رهبة الـمُقَدَّس أم الإحساس بالآخر؟

حسام الدين الثني*

قال الجدّ: أتدري ما جزاء مثل هذه المرأة ومن يفعل فعلها؟
قال محمد: لا يا جدّي.”
إلى الآن يبدو أن الجدّ ينوي زرع قيمة أخلاقية.. فماذا يقول:
“قال الجد: لقد كان جزاؤها النَّار؛ لأنها حبست القطة حتى ماتت.
فقال محمد مبتسمًا: الحمد لله يا جدي؛ لأنني لم أفعل مثل فعلها.
فقال الجد: الحمد لله يا بني.. وغدًا – إن شاء الله – سأحكي لك قصة جديدة.”
….
قبل أن يحكي الجد قصتَه (صاحب الجنتين).دعونا نشكر حُسنَ نيّته وننسحب هادئين. سنلقي نظرةً إلى ما يمكن أن ينشأ عليه جيلٌ تربّى على الرهبة تجاه المقدّس وليس على الإحساس بالآخر، وبهذا غدا أفرادُه كائناتٍ تحترم حدود الآخر لكنها لا تعرف كيف تُحِسّ به.
منذ أيام حكمت محكمةٌ موريتانية على كاتب شابّ بالإعدام بتهمة الإساءة إلى المقدس. وهي عقوبة تهدد أولئك المسكونين بالسؤال الذين ورّطهم سوءُ حظِّهم بأن ولدوا في مجتمعاتٍ تقدّس الثوابت ولا تعرف كيف تعيد النظر إليها بموضوعية…
بعيدا عن ضبابية مصطلح “الإساءة إلى المقدس” الذي لم يكن في هذه الحالة “شتمًا للمقدّس” بل محاولة نقد موضوعيّ لأهم شخصية دينية في مجتمع الكاتب.. دعونا مرةً أخرى ننسحب هادئين إلى الشارع ونتأمل البسطاء الطيبين الذين خرجوا في مسيرة حسن نية محتفلين بقرار الموت تجاه الشاب الذي اعتقدوا أنه أهانهم.  دافع “ولد امخيطير” من سجنه عن حقه في التفكير ونفى نيته الإساءة، بل أعلن توبته فيما يجعل حكم (حدّ الرِّدّة) يسقط عنه حسب منطق المحكمة. (إلا إذا شقّتْ عن صدره وفهمتْ غير ذلك). لنهدأ الآن أكثر، لننكفئ إلى أعماقنا أكثر. ونتأمّل بتركيز وهدوء:  هؤلاء السعداء بقرار الموت يعرفون حدود الآخر، لأنهم ببساطة فهموا أن دينهم يحرّم دمه. لكنهم متى فهموا – أيضًا – أن دينهم يستثني هذه الحال دفاعًا عن المقدّس. فإنهم لن يضيعوا فرصة العمر في القتل بضمير مُنتعش. إنهم مواطنون صالحون، لا يمكن أن يفرحوا لموت أحد،  لا يمكن لفردٍ منهم أن يشارك في جريمة، لا بالفرح ولا بالدعاية. لأن الجريمة (حرام)، الدم حرام. لكن متى أتيحت فرصة جريمة (حلال) فحينها فقط يمكن للمرء أن يُشهِر إحساسَه بالفرح.
هذا ما حدث في شوارع “نواذيبو” ونراه كلَّ يوم في سوريا والعراق وليبيا واليمن حين يتّجه الشباب ذوو النوايا الطيبة نحو الدفاع عن المقدس في مغامرة قتل الآخر دون أية مسؤولية روحية. ولا حرج في بعض الفرح بنجاح مُهِمَّةِ حذف الآخر باسم الدين والوطن والثورة وكلّ المقدسات التي تتيحها الفرصة وتسمح بها الخبرة المتراكمة. لن يكون للأمر صدىً مؤلـمٌ في الأعماق، لأن المرء مِنَّا حينما كان يتعلّم في طفولته كيف يُنشئ قناعةً داخلية تجاه قوة عُليا ينظر إليها باحترام ورهبة لم يتعلم الإحساس بالآخر بوصفه قيمةً، فلن يعرف الرهبة تجاه إلغاء هذه القيمة وما يترتب على ذويها من أضرار مثلًا. لأن ذويها أيضا لا تحضر في البال بوصفها قيمًا.
 ليست خطورة هذا المرض في ارتفاع عدد القتْلى فقط بل ما يجعله مرعبًا حدّ الفزع هو ارتفاع عدد الـقتَلة أيضًا. وارتفاع رباطة جأش القاتل الطيّب حَسَنِ النيّة حين يغتسل بالأحمر الساخن دون اضطراب. تمامًا مثل راحة باله مع قرابين عيد الأضحى التي نجح في توجيه مغزاها نحو الرحمة وفداء رقبة إنسان، وفشل في توجيهها نحو الجوهر الأسمى للفضيلة بعتق رقبة الحيوان أيضًا.
….
مازلنا ننسحب هادئين متأمّلين:  هذه المرة نحن في حضرة الجدّ الطيب، يشرحُ درسَهُ عن جزاء الرجل الذي اغترف من البئر بنعله وأنقذَ كلبًا من الموت عطشا:
“قال الجدّ: : أتدري ماذا كان جزاؤه؟
قال محمد: لا يا جدّي”
يبدو أن الجدّ الذي أغمض جفنيه عميقًا سيفعلها هذه المرّة بالطريقة التي نرجو.
“قال الجدُّ: لقد شكره الله.. وسامح كلَّ أخطائه”
قال محمد: فهمت يا جدّي.. سأكون طيبًا  كي يشكرني الله ويغفر أخطائي”
قال الجدُّ: أحسنت يا بنيّ،  وغدًا – إن شاء الله – سأحكي لك قصة أخرى”.
مع الأسف، خيّب الجدُّ ظننا كعادته! كان ممكنًا أن يقدّم الكلبَ على أنه (قيمة) ينبغي الإحساس بها إحساسًا أصيلًا نابعًا من طُهر داخليّ وليس – فقط – سعيًا لإرضاء قوة خارجية عُليا يحسُّ نحوها بالانجذاب.
 ماذا لو تعلّم الطفلُ أن “ما من دابةٍ في الأرض ولا طائرٍ يطير بجناحيه إلا أممٌ (أمثالنا)”. وأنّ للطائر صغاره الجائعة التي تحتاج إليه مثلما يحتاج هو إلى أمّه وأبيه؟ وأن (معاملة) الآخر بحب وسموّ عن الإيذاء هي جوهر الخير؟ ماذا لو درّبنا فيه مَلَكة الإحساس والتفريق بين ما هو (إلهيّ) وما هو (إنسانيّ)؟
لنجلس الآن هادئين على الرصيف ولنلقِ نظرة أخيرة على امتداد الشارع متأملين هؤلاء الفرحين الخيّرين – في الوضع الاعتيادي فقط – الـمُنتهزين فرصةَ ما جرّبوا أنه إيذاء مشروع لا يترتّب عنه ندم. ولِـمَ الندمُ وقد فهموا أن الناموسَ يُشرّعُ هذا الفعلَ ويكسبه حصانة؟
هل تورّطنا إلى هذا الحدّ؟! نعم.. لكن يمكن تجنّب كثير من المعاناة لو أعدنا النظر بموضوعية إلى الثوابت وشرّعنا السؤال العقلاني. وشجّعنا الطفل على حرية التفكير المنطقي في الـمُسَلّمات، وربّيناه على الإحساس بالآخر، لننشئ مجتمعًا عادلًا معافى الضمير، لا يضطرّ القاضي فيه إلى شخصنة الأمور وسدِّ طرق التراجع والتوبة أمام من يراه مذنبًا، وأن يعرف المجتمعُ الفرقَ بين إيقاف المذنب عند حدّه وبين الانتقام منه بالكراهية والإلغاء، ويفهم أفرادُه أن تقويم الـمُخطئ أجدى من إرساله إلى الجحيم والضحك على مصيره الـمُحزن.

______________
* كاتب ليبي

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة