عرب أوربا.. لماذا لا ينخرطون بالحياة العامة في بلدان المهجر؟

مسلمون من العرب يقومون بالتصويت فى الانتخابات العامة البريطانية- غيتي- أرشيف
مسلمون من العرب يقومون بالتصويت فى الانتخابات العامة البريطانية- غيتي- أرشيف

الأجيال العربية والإسلامية التي هاجرت لأوربا على مدى عشرات السنين لم تقدم الكثير لتلك المجتمعات، على الأقل في عيون الأوربيين، سواء في المشاركات السياسية أو المجتمعية.

والتناقض الذي تعيشه تلك الأقليات في أوربا وحول العالم، هو الحنين للوطن الأم والولاء له والتعلق به من جهة، والتفاعل الإيجابي مع مجتمع المهجر من جهة أخري، فهل من سبيل لتجاوز هذا الوضع، وآثاره الكارثية عليهم، وما الفوائد التي يمكن أن تحققها تلك الجاليات جراء انخراطها في العمل السياسي واندماجها في مجتمعات بلدان المهجر؟

المنطق البسيط يؤكد أن المشاركة تحمي بقاء هذه الجاليات في إطار المنظومة المجتمعية الأوربية التي تضمن لها كافة الحقوق، فوجود صوت يمثلها داخل أروقة صناعة القرار السياسي يحفظ لهذه الأقلية أو المجموعة دورها في تسيير الحياة، والحفاظ على مكتسبات أبنائها الذين يولدون في هذه البلد. 

عمر مفيد، شاب فلسطيني وناشط في حزب العمال البريطاني المعارض، يؤكد لـ “الجزيرة مباشر” أن الجالية العربية تعيش في بريطانيا منذ أكثر من مئة عام، وأن هناك أجيالًا عديدة من المهاجرين العرب من كافة البلدان العربية تعيش في بريطانيا، لكن دورها السياسي ضعيف للغاية. 

غير أن الانتخابات العامة البريطانية التي أقيمت الشهر الماضي، وفقًا لمفيد، كانت بالغة الأهمية، “ورأينا اهتمامًا من الأحزاب البريطانية بالناخبين العرب، وقام العديد من المرشحين بإطلاق حملات انتخابية باللغة العربية في العديد من المناطق، وشارك العديد من العرب في الحملات الانتخابية في مدن مختلفة”.

 الإحصائيات تشير إلى أن أعداد العرب في بريطانيا تتجاوز ٥٠٠ ألف شخص، لكن من الصعب تقدير نسب مشاركتهم في الانتخابات بسبب توزعهم في مناطق كثيرة في البلاد، كما أن البريطانيين من أصول غير بريطانية مثل الجالية العربية تكون نسبة مشاركتهم في الانتخابات، عادة، أقل من نصف نسبة مشاركة البريطانيين من أصول بريطانية، حسبما قال.  

وأوضح مفيد أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة ملحوظة في اهتمام العرب بالحياة السياسية البريطانية بمستوياتها المتعددة، فمنهم من انتخب ليكون عضوًا بالمجالس المحلية (البلديات)، كذلك كان هناك ثلاثة مرشحين عربًا في الانتخابات العامة الماضية عن الأحزاب المختلفة، لكن رغم ذلك، فإن نسبة تمثيل العرب في الحياة السياسية أقل من نسبة تمثيلهم الحقيقية. 

وحول صعوبة الاندماج، قال إن هناك صعوبات في اندماج العرب في الحياة السياسية البريطانية، من بينها “الصورة النمطية” التي صنعها الاعلام الغربي عنهم، كذلك الحروب والمشاكل العربية- العربية، وما تخلفه من تفرق واختلاف بين أبناء المجتمع العربي في بريطانيا.

وإذا كان هذا هو الواقع الموجود في الجالية العربية في بريطانيا، فما هي الفوائد التي يمكن أن يجنيها العرب من المشاركة في الانتخابات، وهل يؤدي انخراط أبناء تلك الجالية في الحياة العامة في البلاد لتحقيق بعض الفوائد مثل المشاركة في صنع القرار وتغيير الصورة النمطية عن العرب. 

مسيرات من البريطانيين تدعو لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي- غيتي- أرشيفية

محمد أمين رئيس منتدى التفكير العربي في لندن، أكد لـ “الجزيرة مباشر” إن هناك تقصيرًا من الجالية العربية في حث أبنائها على المشاركة السياسية،”لكن الإشكال الأكبر يكمن في الجيل الأول الذي مازال يعيش بعقلية” المهاجر الطارئ على البلاد “رغم مرور أكثر من أربعين عاما على إقامة بعضهم في المملكة المتحدة”.

وأرجع أمين إحجام العرب عن المشاركة في الانتخابات العامة إلى تجاربهم التي وصفها بـ” المشوهة” في البلدان التي جاءوا منها، وتزوير الانتخابات في كثير من تلك البلدان، فضلًا عن أن كثيرا من العرب البريطانيين وصلوا لبريطانيا كلاجئين سياسيين فروا من قمع الأنظمة هناك، أو فروا من ويلات الحروب”.

ووفقًا لأمين، يرى الكثير من أبناء الجالية العربية ممن وصلوا لبريطانيا كلاجئين أن البعد عن السياسية،”يحقق لهم الراحة والهدوء، فيما الحقيقة أن الانكفاء يجعلهم مغيبين ومهمشين في المجتمع”.

وعبر أمين عن اعتقاده بأن تلك المفاهيم المغلوطة لدى الآباء أثرت على اندماج أبنائهم من الجيل الثاني والثالث، إذ إن كثيرًا منهم لم يحسم ذلك التردد الذي ورثه من آبائه، بل إنه لم يحسم هويته أصلا: هل هو عربي أو بريطاني، أو مسلم وما هي القضايا التي يتعين أن تحظي بالأهمية لدي صاحب هذه الهوية المختلطة؟!”، حسبما قال.

من جهة أخرى، يرى البعض أن حال الجيل الثاني والثالث من الجالية العربية في بريطانيا أفضل بكثير من الجيل الأول، إذ إنهم يتحدثون الإنجليزية بطلاقة، ودرسوا وتربوا في المدارس والجامعات البريطانية، ويدركون بدرجة أكبر من آبائهم أهمية المشاركة السياسية بمعنى التصويت من أجل تقرير ما يريدونه في حياتهم خصوصًا فيما يتعلق بالقضايا المعيشية.

وحول أثر التقصير على حقوق المواطن، قال أمين إن هذا التقصير، يؤثر بلا شك على حقوق المواطن العربي، لأن بريطانيا ديمقراطية ليبرالية، تقوم على فكرة إعطاء الأهمية والأولوية للكتل الناخبة، بمعنى أن الأقليات أو المجموعات التي لديها وزن انتخابي تلقى اهتمامًا من الأحزاب السياسية، وتسعى تلك الأحزاب لإرضائها أما الأقليات التي لا وزن انتخابي لها تبقى مهمشة سياسيًا.

وشدد أمين على أن هناك امتيازات عديدة ستحصل عليها الجالية جراء مشاركتها، أولها أن يكون لها صوت، وأن تدرج قضاياها على برامج الأحزاب، كما يتم حماية حقوقها كأقليات وضمان حرية ممارستها لمعتقداتها دون تمييز أو اضطهاد.

الأكثر من ذلك، وفقًا لأمين، هو أن تلك الجاليات العربية في أوربا سوف تؤثر في السياسات الخارجية للدول التي تحمل جنسياتها لصالح دعم قضايا بلدانها الأصلية، وإذا تعاملوا بعقلية المواطن الأوربي أو البريطاني فإنهم يمكن أن يصوتوا للأحزاب التي توفر لهم معيشة أفضل، حالهم حال باقي المواطنين الأوربيين والبريطانيين.

تقرير: إسلام علي – لندن
المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة