علماء: فيروس كورونا يتحور لكن لا داعي للقلق.. لماذا؟

جميع الفيروسات تتطور باستمرار ولا ينبغي أن يكون هناك ما يثير القلق بشأن العملية بشكل عام
جميع الفيروسات تتطور باستمرار ولا ينبغي أن يكون هناك ما يثير القلق بشأن العملية بشكل عام

الفيروس التاجي الذي يسبب مرض (كوفيد 19) يتغير بمرور الوقت، ولكن هذا أمر طبيعي وغير مقلق ومتوقع بحسب علماء.

ففي الوقت الذي لا يزال العلماء غير متأكدين إن  كانت الفيروسات على قيد الحياة بالفعل (حيث لا يمكنهم البقاء أو التكاثر دون مساعدة من كائن حي، ولكنها تزدهر بشكل واضح في داخله)، فإن الفيروسات تمتلك DNA أو RNA بالفعل وتقوم بنسخها لتنتج مزيدا من الإصدارات الجديدة.

ومثل النباتات والحيوانات والبكتيريا، فإن فيروس كورونا المستجد سيخطئ حتمًا خلال هذه العملية. وتؤدي هذه الأخطاء إلى حدوث طفرات أو تغييرات في المادة الوراثية بين الفيروس الجديد ووالده.

كل هذا قد يبدو مقلقًا ونحن في خضم أزمة عالمية حيث ينتشر الفيروس في جميع أنحاء العالم. وقد يبدو تغييرها جينيا بشكل غير متوقع أمرًا مخيفًا. ولكن مجرد تحور الفيروس لا يعني أنه سيصبح أكثر خطورة فجأة. ففي الواقع، يقول الخبراء إنه من المستبعد جدًا أن يتحول الفيروس إلى أشكال تغير من طريقة تفشي الوباء.

ويقول ناثان غروبو عالم الفيروسات في “كلية ييل للصحة العامة” في نيو هافن بولاية كونيتيكت الأمريكية “إن معدل تحور هذا الفيروس أو تطوره أمر متوقع؛ إنه بالضبط ما نتوقعه من فيروس مثل هذا. جميع الفيروسات تتطور باستمرار ولا ينبغي أن يكون هناك ما يثير القلق بشأن العملية بشكل عام”.

ولكن هناك شيء يزعج الكثير من الناس فيما يتعلق بفكرة الطفرة، كما أقر غروبو في مقال نشر أخيرا  في مجلة “نيتشر ميكروبيلوجي”. فالخيال العلمي مليء بالأبطال الخارقين والجراثيم القاتلة التي ترجع قوتها الخارقة إلى الطفرات.

“مجرد أن تأتي كلمة “طفرة” في القصة، فهذا يعني أن شيئًا عظيمًا قد حدث، إما للأفضل أو للأسوأ” ، كما يقول. “وهذه ليست الطريقة التي يعمل بها التطور. كلنا لدينا طفرات. كلنا مختلفون جينيا عن أسلافنا”.

وتتحور الفيروسات بمعدل مرتفع بشكل خاص، وبخاصة السلالات مثل كوفيد 19، التي لها  RNA كمادة وراثية. فعلى عكس الكائنات التي تستخدم الحمض النووي DNA، ليست لهذه الفيروسات القدرة على إصلاح الأخطاء التي تحدث عندما تقوم بنسخ الشفرة الجينية. وهذا يعني أن فيروسات RNA تميل إلى التطور بسرعة أكبر مقارنة بالكائنات الحية الأخرى، بحسب ريتشارد كوهن، عالم الفيروسات ومدير معهد بوردو للالتهابات والمناعة والأمراض المعدية، في ويست لافاييت بولاية إنديانا الأمريكية.

ومع ذلك، فإن معظم الطفرات التي تظهر مع انتشار الفيروس إما ضارة بالفيروس نفسه (مما يعني التقليل من احتمال بقائه أو تكاثره) أو أنها لا تغير من طريقة عمله. كما أن التحكم في خاصيتي الفيروس الأكثر أهمية في الوقت الحالي (وهما: قدرة الفيروس على العدوى ومدى ضرره على مضيفيه) يحدث بواسطة جينات متعددة، كما يقول غروبو. 

وتغيير هاتين الخاصيتين عملية معقدة، ولا تحدث من خلال طفرة واحدة على الأغلب. لذا فإن احتمالات تحور الفيروس بطريقة تجعله أكثر فتكًا أو أكثر قدرة على العدوى على مدار أسابيع أو أشهر أو حتى بضع سنوات ليست عالية جدًا.

وفي الانتشار السابق لأمراض أخرى مثل السارس أو الإيبولا، لم ير العلماء أدلة على أن فيروسًا معينًا قادرا على التحور ليصبح أكثر فتكًا. ويقول غروبو “ربما تكون هناك بعض الطفرات التي تحدث من وقت لآخر ولها تأثير وبائي، إلا أننا لا نجدها في كثير من الأحيان”. 

ويمكن أن تخضع الفيروسات التاجية لتغييرات كبيرة تجعلها أكثر تهديدًا للناس. فعلى سبيل المثال، كان أسلاف فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) قادرين فقط على إصابة الحيوانات وليس البشر، ثم تحور الفيروس في نهاية المطاف حتى يتمكن من الانتقال من الحيوانات إلى البشر. ولكن ربما لم يكتسب الفيروس هذه القدرة في ضربة واحدة. يقول غروبو “هذا التطور يحدث على مدار سنوات عديدة”.

وقد تغير الفيروس التاجي الجديد بالفعل بطرق خفية منذ بدء تفشي المرض في مدينة ووهان في الصين. ففي 3 من مارس/آذار الجاري، قال العلماء الصينيون إنهم حددوا سلالتين منفصلتين من فيروس  كوفيد 19. ومع ذلك، فإن هاتين النسختين من الفيروس متطابقتان تقريبًا بشكل عام، كما يقول غروبو. ولا تبدو إحداهما أكثر فتكًا من الأخرى، كما أن لقاحًا ضد واحدة منهما يحمي أيضًا من الأخرى.

ويقول غروبو إن هناك حالتين ربما يكون للطفرات تأثير كبير فيهما أثناء تفشي المرض. الحالة الأولى هي احتمال أن تظهر طفرة تغير بشكل طفيف من منطقة الفيروس التي يختبرها التشخيص، مما يعني أن قدرتنا على اختبار الفيروس ستضعف. ولذلك فمن المهم للعلماء تتبع الطفرات الجديدة من الفيروس حتى يتمكنوا من معرفة إن كانت أدوات الاختبار تحتاج إلى تحديث لرصد أشكال جديدة منه.

والحالة الثانية هي أن يصبح الفيروس التاجي الجديد مقاومًا للأدوية المضادة للفيروسات بمرور الوقت، على نحو مشابه للكيفية التي تتطور بها البكتيريا لتكتسب مناعة ضد المضادات الحيوية. وإذا نجح عقار ما في القضاء على جميع نسخ الفيروس في جسم شخص مريض، فلن تتاح للفيروس فرصة للتكيف. ولكن إذا أصيب شخص ما بفيروس كورونا، وتسببت بعض النسخ من الفيروسات في حدوث طفرة تساعده على تحمل الدواء، وقام الشخص المريض بنشرها إلى شخص آخر، فإن هذه الفيروسات ستكون لها ميزة على أقرانها ويمكنها أن تنتشر على نطاق واسع.

ولذلك ربما نحتاج لأكثر من عقار لهزيمة فيروس كوفيد 19. وفي نهاية المطاف، من المحتمل أن يتم إعطاء الناس مزيجًا من الأدوية المختلفة للتخلص من الفيروس. وهذه الاستراتيجية هي السبب في فعالية علاجات فيروس نقص المناعة (HIV) اليوم، كما يقول كوهن. ويتوقع أن يقوم العلماء في نهاية المطاف بتطوير مجموعة متنوعة من الأدوية المضادة للفيروسات التي تعمل على أجزاء مختلفة من الفيروس.

ويضيف “إن الفكرة وراء استراتيجية مكافحة الفيروسات واستراتيجية اللقاح هي تتبع أكثر من موقع في جسم الفيروس. وبالتالي يصبح الأمر صعبا جدا على الفيروس أن يتحول ويصبح مقاومًا في حالة استهداف مواقع متعددة”.

ويتابع “الخبر السار هو أن الفيروس التاجي الجديد ليس من المرجح أن يتحول بشكل كبير في انتظارنا للتوصل إلى لقاح. من الصعب على الفيروسات تطوير مقاومة للقاحات، إلا في حالات نادرة مثل الإنفلونزا. العديد من الفيروسات تغيرت ببطء شديد -مثل فيروسات الحصبة والحمى الصفراء- لدرجة أن اللقاحات التي تم تطويرها منذ عقود عديدة ظلت فعالة ضدها”.

ويستطرد قائلا “من الصعب معرفة ذلك على وجه اليقين، ولكن في الوقت الحالي قد لا يواجه الفيروس الكثير من الضغوط للتكيف مع مضيفه البشري. فمن الواضح أنه يتحرك بسرعة بين السكان، وبالتالي فهو يمتلك القدرة على التكاثر داخل البشر بكفاءة عالية، وعلى الانتقال من إنسان إلى آخر. لا أعتقد أننا سنرى الكثير من الاختلاف عما نراه الآن من حيث التركيب الجيني للفيروس”.

استمرار انتشار فيروس كورونا المستجد يعني استمراره في تطوير الطفرات ومنها من سيبقى. ويستطيع العلماء استخدام هذه التغييرات على المستوى الجيني في تتبع متى وأين أصابت سلالات مختلفة من الفيروس الناس، كما يقول غروبو. هذا يمكن أن يعطينا فكرة عن كيفية تأثير المتغيرات الخارجية مثل السفر الجوي أو المناخ أو استراتيجيات الاحتواء على انتشار الفيروس. 

ويدرس غروبو وزملاؤه جينومات الفيروسات التي تم أخذ عينات منها من الناس  في منطقة نيو هافن بولاية كونتيكيت لمعرفة الوقت الذي دخل فيه فيروس كورونا، وإن كان عمال الرعاية الصحية الذين يصابون بالفيروس يصابون في المستشفيات حيث يعملون أم خارجها.

المصدر : بوبيولار ساينس

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة