عميد الأسرى ومانديلا فلسطين.. حكاية كريم يونس الذي لم يرَ الشمس 4 عقود

صورة لكريم يونس وهو في محكمة نابلس عام 1983 (يمين) وأخرى له بعد 40 عامًا (منصات فلسطينية)

كانت عائلة كريم يونس واثقة بأن باب السجن الذي فُتح في السادس من يناير/كانون الثاني 1983 ثم أغلق مدة 40 سنة، سيُفتح مجددًا، وها هو يُفتح للحرية اليوم، في الخامس من يناير 2023.

وتثبّت قضية عميد الأسرى الفلسطينيين -الذي يعتبر أقدم أسير في العالم ويُعرف بـ”مانديلا فلسطين”- أن “الأمل” كان سلاح يونس ورفاقه داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، ولولا الأمل ما صمدوا واحتملوا أن يقضوا زهرة شبابهم خلف القضبان.

18 عملية تبادل أسرى بين الاحتلال الإسرائيلي ودول عربية وفصائل فلسطينية، من ضمنها عملية سورية وعملية أردنية وأخرى مصرية وعشر عمليات تبادل لبنانية، جميعها مرت أمام عين كريم يونس، وفي كل واحدة منها كان ثمة ضوء يُنذر بأن القيد سُيكسر، لكن باب سجنه ظل عصيًّا على الفتح.

هذه العمليات الـ18 تحرر خلالها 8265 أسيرًا فلسطينيًّا وعربيًّا، وقد امتدت منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 1983 حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2011، ولم يشمل أيّ منها كريم يونس، الذي كان يرقب يناير 2023 ليكون موعد بزوغ شمس تحرره.

أطول انتظار لعناق عرفه العالم.. ولكن

لم تكن سنوات السجن الطويلة بقدر شقاء وفاجعة رحيل والدته، صبحية يونس في مايو/ أيار 2022، وهي صاحبة أطول انتظار لعناق عرفته فلسطين والعالم، إذ ظلت صامدة تنتظر اللحظة التي سيرتمي فيها “كريم” في حضنها.

مضت صبحية (88 عامًا)، بعد صبرها وتحملها 39 عامًا ونصف عام في انتظار تحرر نجلها كريم يونس (65 عامًا) من سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أشهر قليلة من انتهاء محكوميته البالغة 40 عامًا.

ولعلها تكون أطول مدة انتظار عرفها العالم، لأم على مشارف التسعينيات، تنتظر منذ سنة 1983 عودة ابنها البكر الذي اعتقل وعمره 23 عامًا، ليخرج كريم اليوم متوجهًا مباشرة إلى قبرها يحتضنه في مشهد مؤثر وثّقته الكاميرات.

حكاية كريم

وبحسب تقرير لوكالة الأنباء الفلسطينية، بدأت حكاية كريم يونس صباح الـ6 من يناير 1983 عندما اقتحمت وحدة خاصة تابعة للاحتلال أحد مختبرات الهندسة الميكانيكية في جامعة “بن غوريون” في بئر السبع، ووقف أفرادها على الباب ليتأكدوا من وجوده في الداخل.

في المختبر الذي كان فيه الطالبان كريم يونس ورياض محاميد يقومان بتجربة أحد الاختراعات، سألوهما: أيكم كريم؟ ليترك كريم ما بيده من عدة ويتقدم نحو القوة الخاصة، تاركًا خلفه على طاولة الدراسة قلمي رصاص وحبر وحقيبته الجامعية، ومنذ ذلك اليوم لم يعد كريم إلى بيته في بلدة عارة (جنوب حيفا)، وقد اعتُقل وهو في عامه الدراسي الثاني بالجامعة.

أحب كريم يونس في طفولته البرية، الساحل والجبل والوادي والتل، السباحة والمشي وكرة القدم والرياضة بأنواعها. وكان مثقفًا، كاتبًا، وصاحب خط عربي أنيق، ورسامًا. وكان يرعى الأغنام ويبني مع والده الحظائر، وناشطا اجتماعيا ومبادرا لتوفير الخدمات والبنى التحتية في البلدة، كتعبيد الشوارع وإنشاء ملعب لكرة الطائرة.

توفي من أقاربه وهو داخل السجن: أخواله الأربعة، وخالتاه، وعمتاه، وجدّاه وجدتاه، وولد لأشقائه الثلاثة وشقيقتيه أكثر من 20 ولدا لم يرهم كريم إلا عبر الصور.

كان كريم يغضب حين يرى دمع والدته أثناء الزيارة، قائلًا “إذا كنتِ جئتِ لتبكي، لا تأتي. أنا لم أفعل شيئًا لتصابي بكل هذا الحزن”. وفي إحدى المقابلات التلفزيونية قالت والدته “أنتظر أن أعيش بعد تحرره ولو ثوانٍ. لا يذهب من مخيلتي أبدا، دائما أراه أمامي”.

رحيل الأب “المُعلّم”

أما والده، فقد عمل مزارعًا بعد أن فصله الاحتلال من سلك التعليم في خمسينيات القرن الماضي، بعد أن أمضى فيه نحو 10 سنوات، وكان معلمًا معروفًا بخطه الوطني المتمثل في مقاطعة المنتج الاحتلالي، ودعواته إلى التصدي لتفريغ النقب من أهله الأصليين، وندواته حول المشاريع الاستيطانية.

يقول نديم شقيق كريم يونس “بعد فصل والدي، أمضى حياته في الأرض وكان معلّمًا لكريم في الوطنية والانتماء، وكان يحلم بأن يدرسه في جامعات الوطن مثل بيرزيت أو النجاح، وكانت طولكرم وجنين أسواقه التي يتزود منها بكل مؤونة بيتنا وحاجياتنا، حتى الصحف كان يشتري الأعداد التي فاتته منها”.

ومن أقسى المشاهد واللحظات التي مر بها كريم، وفاة والده في الذكرى الـ30 لاعتقاله، فحين دخل إليه مروان البرغوثي وخالد الأزرق عام 2013 ليعزياه دون أن يكون قد علم بعد برحيل والده، فتحدثا إليه بعبارات من سبيل: شدة وبتزول، الله يهونها عليك.

ردّ عليهم كريم: هذا وضعنا للأسف وحالنا، أتمنى ألا تصلوا إلى الرقم الذي وصلت إليه (30 عامًا) خلف القضبان، لكنهما صححا: لا، نحن لم نأتِ لنواسيك في هذه السنوات الطويلة من السجن وإنما في وفاة والدك، هنا انهار كريم وسقط على الأرض مغشيًا عليه، ليستفيق في عيادة السجن، مصدومًا وحزينًا.

عميد الأسرى

كريم يونس هو عميد الأسرى الفلسطينيين وعضو اللجنة المركزية لحركة “فتح”، ولد في الـ23 من نوفمبر/ تشرين الثاني 1958، في بلدة عارة داخل أراضي عام 1948، وهو الابن الأكبر لعائلته.

يُشار إلى أن رفيق دربه، الأسير ماهر يونس، الذي أمضى معه حتى اليوم 40 عامًا في السجون، يستعد هو أيضًا بعد عدة أيام لنيل حريته.

المصدر : الجزيرة مباشر + وكالة الأنباء الفلسطينية