مقالات

الحلم بعودة مرسي

ينسى هؤلاء اليائسون المحبطون أن المشاريع السياسية قائمة أساسا على الأحلام، وأن إحدى صفات القيادة هي القدرة على الحلم والخيال.

قطب العربي*

"إنتو لسة بتحلموا بعودة مرسي ..إنسوا وفوقوا بقى .. وارفعوا مطالب معقولة علشان تقدروا تستعيدوا ثقة الناس".. هذا هو لسان الحال ولسان المقال للكثيرين الآن سواء من بعض شركاء الثورة السابقين أو حتى من بعض من ينتمون لحزب الكنبة أو الكارهين للرئيس مرسي وجماعته.. هو اليأس إذن من فكرة عودة مرسي للحكم ثانية؛ قد سيطر عليهم وجعلهم يهرفون بما لا يعرفون.
ينسى هؤلاء اليائسون المحبطون أن المشاريع السياسية قائمة أساسا على الأحلام، وأن إحدى صفات القيادة هي القدرة على الحلم والخيال، فحقائق اليوم هي أحلام الأمس .. وأحلام اليوم هي حقائق الغـد كما قال الإمام البنا.
ارتبط الحلم في الأذهان باستحالة التحقق، وهي نظرية خاطئة، فكم من حلم تحقق، هل تذكرون حلم الإنسان بالتحليق في الهواء كما الطير، وهل تتذكرون أن أول من حاول تنفيذ هذا الحلم هو عباس إبن فرناس (810-887م) والذي دفع حياته ثمنا لهذا الحلم دون أن يحققه، ثم جاء شخص آخر بعد  حوالي قرنين  ليطور المحاولة (إلمر المالمسبوري صاحب أول طائرة شراعية 1000-1010م) ، إلى أن جاء "الأخوين رايت"  فصنعا أول طائرة وحلقا بها في رحلة تجريبية فى 17 ديسمبر 1903 ، وها هو حلم الطيران اليوم حقيقة واقعة نعيشها جميعا.
هل تذكرون حلم الانسان بوجود إضاءة صناعية تعوضه عن غياب الإضاءة الطبيعية التي لاتكون إلا نهارا، وتحقق له ما أرد ..تذكرون إذن توماس أديسون التلميذ الغبي الذي لفظه مدرسوه فقررت والدته أن تعلمه في البيت، وحين إحتاجت والدته لعملية جراحية لم يستطع الطبيب القيام بها ليلا لعدم وجود إضاءة كافية وأجل العملية حتى الصباح، فحلم أديسون بوجود إضاءة صناعية، وفي سبيله لتحقيق هذا الحلم أجرى  آلاف التجارب حتى حقق حلمه عام 1879.
"لسة الأماني ممكنة" والأحلام ليست دائما مستحيلة، ولافرق بين الأحلام العلمية في الاختراعات والاكتشافات وبين الأحلام السياسية، كلها أحلام تحلق في خيال ، ولكن تمسك أصحابها بها، وسعيهم الدؤوب لتحقيقها يحيلها إلى واقع طال الزمن أو قصر.
دعونا نعود الى الحلم بعودة مرسي، لن أتحدث هنا عن التحقق العملي لهذا الحلم، ولا طريقة حدوثه، ولا المواءمات حول هذا الأمر، بل أتحدث حديثا نظريا وتاريخيا حول "عودات" مماثلة لحكام آخرين تعرضوا لما تعرض له مرسي، في التاريخ القديم والحديث
نعود للتاريخ ، ولن نذهب بعيدا ففي التاريخ المصري نفسه  ها هو السلطان الناصر بن قلاوون ( 1293-1341 م)أطيح به من العرش وحبس بسجن القلعة ثم عاد ليتولى الحكم 3 مرات (هاتريك يعني)، وتكرر الأمر مع نجله السلطان حسن( صاحب مسجد السلطان حسن) الذي تولى الحكم عام 1347ثم اطيح به مرتين قبل ان يستقر سلطانه.وفى كل مرة كان يعود لينتقم ويقتل ويسجن كل من تآمروا عليه الى ان تم حسم الأمر عندما قرر الأمراء المماليك قتله مباشرة دون سجنه لتلافى عودته للحكم من جديد!!
التجارب التاريخية تكررت في فرنسا بعودة نابليون بونابرت للحكم  بعد السجن والمنفى، وعاد شاه إيران محمد رضا بهلوي للحكم بعد أن طرده رئيس وزرائه مصدق في أغسطس 1953  برفقة زوجته الملكة ثريا إلى بغداد ومنها إلى إيطاليا، لكنه تمكن من استعادة عرشه في العام ذاته، وعاد خوان بيرون الذي حكم الآرجنتين لفترتين رئاسيتين من عام 1946 وحتى عام 1955 قبل أن يطاح به في انقلاب عسكري، فر على إثره إلى الخارج، لكنه عاد مجددا عام 1973 ليفوز بالانتخابات الرئاسية، وعاد نواز شريف للحكم في باكستان في 12 مايو 2013 بعد انقلاب برويز مشرف الذي وقع في أكتوبر 1999، وظل الجنرال في السلطة حتى تم طرده منها في أغسطس 2008 ليتنقل بين دبي ولندن، ثم يعود إلى بلاده ليواجه مصيرا محتوما بالمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى التي لاتزال جارية حتى الآن، بينما عاد نواز شريف إلى سدة الحكم بإرادة الشعب.
هل تكفي هذه الأمثلة؟ .. لا موش كفاية.. إذن إليكم المزيد، هل تذكرون الرئيس النيجيري أوباسنجو، لقد تولى الحكم عبر اانقلاب عسكري عام 1975ن ثم ما لبث ان أخرج منه بانقلاب بعد عام واحد، لكنه عاد الى الحكم مرة أخرى بانقلاب جديد وفي  هذه المرة نقل السلطة الى حكم مدني عبر دستور جديد وانتخابات ديمقراطية لم يترشح لها وفاز فيها شيخو شقاري، وبعد سنوات ومحاولات من الكر والفر بين العسكر وبعضهم في سلسلة انقلابات واغتيالات عاد أوباسينجو مجددا للحكم عبر الطريق الديمقراطي عام 1999 وليستمر دورتين كاملتين حتى 2007
هل تذكرون دانيال أورتيجا رئيس نيكارجوا، كان قائدا للجبهة الساندينية اليسارية التي إستطاعت اقصاء الدكتاتور أنستاسيو سموزا سنة 1979 بعد عقد من حكم البلاد، ثم أختير اورتيجا رئيسا لنيكارجوا(1985-1990)، لم يكن الرجل مرغوبا من الإدارة الأمريكية برئاسة رونالد ريجان بسبب صلاته بالقيادة الشيوعية في كوبا، وتحركت المخابرات الأمريكية لتجميع كل المناوئين للحركة الساندينية لتصنع منهم جبهة مناوئة هي الكونترا، ولتشعل الحرب بين الجبهتين، ليعقبها ضغوط لاجراء انتخابات جديدة، تمكنت المخابرات الأمريكية بالتنسيق مع حلفائها في الداخل من إسقاط أورتيجا لتفوز بالانتخابات غريمته فايوليتا باريوس، وبعد محاولتين للترشح عامي 1996، و2001، عاد أورتيجا للحكم في انتخابات 2006.
أخيرا نأتي لأيقونة الرؤساء العائدين وهو الرئيس الفنزويلي السابق هوجو شافيز، والذي مثلت قصته مصدر إلهام لأنصار الشرعية ، وحاولوا تكرارها في حصار دار الحرس الجمهوري لإخراج مرسي كما فعل أنصار شافيز، لكن مرسي لم يكن بالحرس وقتها.
تذكرون أن شافيز تعرض لانقلاب عسكري في الحادي عشر من إبريل عام 2002، تشارك فيهه عسكر طامحون ورجال أعمال فاسدون، ومثقفون إنتهازيون، سيروا المظاهرات المصطنعة ضد شافيز، ليتدخل العسكر كما فعل نظرائهم في مصر بدعوى إعادة الإستقرار للبلاد، فعزلوا شافيز وسلموا السلطة لأحد رجال الأعمال ممولي تلك الاضطرابات، وتم حبس شافيز في قاعدة عسكرية، لكن أنصاره تمكنوا من إطلاقه بعد 3 أيام من حصارهم لتلك القاعدة، وعاد الرجل إلى الحكم مجددا، ثم تم إنتخابه رئيسا لدورة رئاسية ثالثة في عام 2006.
الفارق بين المحبطين والحالمين أن الأولين يرون الأمل (بعيد)، بينما يراه الحالمون (من بعيد).
_______________

*كاتب صحفي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة