مقالات

مصر .. مُدّي يديك إلي اليمن

مخطئ من يظن أن ماوصل إليه اليمن لم يحدث دون تدخل خارجي، وتحدثت مذيعة مصرية عبر إحدى الفضائيات عن أزمة اليمن وأثرها على الخليج يا سيدتي..الأزمة في اليمن أول من سيتأثر به مصر.

 عبده مغربي*

 
 
مخطئ من يتصور أن الوضع في اليمن وصل إلي ما وصل إليه ، دون مؤثرات وتدخلات خارجية ، ولقد خرجتْ قبل أيام واحدة من المذيعات علي إحدى الفضائيات المصرية  ، تتحدث عن الأزمة في اليمن وأثرها علي دول الخليج ، يا سيدتي ..الأزمة في اليمن ، أول ما تؤثر ستؤثر علي مصر ، وأي عبث عند المندب هو عبث في الأمن القومي المصري .
باتت كل الأطراف هناك عند الناصية .. يا أميرة ، كلهم هناك بلا استثناء ، السعودية ، إيران ، وتركيا ، أمريكا ، وفرنسا وبريطانيا وكندا وعدة دول أخري ، كلهم هناك .. حتي إسرائيل ، إلا أنت يا أميرة يجب أن تخرجي بسرعة ، ناصية الشارع الذي ينتهي ببيتك أصبح في مرمي الخطر .
نعم لكأنها الأقدار جاءت مهرولة إلي مصر ، هُبّي وارتدي رداء القيادة ، فالأزمة في اليمن تشابكت وتعقدت ، وتداخلت ، وأصبحت عصية  أن تقوم فيها دولة أخري غيرك بأي دور للوساطة بين الفرقاء ، فما هو مقبول من دولة عند فريق مرفوض عند فريقٍ آخر ،  وحدها مصر ، مقبولة من الجميع في الداخل ، والخارج ، ذلك أن تشابكات المصالح التي تقاطعت مع بعضها البعض في اليمن ، لم تكن مصر حاضرة في أي منها ، تعقدت ، ويدفع ثمنها الشعب اليمني الشقيق ، أنها اليمن بتراكيبها المعقدة التي قال عنها الشاعر اليمني الكبير : " ركوب الليث أصعب من حكم اليمن " ،  هي نفسها اليمن التي وصفها رئيسها السابق علي عبدا لله صالح  بـ" إن حكم اليمن مثل الرقص فوق رؤوس ثعابين سامة "  ومع ذلك فلم ينج من لدغة  بعضٍ منها ، لدغة طرحته خارج سدة الحكم ، وهي أيضاً التي يقول فيها رئيسها الحالي عبد ربه هادي منصور  " الجالس علي كرسي الحكم فيها مثل الجالس علي كرسيٍ من نار " . كل هذه التراكيب والتشابكات والتعقيدات ، كانت سبباً في عجز الكثير من المراقبين عن فهم الكيفية التي انهارت  بها كتائب الجيش اليمني بهذه السهولة أمام جماعة " أنصار الله " الحوثية التي تمكنت  برغم تواضع خبراتها القتالية من السيطرة علي العاصمة " صنعاء " وإحكام قبضتها علي كل مؤسسات الحكم فيها ،  مرورا بالبنك المركزي وليس انتهاءً بمحطات الإذاعة وقنوات التلفزة والصحف ، وما زاد من حيرة المراقبين أنه لم تغلق سفارة واحدة من السفارات الغربية أبوابها ، واستمرت في العمل وكأنه لا شيء يحدث في اليمن ، لكأنهم جميعاً علي علم بالطريقة التي تتم ، لكأنهم جميعاً ، حصلوا علي تطمينات ، لكأنهم جميعاً موافقون علي ما يحدث في اليمن وباليمن ، وحده الشعب الذي يدفع الثمن ، ثمن انهيار الدولة ، حتي باتت كل الاحتمالات واردة ، بما فيها الحرب الأهلية إن لم يجتمع الفرقاء علي طاولة الحوار ، وفوراً.
مصر مطالبة أكثر من أي وقت مضي ، بدور يجمع الأطراف ، بدور يكمد النار التي تحت الرماد قبل أن تفور في وجه الجميع ، بمن فيهم مصر ، وحدها مصر.. مقبولةً عند الجميع ،  ذلك أن الشعب اليمني يعلم أن لا أطماع للقاهرة في بلادهم ، وأنها لم تكن يوماً طرفاً مع فصيل ضد آخر ، بل حتي جماعة  " الإخوان المسلمين " في اليمن ، متمثلة في " حزب الإصلاح "  أصبحت أكثر من أي وقت مضي قادرة علي استيعاب دور مصري في اليمن ، وقد أصبح علي محسن الأحمر في موقف لا يحسد عليه ، بعد أن أوقفت السعودية دعمها الذي لطالما قدمته لأسرة الأحمر، قبل أن تعلن الحرب علي جماعة الإخوان في كل مكان .
الآن وبعد استيلاء قوات " أنصار الله"  الحوثية علي مقاليد الحكم ، وسيطرتها علي مفاصل الدولة ، بدأ اليمن مرحلة جديدة  انقلبت فيها كل المعادلات السياسية والقبلية والعسكرية القديمة دون أن تتبلور معادلات جديدة تحل محلها ، وبعد أن خضع الرئيس "عبد ربه هادي منصور"  للأمر الواقع  ، باتفاق تسوية من 17 بند قام علي صياغته جمال بن عمر مبعوث الأمم المتحدة ، ولبي معظم مطالب " أنصار الله " إن لم يكن كلها ، انقلبت الدولة في اليمن ، إن لم تكن انهارت وسقطت في يد جماعة لا تخفي ولائها لإيران ،  وبعد حديث الرئيس منصور عن شقين لمؤامرة داخلية وأخري خارجية ضربت بلاده ، وبعد تشابكات وانقلابات في المواقف جعلت الرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي قاتل الحوثيين ست مرات ، قتل في إحداها شقيق الزعيم الحالي عبد الملك الحوثي موالياً وداعماً للحوثيين  ، وبعد أن عقد الرئيس السابق صفقة مع أعدائه القدامى من أجل الانتقام من أعدائه الجدد الذين يتهمهم بالوقوف خلف الثورة التي أطاحت به ، قاصداً حركة الإصلاح الإسلامية التي يتزعمها أبناء الشيخ عبد الله الأحمر.
كل المعلومات تقول أن جنرالات الجيش الموالين لعلي عبد الله صالح هم الذين وقفوا خلف عدم تصدي الجيش للقوات الحوثية  وأن تمكنهم من اقتحام مقر اللواء علي محسن الأحمر خصم الرئيس السابق اللدود والخصم الأعنف لقوات أنصار الله الحوثيين ، كان بناء علي موقف سابق من "الإخوان المسلمين " في اليمن بعدم الاشتباك مع "أنصار الله " ، فالغموض كان سيد الموقف ، وتصدي لواء محسن الأحمر معناه اصطدام بباقي وحدات الجيش الأخرى ، لم يرد الإخوان في اليمن تكرار ما حدث منهم في مصر عندما اصطدموا بالجيش ، فخرجوا من المعادلة ، وبالتالي فإن طاولة الحوار لابد أن تتمدد لتضم الجميع ، خاصة  وأن عبد الملك الحوثي الذي يحكم اليمن فعليا الآن أظهر بعض الحكمة عندما قال أنه يمد يده إلي حزب التجمع اليمني للإصلاح " الإخوان المسلمون "  مطالبا بالشراكة بدلا من الإقصاء وغازل الحراك الجنوبي باعترافه " بضرورة رفع المظالم عن الجنوب والتعاطي مع أبنائه علي قدم المساواة وعلي أساس مبدأ الشراكة في الحكم " 
 الجميع مستعدون لدورٍ مصري ، فماذا تنتظر مصر ؟

__________________

*كاتب وصحفي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة