كيف أخطأت إسبانيا في التعامل مع كورونا حتى أصبحت بؤرة للفيروس؟

سجلت إسبانيا نحو 6803 وفاة حتى الآن نتيجة الإصابة بفيروس كورونا المستجد
سجلت إسبانيا نحو 6803 وفاة حتى الآن نتيجة الإصابة بفيروس كورونا المستجد

نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريرا حول أسباب انتشار وباء كورونا في إسبانيا ولماذا تأخرت البلاد كثيرا في اتخاذ ما يلزم من إجراءات رغم ما حدث في الصين وإيطاليا وإيران.

يرى الكاتب أن إسبانيا تعيش واحدة من أحلك اللحظات وأكثرها دراماتيكية في تاريخها الحديث. ففي عداد يومي للقتلى تقشعر له الأبدان بسبب وباء الفيروس التاجي، احتلت إسبانيا موقعًا متقدمًا عن إيطاليا: حيث توفي 738 شخصا على مدار 24 ساعة يوم الخميس الماضي، فيما توفي 832 شخصا السبت، و838 الأحد.

وتعد إسبانيا الآن “النقطة الساخنة” للوباء العالمي، وهو لقب انتقل من بلد إلى آخر على مدار  أربعة أشهر – بدءًا من ووهان بالصين، مرورا بإيران، وإيطاليا، حيث يتحرك غربًا، ولا نعرف من سيكون التالي. فقد شاهدت إسبانيا ما حدث في الصين وإيران. كما أن إيطاليا قريبة منها، على بعد 400 ميل فقط عبر البحر المتوسط، وهي أبلغ مثال على كيفية انتشار الفيروس بسرعة وحشية داخل أوربا.

يتابع التقرير “ومع ذلك لا يمكن أن يلوم الإسبان هذا القرب. فلا توجد حدود برية لهم مع إيطاليا، في حين أن فرنسا وسويسرا والنمسا وسلوفينيا – وجميعها دول حالتها أفضل منها – لديها حدود مع إسبانيا. قد يكون هذا، في الواقع، أحد أسباب الاستجابة المتأخرة للبلاد. فقد اعتقدت إسبانيا أنها بعيدة بما فيه الكفاية عن مراكز انتشار الوباء”. 

الدكتور فيرناندو سيمون، رئيس قسم الطوارئ الطبية في مدريد، كان قد قال في 9 فبراير/شباط الماضي “لن يكون لدى إسبانيا سوى عدد قليل من الحالات”. وبعد ستة أسابيع، يقدم نفس الرجل أرقامًا يومية لمئات الوفيات. بلغ عدد القتلى مقارنة بعدد السكان إلى الآن ثلاثة أضعاف عدد القتلى في إيران، و40 ضعف عددهم بالصين.

وفي 19 فبراير/شباط، اختلط 2500 شخص من مشجعي نادي فالنسيا لكرة القدم مع 40 ألفا من مشجعي أتالانتا في مباراة بدوري أبطال أوربا في مدينة بيرغامو الإيطالية، والتي وصفها عمدتها جورجيو غوري بأنها “القنبلة” التي فجرت الفيروس في إقليم لومباردي بإيطاليا.

وانتقالا إلى إسبانيا، كان لاعبو فالنسيا والمشجعون والصحفيون الرياضيون من بين أوائل المرضى.

أحد شوارع مدريد الخالية بعد الإغلاق التام للمدينة لمواجهة وباء كورونا

وربما يكون السبب الرئيسي للانتشار السريع عبر إسبانيا سبباً اجتماعيا تمامًا. فقد كان الجو ربيعًيا معتدلًا ومشمسًا بشكل غير عادي. وفي أواخر فبراير/شباط وأوائل مارس/آذار، ومع درجات حرارة أعلى من 20 درجة مئوية، كانت مقاهي وأرصفة مدريد ممتلئة عن آخرها بالناس السعداء الذين يقومون بأكثر ما يفضله سكان مدريد: الحياة الاجتماعية. وهذا يعني المعانقة والتقبيل والثرثرة المتحركة على بعد بضع بوصات فقط من وجه شخص آخر.

وفي 8 مارس/آذار، أي قبل أسبوع واحد فقط من إغلاق البلاد، جرت أحداث رياضية ومؤتمرات حزبية سياسية ومظاهرات ضخمة للاحتفال باليوم العالمي للمرأة. وبعد ثلاثة أيام، طار حوالي 3000 من مشجعي أتلتيكو مدريد معًا لمباراة أخرى من دوري أبطال أوربا في ليفربول.

وبدا رد حكومة بيدرو سانشيز الاشتراكية متأخراً وأخرق تجاه الأزمة، كما يقول الكاتب. فالبلاد تفتقر إلى المعدات الأساسية، ولا تزال أجهزة التنفس الاصطناعية والملابس الواقية للأطباء واختبارات الفيروسات التاجية تستجلب إلى الآن. 

وانتقلت الصين من دور الشرير إلى دور المنقذ، مع تدفق المعدات والاختبارات، التي جاءت معظمها من خلال سماسرة من داخل مجتمع المهاجرين الصينيين الذي أغلق متاجره وانغلق على نفسه تجنبا لردود الفعل العنصرية.

وكشف الفيروس أيضًا عن عيوب عميقة في نظام الرعاية الإسبانية. فمنازل كبار السن الخاصة ينبغي أن تحقق أرباحًا، بينما يدفع لها النزلاء مبالغ يمكنهم تحملها، ونتيجة لذلك، انكشفت حاجة هذه المنازل التي تعاني من نقص في الموظفين والموارد اللازمة التي تمكنهم من تخطي هذه الأزمة، وبلغت معدلات الوفيات بين نزلائها 20 بالمئة. وأُرسل الجيش إلى هناك ليجد بعض النزلاء وهم يرقدون موتى في أسرتهم.

ويضيف الكاتب أن إسبانيا تتمتع بنظام رعاية أولية رائع، لكن مستشفياتها تعرضت لعقد من التقشف منذ الأزمة المالية العالمية. فهي تمتلك ثلث عدد الأسرة بالمستشفيات بالنسبة لعدد السكان مقارنة بتلك التي تقدمها دول مثل النمسا أو ألمانيا. لكن لا يزال هذا العدد أكبر من المملكة المتحدة ونيوزيلندا والولايات المتحدة.

وعندما أعلن سانشيز رئيس الوزراء أنه سيستدعي سلطات الطوارئ، استغرق الأمر أكثر من 24 ساعة لتطبيقها، وفي ذلك الوقت كان جزء من سكان مدريد والمدن الأخرى قد تفرقوا في جميع أنحاء البلاد.

ومن مظاهر سوء التنسيق أيضا أن حكومة مدريد الإقليمية أغلقت الجامعات والمدارس في وقت سابق من ذلك الأسبوع، مما أثار أجواء العطلات حيث كانت الحانات والحدائق ممتلئة وغادرت العديد من العائلات إلى منازلهم الشاطئية.

ثم طبق الإغلاق منذ 14 مارس/آذار بكفاءة بسبب غرامات تفرضها الشرطة والضغط الشعبي (بما في ذلك قذف البيض من الشرفات)، ولذلك سيبدأ منحنى الوفيات المروع في إسبانيا في الاستقرار قريبًا. 

ويقول الوزراء إنه ينبغي البدء في تخفيف الإجراءات عندما تنتهي مدة الحجر الصحي في 11 أبريل/ نيسان المقبل، أي بعد شهر من الإغلاق. ومع ذلك، لا يتوقع أحد العودة إلى الحياة الطبيعية.

ويقول الكاتب إن إسبانيا ستكون هشة للغاية عندما تنتهي الأزمة. فعندما تفاقمت الأزمة المالية عام 2008، ارتفعت نسبة البطالة إلى 27 بالمئة، وقفز الدين العام إلى الأعلى، وكان انحدار إسبانيا نحو الركود من بين الأسوأ في أوربا. وسيحدث نفس الشيء هذا العام، فالحلول التي فرضت قبل عقد من الزمان، مثل التقشف وخسارة الوظائف وخفض الرواتب، لن يتم تحملها.

وينقل الكاتب عن الاقتصادي توني رولدان قوله إن إسبانيا بحاجة إلى قرض بقيمة 200 مليار يورو من آلية الاستقرار الأوربية (ESM). غير أن البلاد يجب أن تتغلب على الفيروس أولا. ويختم الكاتب تقريره بالقول “هذه هي اللحظة الأصعب حتى الآن، ولكن ربما يكون هناك ما هو أسوأ في المستقبل”.

المصدر : الغارديان

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة