أزمة سد النهضة.. لماذا غيّرت روسيا موقفها لصالح إثيوبيا؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (مواقع التواصل)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (مواقع التواصل)

كشفت كلمة روسيا خلال جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن سد النهضة الإثيوبي عن تحول مفاجئ هو أقرب إلى تأييد أديس أبابا وأشبه بعرقلة غير متوقعة لجهود مصر والسودان في نزاع متصاعد.

وبينما شدّدت روسيا في أكثر من مناسبة على ضرورة ألا يلحق سد النهضة الأذى بجيران إثيوبيا فاجأت موسكو خلال جلسة، الخميس الماضي، الكثيرين باعترافها تماما بأهمية السد لأديس أبابا وبحديث عن مشاغل مصر والسودان.

ولم تقدم موسكو تبريرا لتحول موقفها لكن الرد جاء سريعًا من القاهرة عبر حملة انتقادات وتهديدات إعلامية وسياسة من موالين للنظام المصري أزعجهم موقف الروس فضلا عن زيارة رسمية إلى المفوضية الأوربية وحلف شمال الأطلسي (ناتو) غريمي روسيا.

بعدها ازدادت حدة التبرم غير الرسمي في مصر تزامنا مع إعلان أديس أبابا، الإثنين الماضي، توقيع اتفاق تعاون عسكري مع موسكو في وقت كانت تتصاعد فيه مخاوف من احتمال لجوء القاهرة والخرطوم إلى “خيار آخر” مع تعثر المفاوضات حول سد النهضة.

هذا التحول الروسي أرجعه معنيون بالشؤون الأفريقية والدولية إلى مصالح لموسكو تتشكل في إثيوبيا ومحاولتها اقتسام النفوذ مع دول أخرى في ظل تنافس دولي على التواجد في منطقة القرن الأفريقي (شرقي القارة).

ورأى أحد الخبراء أن موقف روسيا ليس متعلقا بمصر بقدر ما هو بحث عن مصالح روسية ورسالة إلى اللاعبين الدوليين في الساحة الأفريقية مفادها أن موسكو قادمة عبر بوابة أديس أبابا.

وعادة ما تصف القاهرة علاقاتها مع موسكو بأنها “متميزة”، ولم تتأثر بإسقاط طائرة روسية في شبه جزيرة سيناء عام 2015 وتشهد تعاونا اقتصاديا وسياحيا مع مصر ليس له نظير مع إثيوبيا.

وفي 28 يونيو/حزيران الماضي، وصفت الخارجية الروسية في بيان العلاقات مع مصر بأنها “تتميز تقليديا بطابع ودي”.

تحول روسي

في 24 أغسطس/آب 2020، نقلت شبكة (روسيا اليوم) الإخبارية تصريحات لسفير موسكو لدى القاهرة غيورغي بوريسينكو قال فيها إن “روسيا تحاول إقناع إثيوبيا بتسوية النزاع بشأن سد النهضة سلميا من دون إلحاق الأذى بجيرانها”.

وبعد نحو عام وخلال جلسة مجلس الأمن، الخميس الماضي، لم يكن لعبارة “تجنب إلحاق الأذى بجيران إثيوبيا” وجودا في موقف روسيا.

وقال المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة ڤاسيلي نيبينزيا “نعترف تماما بالأهمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمشروع السد لإثيوبيا، في الوقت نفسه نشير إلى مشاغل عبّرت عنها مصر والسودان”.

سفير روسيا لدى مجلس الأمن الدولي فاسيلي نيبينزيا (الأناضول)

وتتبادل مصر والسودان مع إثيوبيا اتهامات بالمسؤولية عن تعثر المفاوضات التي يرعاها الاتحاد الأفريقي منذ أشهر ضمن مسار تفاوضي بدأ قبل نحو 10 سنوات.

ومتحدثا بلغة غير معتادة للقاهرة، أضاف نيبينزيا أن “التهديد باستخدام القوة أمر يجب منعه، ونحن على ثقة بأن الاتفاقات حول التنمية الاقتصادية والاجتماعية يجب ألا تؤدي إلى تهديد السلم والأمن”.

وقال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في 30 مارس/آذار الماضي، إن “مياه النيل خط أحمر” متوعدا أن “أي مساس بمياه مصر، سيكون له رد فعل يهدد استقرار المنطقة بالكامل”.

غضب مصري

على الفور، تنامي انتقاد مصري غير رسمي لموسكو وقالت صحيفة “المصري اليوم” في تقرير، السبت الماضي، إن موقف روسيا “اعتبره كثير من المصريين تبنيا للرواية الإثيوبية، وانحيازًا فجًا ضد مصالح مصيرية لمصر، وانتقادات بالتلميح لتصريحات للرئيس السيسي”.

وفي مقال بعنوان “الذين خذلونا في مجلس الأمن”، في صحيفة (الشروق) المصرية كتب رئيس تحريرها البرلماني عماد الدين حسين إن “الموقف الروسي كان مفاجئا، حينما رفض التهديد باستخدام القوة مع أنه باليوم ذاته أمرت موسكو باستئناف الطيران المباشر للمقاصد السياحية بمصر لدرجة أنه اعتبر محاولة لترضية مصر بالسياحة وإثيوبيا بالسد”.

رد رسمي

وفي اليوم التالي، كانت بوصلة مصر الرسمية تتجه، الأحد الماضي، صوب المفوضية الأوربية وحلف الناتو مع العلم أن علاقاتهما متدهورة مع روسيا.

وأجرى وزير خارجية مصر سامح شكري لقاءات ركز أغلبها على أزمة السد، إذ بحث مع رئيس الحلف ينس ستولتنبرغ “التطورات الإقليمية ذات التأثير على أمن ومصالح مصر”، وفق وزارة الخارجية المصرية.

وفي 22 مارس الماضي، قال نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر غروشكو إن العلاقات مع الناتو في أدنى مستوياتها والاتصالات متوقفة والعقوبات الأوربية (بسبب أوكرانيا) ضد موسكو تضع علامة استفهام على أي تعاون مستقبلي، بحسب وسائل إعلام روسية.

وبوضوح أكثر، تحركت موسكو صوب دعم موقف إثيوبيا عبر توقيع اتفاق للتعاون التقني العسكري معها بهدف تحديث قدرة الجيش بالمعرفة والمهارات والتكنولوجيا، وفق وسائل إعلام إثيوبية وروسية.

وقالت وزيرة الدولة للشؤون المالية بوزارة الدفاع الإثيوبية مارتا لويجي إن موسكو تؤيد بلادها في ملفي الانتخابات والسد وقدمت دعما لعمليات الجيش الإثيوبي في إقليم تيغراي الذي يشهد صراعا مسلحا منذ أشهر وسط انتقادات أممية وأمريكية لأديس أبابا.

ومنذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، يقاتل الجيش الإثيوبي ضد قوات الجبهة الشعبية لتحرير إقليم تيغراي (شمالي البلاد) وهو الحزب المحلي الحاكم سابقا وسط اتهامات لأديس أبابا بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في الإقليم الحدودي مع السودان.

فيما وصف نائب مدير التعاون العسكري الروسي بونتشوك أناتولي علاقات موسكو وأديس أبابا بأنها “طويلة الأمد”.

وغداة توقيع الاتفاق العسكري عاد الكاتب والبرلماني المصري عماد الدين حسين للقول في تصريحات إعلامية، الإثنين، إن “روسيا رغم أنها صديقة وعلاقتنا بها تاريخية لكن موقفها كان غريبا وصادما، وبعد معرفة الاتفاقية التي جرت مع إثيوبيا جعلت الأمور أكثر وضوحا وسوءا”.

دوافع روسيا

وفق عاطف معتمد -أستاذ الجغرافيا في جامعة القاهرة- فإن روسيا تبحث في إثيوبيا عن حليف بخلاف مصر التي من غير المنتظر أن تكون كذلك لموسكو.

وقال معتمد، الجمعة الماضية، عبر صفحتة الشخصية على فيسبوك “موسكو كانت قبلة لمصر تقريبا من 2014 – 2016 وكادت تستثمر هذا الموقف في تقديم مقترحات بوجود روسي استراتيجي فعلي (كقاعدة عسكرية) وليس سياحي، ولم يستمر الأمر مع حدوث انفراجة مع الغرب وعودة الاتصالات المصرية الأمريكية”.

وأضاف “تأكد الروس أن علاقات مصر أوربيًّا ومع واشنطن أقوى بكثير من نظيرتها الروسية وأن انتظار تغيرها أمرا بالغ الصعوبة، أما إثيوبيا فتمثل لروسيا أرضا بكرا يصلح فيها الاستثمار والحضور الجيوسياسي”.

وبجانب بحثها عن حليف فإن مصالح موسكو ورغبتها باقتسام النفوذ في أفريقيا الغنية بالموارد الطبيعية والأسواق الاستهلاكية هما سببان آخران يطرحهما خيري عمر وهو أكاديمي مصري متخصص في الشؤون الأفريقية والدولية.

وقال عمر “هناك تحول واضح لروسيا نحو مصالحها في إثيوبيا تستعيد بها ماضيها الذي امتد من 1975 إلى 1991 عبر دعم الحكم الشيوعي في أديس أبابا وقد وضح هذا من لهجة مندوبها العدائية في جلسة مجلس الأمن”.

وتابع “كان مشهد الجلسة أشبه بمباراة دولية ليست مصر طرفا فيها لمن يرضي إثيوبيا أكثر باعتبار أنها بوابة للتواجد في أفريقيا التي باتت مسرحا رخوا للتنافس الدولي”.

وأردف “روسيا سعت إلى استغلال فراغ الجفاء الأمريكي الإثيوبي على خلفية إقليم تيغراي وعملت على جذب حليف جديد مغاير للقاهرة ذات العلاقات الخارجية المتنوعة”.

ورأى أن موسكو وبتوقيعها على اتفاق تعاون عسكري مع أديس أبابا، الإثنين، تكشف عن أنها تبحث عن موضع نفوذ يشمل وجود خبراء روس وبناء قاعدة عسكرية في إثيوبيا.

وفي 15 أكتوبر/تشرين أول 2016، أكد السيسي أنه “لا قواعد عسكرية لروسيا أو غيرها في مصر ولا وجود لهذا سابقا أو حاليا أو مستقبلا”، ردا على تقارير صحفية روسية تحدثت عن مفاوضات لاستئجار موسكو قاعدة بمصر.

وبعد الاتفاق العسكري الإثيوبي الروسي “ستتعاظم المصالح الروسية مع حليفها الإثيوبي الجديد وستبدو مواقف روسيا في ملف السد والتي تزعم أنها حيادية أقرب إلى أديس أبابا من القاهرة”، وفق عمر.

وحول التأثير المحتمل لذلك على مصر، قال عمر إن “علاقات مصر وروسيا لا تُصنَّف تحالفا استراتيجيا مع إدراك القاهرة مبكرا أهمية تنويع العلاقات الخارجية ومستوى التسليح”.

وتابع أن “انزعاج مصر من موقف موسكو تُرجم بذهاب شكري إلى بروكسل وليس لروسيا”.

وتوقع أن تتجه العلاقات المصرية الروسية “ربما إلى حالة برود نسبي لا يمس الملفات الأساسية مع تسارع روسي نحو إثيوبيا وهذا لن يعطل مسار القاهرة في تحييد السد حال تضررها”.

بوابة أفريقيا

وقال الأكاديمي مصطفى يوسف مدير المركز الدولي للدراسات التنموية والاستراتيجية (مقره كندا) إن “روسيا تود أن يكون لها قدم في أفريقيا وإثيوبيا هي البوابة لذلك في ظل أن آبي أحمد (رئيس الوزراء الإثيوبي) له صلات قوية مع الأمريكان والإسرائيليين”.

وأردف يوسف “هناك وجود دولي كبير في أفريقيا لا سيما من الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل وفرنسا وبالتالي مفهوم جدا هذا السعي الروسي إلى التواجد”.

لكنه استبعد أن تبتعد روسيا عن مصر في ملف سد النهضة مرجحًا أنها “ستقف في المنتصف”.

المصدر : الأناضول

حول هذه القصة

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة