هارون يحيى.. قصة صعود وسقوط “زعيم طائفة جنسية” في تركيا

"الداعية" التركي المثير للجدل عدنان أوكتار (غيتي)
"الداعية" التركي المثير للجدل عدنان أوكتار (غيتي)

سلط تقرير لموقع “ميدل إيست آي” الضوء على قصة “الداعية” التركي المثير للجدل عدنان أوكتار، المعروف باسم “هارون يحيى”، والذي امتلأت حياته صخبا وجنسا وإثارة للجدل، وذلك في تقرير مطول حمل عنوان “عدنان أوكتار: صعود وسقوط زعيم طائفة جنسية تركية”.

والأسبوع الماضي، كتب فصل جديد في قصة أوكتار، بالحكم عليه في تركيا بالسجن لأكثر من ألف عام.

ورصد التقرير قصة “هارون يحيى” والحكم عليه بالسجن لمدة 1075 عاما لإدانته بجرائم شملت “الاعتداء الجنسي والاستغلال الجنسي لقاصرات والاحتيال ومحاولة التجسس السياسي والعسكري”.

واعتقل الرجل البالغ من العمر 64 عامًا في يونيو/ حزيران 2018 في إطار حملة استهدفت مجموعته من قبل وحدة الجرائم المالية في شرطة إسطنبول.

الصعود

بدأ أوكتار حياته المهنية في الثمانينيات كخطيب مثير للجدل يهاجم اليهود والماسونيين وتشارلز داروين، واشتهر لاحقا ببرامجه على التلفزيون التركي، حيث كان يناقش “المبادئ الإسلامية” بينما كانت نساء شقراوات شبه عاريات يرقصن حوله على أنغام الموسيقى الشعبية، وكان يُشير إليهن بـ”القطط”.

واكتسب أوكتار شهرة عالمية بسبب نصوصه العديدة التي تندد بنظرية التطور، وحظي كتابه “أطلس الخلق” الذي كتبه تحت الاسم المستعار “هارون يحيى” بشهرة عالمية، وهو كتاب مكون من 800 صفحة ويدعي فضح نظرية التطور.

عدنان أوكتار والمعروف باسم “هارون يحيى” بعد القبض عليه (الأناضول- أرشيف)

“ألف حبيبة”

أخفت الصورة العامة لطائفة أوكتار التي لطالما كانت محل سخرية، عالما مليئا بالشرور والانتهاكات والاعتداءات الجنسية.

ودافع أوكتار عن نفسه في المحكمة، قائلا إن لديه “ما يقرب من ألف حبيبة”، نافيا “الإساءة لهن” بل وصف نفسه بأن لديه “حبا فياضا للنساء”.

إلا أن إحدى النساء اللائي أدلين بشهادتهن خلال محاكمته قالت إن أوكتار اعتدى عليها وعلى نساء أخريات جنسيا، وأجبرهن في كثير من الأحيان على تناول حبوب منع الحمل.

وعُثر على حوالي 69 ألف حبة من حبوب منع الحمل في منزل أوكتار، إلا أنه برر ذلك في المحكمة باستخدامها لعلاج اضطرابات الجلد ومشاكل الدورة الشهرية.

أوكتار خلال القبض عليه عام 2018 (وكالة الأناضول)

“المهدي” يرتدي أرماني

ويستعرض كتاب “المهدي يرتدي أرماني”، وهو ربما العمل الأكاديمي الرئيسي الوحيد حتى الآن الذي يركز على أوكتار وحركته، نشأة عدنان في عائلة علمانية ثرية نسبيا في السبعينيات.

ولم ينخرط عدنان أوكتار في النشاط الديني إلا بعد انتقاله إلى إسطنبول للدراسة فيما كان يُعرف آنذاك “بأكاديمية الفنون الجميلة” سنة 1979.

وخلال ثمانينيات القرن الماضي، أسس أوكتار دائرة من المخلصين عرفوا باسم “العدنانيين”، ممن كانوا يتبعون العالم الكردي المسلم المؤثر سعيد النورسي، إذ كان النورسي يدعو إلى التوفيق بين المعتقدات الإسلامية التقليدية والأفكار العلمية، وأصبح أوكتار في نهاية المطاف من بين الشخصيات البارزة في “حركة الصحوة الإسلامية” في الجمهورية التركية.

وكان أكثر أتباع النورسي نفوذا رجل الدين فتح الله غولن، الذي أصبحت منظمته واحدة من أكبر الحركات الإسلامية في العالم قبل أن يتم سحقها بعد الخلاف مع الحكومة التركية عام 2013، ثم اتهامها لاحقا بالتورط في محاولة الانقلاب عام 2016. وكانت صلته بحركة غولن التي أنكرها، من بين التهم الموجهة إلى أوكتار في محاكمته.

وبحسب آن روس سولبرغ، صاحبة كتاب “المهدي يرتدي أرماني”، فإن أوكتار “تأثر بمبادئ الحداثة الإسلامية للعالم المسلم سعيد نورسي، ولطالما كان يستشهد بمقولات نورسي في كتاباته، لكنه لم ينتم رسميا، لا لحركة غولن، ولا للحركات الأكثر تقليدية في تركيا.”

وأضافت أن “أوكتار لطالما ادعى أنه يمثل الإسلام السني التقليدي، لكنه لم يحظ بقبول مطلقا كمرجعية إسلامية في تركيا، نظرا لكونه مصمم ديكور ولا يتمتع بأي تكوين ديني رسمي”.

خلال ثمانينيات القرن الماضي أسس أوكتار دائرة من المخلصين عرفوا باسم “العدنانيين” (وكالة الأناضول)

“فصام ارتيابي”

في سنة 1986، ألقي القبض على أوكتار بتهمة “نشر الدعاية بهدف إضعاف أو تدمير المشاعر القومية”.

وفي النهاية وجد نفسه في “الجناح الجنائي” بمستشفى باكركوي، وشخصت حالته على أنه مصاب بـ”الفصام الارتيابي”.

أطلس الخلق

في تسعينيات القرن الماضي، أضفت طائفة أوكتار طابعا رسميا على أنشطتها، وأسست “مؤسسة الأبحاث العلمية”.

واستبدل أعضاء الطائفة الزي الإسلامي التقليدي بأزياء من تصاميم عالمية، وروجوا لأنفسهم باعتبارهم مناصرين لمبادئ مصطفى كمال أتاتورك، المؤسس العلماني لتركيا الحديثة. وصب أعضاء الطائفة تركيزهم على خصم جديد، ألا وهو تشارلز داروين.

حظي أوكتار في عام 2007 بشهرة عالمية بنشره كتاب “أطلس الخلق”، الذي زعم أنه يدحض علميا نظرية التطور البيولوجي التي طورها عالم الطبيعة الإنجليزي تشارلز داروين.

ووزّع أوكتار عشرات الآلاف من نسخ الكتاب على المدارس والباحثين والجامعات في جميع أنحاء أوربا والولايات المتحدة. ووصفته صحيفة “نيويورك تايمز” بأنه تسبب في إحداث “ضجة” في فرنسا، بل إن نسخة من الكتاب وجدت طريقها إلى مكتبة رئيسة البنك المركزي الأوربي كريستين لاغارد.

قطط أوكتار

في سنة 2011، أسس أوكتار محطة تلفزيون “A9 TV”، التي تُبث عبر الإنترنت وعبر شبكات “الكابل” التلفزيونية التركية، وأصبحت المحطة منصته الرئيسية لبث برنامجه.

استضافت برامجه مجموعة من الشابات، اللائي ناقشن الأوضاع الحالية والقضايا الدينية مع أوكتار، بالإضافة إلى الرقص على أنغام موسيقى في الفواصل. ومن المؤكد أن مثل هذه النوعية من البرامج كانت غير مسبوقة في عالم البرامج التلفزيونية “الإسلامية”.

ساق أوكتار بشكل متكرر “تبريرات إسلامية” للظهور غير المعتاد لمضيفاته اللاتي كن يرتدين ملابس مناسبة للملاهي الليلية منها للمناسبات الدينية. وبرر أوكتار موقفه قائلا إن تخليهن عن الملابس “المحتشمة” لا يجعلهن “أقل إسلاما”.

حظي أوكتار في عام 2007 بشهرة عالمية بنشره كتاب “أطلس الخلق” (وكالة الأناضول)

من إنكار الهولوكوست إلى تأييد الهيكل الثالث

من بين الموضوعات العديدة التي خاض فيها أوكتار، الحوار بين الأديان؛ إذ عمل بدءا من التسعينيات على إقامة روابط مع “الخلقيين المسيحيين” كجزء من حملته ضد داروين. إلا أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة كان إقامته علاقات مع اليمين الإسرائيلي في القرن الحادي والعشرين.

كان أحد الأعمال الأولى الصادرة عن “مؤسسة الأبحاث العلمية” كتاب بعنوان “خدعة الهولوكوست” صادر في عام 1996، والذي أنكر تخطيط النازيين للإبادة الجماعية لليهود، وكان في المجمل امتدادًا لنظرية المؤامرة المعادية للسامية التي وضعها أوكتار في الثمانينيات.

وبعد عشر سنوات، تغيرت آراؤه بشكل جذري، حيث نشرت “مؤسسة الأبحاث العلمية” كتابا آخر بعنوان “عنف الهولوكوست”، أقر بحدوث الإبادة الجماعية. بل وبعد مرور سنة، نفى أوكتار تأليفه للكتاب الأول الذي ينكر الهولوكوست.

وفي السنوات الأخيرة، وبغض النظر عن تبنيه لوجهة النظر القائلة إن اليهود كان لديهم مخطط “لتقويض قيم الشعب التركي الروحية والدينية والأخلاقية وجعلهم مثل الحيوانات”، كان أوكتار حاضرا في العديد من الفعاليات في إسرائيل ويلتقط الصور مع أعضاء بارزين في اليمني الصهيوني المتطرف أمثال يهودا غليك والحاخام مئير لاو، كما  حل ضيفا وكتب مقالات في وسائل إعلام إسرائيلية داعيا إلى الوحدة.

وربما كان السبب الرئيسي الذي جعله مقربا من هذه الشخصيات هو موقفه الصريح والمعلن للسماح لليهود بالصلاة في الأقصى، بالبلدة القديمة في القدس الشرقية المحتلة، حيث يزعم أن الهيكل اليهودي الأول والثاني كانا قائمين. ويرغب بعض المستوطنين الإسرائيليين من اليمين المتطرف في بناء معبد ثالث في الموقع، ليحل محل المسجد الأقصى وقبة الصخرة.

الابتزاز

في يوليو/ تموز 2018، أُلقي القبض على أوكتار في عدد من التهم، بينها تشكيل منظمة إجرامية، والاعتداء الجنسي على الأطفال، والاعتداء الجنسي.

ووفقا لمكتب المدعي العام في إسطنبول، ألقي القبض على أوكتار أثناء محاولته الهروب من الضباط خلال اعتقاله. وبينما كانوا يقتادونه، قال للصحفيين إن التهم التي وجّهت له هي مؤامرة من “الدولة العميقة في بريطانيا”.

وقال في وقت لاحق أمام المحكمة “يريدون نشر المسيحية في المنطقة بأكملها. يستهدفونني لأنهم يرون أنني العائق الفعال للعبة”.

وكانت السلطات قد ألقت القبض على أوكتار وعدد من شركائه عام 1999، ووجهت إليهم تهما تتعلق بتهديد أشخاص لتحقيق منفعة شخصية وإنشاء منظمة إجرامية. وأدرج المدعي العام التركي عددا من الشركات المرتبطة بـ مؤسسة الأبحاث العلمية” في القائمة السوداء، بتهمة استخدام الابتزاز والمصائد الجنسية لجمع عائدات مالية.

استمرت الإجراءات القانونية ضد أوكتار لمدة عامين، وخلال تلك الفترة سحب غالبية المشتكين ادعاءاتهم.

وفي أحدث قضية حوكم فيها، عرض ممثلو الادعاء مجموعة من الصور توثق أفعالا جنسية لأعضاء طائفته يُزعم أنها التُقطت سرا في عقارات مملوكة لأوكتار بغرض الابتزاز. كما كشف عن رسائل مرسلة عبر تطبيق ” واتساب” تضم أعضاء من المجموعة من الذكور والإناث وإعطاءهم تعليمات للتعود على القيام بأفعال جنسية شاذة.

المصدر : الجزيرة مباشر + ميدل إيست آي

حول هذه القصة

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة