيما بعد بالسذاجة وهم يسلمون السلطة للعسكر طواعية بعد تنحي الفرعون وتكليفه الباطل للعسكر إدارة شئون البلاد , ولم يزل العالم يذكر قيام الشباب بنظافة الميادين والشوارع الرئيسية مما علق بها أيام الثورة , الأمر الذي دفع قيادات دولية بارزة إلى الاعجاب العميق بالثورة المصرية السلمية وتدريسها في أكبر جامعات الغرب
لذلك عمدت الثورة المضادة إلى إقصاء الشباب بل وسجن رموزهم بقانون “ظالم” جرم أهم أدوات الثورة في التظاهر السلمي وعادت دولة العواجيز مرة أخرى في مفارقة عجيبة بين الثورة والثورة المضادة
حقيقة النخبة المصرية:
لا شك أن ثورة يناير وهي تقدم للمجتمع المصري قيادات شابة بديلة صالحة وقادرة على تحمل المسئولية , فقد أظهرت بجلاء خيبة النخبة المصرية السياسية إلا من عصم ربي من القليل النادر
كان البعض على طول فترة الاستبداد يفسر صمت الشعب المصري بالرضى على حكم مبارك ورغبته في الاستقرار خوفا من المجهول , لكن كانت الثورة والتحام قطاعات الشعب المصري من كل المستويات والطبقات مع الشباب هي الدليل الدامغ أن صمت الشعب يرجع إلى عدم ثقته في النخبة المثقفة التي كانت تتصدر المشهد سواء في قيادات حزبية شاحبة شاخت في مواقعها مثلها مثل السلطة , وأنها كانت تؤدي دورا مرسوما من داخل النظام متأثرة بريموت أجهزة السلطة واشاراته
كانت أجهزة الدولة العميقة تخوف الناس من الطليعة التي كانت تعارضه معارضة حقيقية وأبرزها التيار الإسلامي مع بعض الحركات الشعبية التي ولدت في تلك الأونة مثل الحركة الشعبية من أجل التغيير “كفاية” والجبهة الوطنية للتغيير وكان باديا اخفاق تلك النخبة في تحريك الشارع طوال عام من حكم الدكتور محمد مرسي حتى تدخل الجيش ورسم الصورة النهائية واسهم في صنع أزمات التحكم  لاخراج بعض الجماهير لساعات قليلة يستطيع بعدها توظيف المشهد في إطار الانقلاب على شرعية الرئيس المنتخب ومؤسساته
كانت هذه النخبة أهم أدوات استخدمتها الثورة المضادة ظاهريا للإيحاء بتحركات سياسية معارضة وفي الدفع بها إلى الخارج في محاولات يائسة لاقناع الغرب أن ما جرى ليس انقلابا بقدر ما هو ثورة شعبية حقيقية ففقدت أي قدرة لها في التواجد الحقيقي على الساحة وتكشف محاولات الرصد لما يجري على الساحة في الاعداد للانتخابات البرلمانية المقبلة صنع كيانات هلامية تغطي على فشل النخبة المصرية باستخدام الكوتة الطائفية أو المرأة بديلا لتلك النخبة الفاشلة
وأخيرا …
ستبقي ثورة يناير محاصرة بقيود الثورة المضادة ودبابات العسكر وقبضته الثقيلة ما بقي الثوار في حالة “شرذمة” ومراهقة ثورية  غير مدركين أنهم نجحوا عندما كانوا يدا واحدة يسعهم جميعا الميدان دون إقصاء أو استئثار بقيادتها وأن كل محاولات استنساخ التجربة ستفشل حتما  ولن تغادر مكانها طالما أنها تخفق مجددا في اقناع الشعب بحتمية التحرك , فالإصرار على استخدام لغة الخطاب التحريضي الصارخ لا يكفي لتحقيق النتيجة المرجوة , كما أن الاصرار على الاكتفاء بجاذبية العنوان والتاريخ لا يحقق القدرة على تحريك الشعب ثائرا رغم توافر كل الأسباب التي تكفي لاقناعه بذلك.

_______________
• كاتب ومحام مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة