بعد إسقاط البرلمان للحكومة التونسية.. الغنوشي يخوض حروبا على أكثر من جبهة

رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي
رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي

بعد فشل حركة النهضة في تمرير حكومة الحبيب الجملي التي حظيت بثقة 72 نائبا فقط من مجموع 217، بدا أن الحركة خسرت الكثير من نقاط قوتها في المشهد السياسي التونسي، فهل خسرت بالفعل؟

وما موقف زعيم الحركة راشد الغنوشي الذي أنقذ حركته من “محرقة” تعرضت لها غالبية الحركات والأحزاب ذات التوجهات الإسلامية في المنطقة منذ عام 2013 وما بعدها؟

وكيف سيتعامل الغنوشي مع تشكيل “حكومة ما بعد الجملي”؟
وما موقفه داخل الحركة وهل سيستمر على رأسها أم ان المؤتمر العام القادم قد يشهد محاولات لإزاحته؟

تقرير: رضا البغدادي التمتام- من تونس

بداية، يعد إخفاق البرلمان التونسي في منح الثقة لحكومة معروضة عليه هو الأول من نوعه في التاريخ السياسي لتونس، وهو ما يعد أيضا مكسبا للديمقراطية في تونس.
هذه الهزيمة السياسية للنهضة وإن بدت قاسية على غالبية قياداتها وأنصارها، فإن مصادر داخل حركة النهضة، فضلت عدم الكشف عن هويتها، أكدت أنها لم تكن كذلك بالنسبة لزعيمها راشد الغنوشي،” الذي بدت على ملامحه الراحة بعد انهيار حكومة الجملي.”
ربما لا يعرف كثيرون أن حكومة الجملي التي هندست النهضة أبرز مفاصلها ومكوناتها لم يكن للغنوشي دور كبير (على غير العادة) في هذا التشكيل أو في عملية الاختيار، فالجملي الذي نجح في حصد ثقة أغلبية مجلس شورى النهضة، لم يتمكن خلال الأسابيع الأخيرة من نيل ثقة الغنوشي، إضافة إلى قطاع واسع من قيادات حركة النهضة.
وتؤكد المصادر أن الحبيب الجملي انحاز بشكل واضح إلى (جناح معارض داخل الحركة رافض لسياسات الغنوشي)، كما ” رفض الجملي خلال فترة ما من فترات المفاوضات الطويلة حول تشكيل حكومته، مجرّد التواصل مع الغنوشي زعيم الحزب الأول في البلاد ورئيس البرلمان”.
وفي أول تعليق له على فشل الجملي في الحصول علي ثقة البرلمان، قال الغنوشي، عقب انتهاء الجلسة العامة للبرلمان ” إن النهضة خولت للحبيب الجملي مهمة تشكيل الحكومة إلا أنه لم يبق وفيا للتكليف، وخالف سياستها، وأعلن عن حكومة كفاءات ليس فيها أحزاب”.
وهنا بدت بوضوح ملامح أزمة تشكيل الحكومة بين الغنوشي والجملي، وبدا جليا أن مسؤولية هذا الفشل تقع على عاتق الأخير، لاسيّما وأن غالبية التونسيين كانوا على يقين يومها بأن الجملي وفريقه الحكومي في حاجة إلى “معجزة لنيل ثقة البرلمان”.
كما كانت تقديرات المراقبين داخل تونس وخارجها تؤكد أن أغلب الأحزاب السياسية والكتل البرلمانية، وإن اختلفت حججها ومبرراتها، فإنها كانت متناسقة في مواقفها الرافضة لهذه الحكومة ” النهضوية “. 
لم يكن خفيا أيضا، وفقا للمصادر، أن الغنوشي لم يبد ارتياحا كبيرا لتكليف الحبيب الجملي بتشكيل الحكومة، لكنه مع ذلك أظهر مرونة كبيرة في دعمه والتعامل معه، لاسيّما وأن الجملي جاء بعد حصد ثقة غالبية أعضاء مجلس شورى الحركة، وهي المؤسسة الأعلى في حركة النهضة.
كما تجنب الغنوشي في نوفمبر الماضي التجاوب مع عدد من قيادات حركة النهضة الذين طالبوا بسحب تكليف الجملي بتشكيل الحكومة، “فالعلاقة بين الغنوشي والجملي بدت في أبهى صورها لحظة توليه دفة المشاورات حول تشكيل حكومته”.
وتؤكد المصادر أن هذه العلاقة ” انقلبت رأسا على عقب عندما اختار الجملي الانغلاق على نفسه، وتشكيل حكومة كفاءات سياسية، لم يكتف فيها بإقصاء الكفاءات الحزبية فقط بل وأقصى الغنوشي نفسه من المشاورات حولها تشكيلها.”
وأوضحت المصادر أن هذا الانحياز جاء لحساب مجموعة بعينها داخل حركة النهضة تعرف بـ “معارضة الداخل ” وهو الشق الذي يقوده عدد من قيادات حركة النهضة الرافضين لسياسات الغنوشي، والساعين إلى تزعم الحركة خلال مؤتمرها العام القادم.
واعتبرت المصادر المطلعة على كواليس مفاوضات تشكيل الحكومة، أن الجملي ارتكب “أخطاء فادحة” عندما أعرض في المرة الأولى عن اجتماع تنسيقي كان قد رتبه له الغنوشي مع أهم الأحزاب والكتل البرلمانية مثل أحزاب (قلب تونس / كتلة الإصلاح / المستقبل، وغيرها) التي كانت تعتزم منح الثقة لحكومته قبل أن يغلق في مرة ثانية سماعة الهاتف في وجه الغنوشي، رافضا التواصل معه في أكثر من مناسبة.”
هذه الأخطاء، وفقا للمصادر، أثارت استياء الغنوشي وجعلته يستحضر ذلك السيناريو الذي عاشه صديقه الرئيس الراحل” الباجي قائد السبسي” قبل عامين، ونهايته الأليمة محاصرا وحيدا في قصره الرئاسي، بعد أن انقلب عليه ابنه المدلل يوسف الشاهد والذي فرضه بنفسه على الجميع في صيف 2016، كرئيس للحكومة رغم أنوف جميع القوى السياسية بما فيهم حركة النهضة وزعيمها التاريخي المحنك.”
كل هذه التطورات جعلت الغنوشي في الأسبوع الأخير قبل جلسة التصويت على الحكومة، يدخل في حربين في آن واحد، إحداهما مع الزمن، والأخرى مع خصومه داخل حركة النهضة، للبحث عن “ترتيبات تعيد قلب موازين القوى داخل حركة النهضة وخارجها في الوقت ذاته.”

 

 انطلق الغنوشي، وفقا للمصادر، في سلسلة من اللقاءات المكوكية مع رئيس الجمهورية قيس سعيد، بعضها كان علنيا حيث زاره في القصر الرئاسي، وأخرى كانت في شكل زيارات عائلية جمعت الرجلين في منزل الرئيس بـ” المنيهلة ” في الضواحي الغربية للعاصمة.
هذه الزيارات، كما تقول المصادر، نجحت في كسر الجمود بين رأسيْ السلطة في تونس، وبلورت جملة من “الاتفاقات الأولية” بينهما حول بدائل بدت أكيدة لحكومة الجملي المنتهية آنذاك، وأخرى متعلقة بالتنسيق حول مواقف السياسة الخارجية لتونس.”
في نفس الوقت، واصل الغنوشي جولاته واتصالاته مع أهم الفاعلين السياسيين المعنيين بتشكيل الحكومة للتشاور وتقدير المواقف حول خطة التحرك لفترة ما بعد ” حكومة الجملي ” بحثا عن إيجاد مساحات أخرى للمناورة له ولحزبه، وحفظا لماء وجه النهضة بعد أن تمسك قادتها بمنح أصواتهم لحكومة كانت منتهية قبل وصولها لقبة البرلمان.
وأكدت المصادر أن الغنوشي الذي أنقذ حزبه سنة 2013 من محرقة شملت غالبية الحركات الإسلامية في المنطقة بكاملها، وأنهى جميع خصومه السياسيين واحدا تلو الآخر منذ تلك الفترة (نداء تونس – الجبهة الشعبية – جبهة الإنقاذ)، يجد نفسه اليوم مضطرا لأن يناور على جبهتين مختلفتين: داخل الحركة وخارجها.
وأضافت المصادر أن تحركات الغنوشي على هاتين الجبهتين تستهدف الحفاظ على أغلبية مريحة لحزبه في الحكومة القادمة التي لن يختار رئيسها، وحفاظا أيضا على موقعه على رأس حركة النهضة التي يسعى كثير من ” الأخوة ” داخلها لـ ” إزاحة الأب” وتأكيد صدارتهم لها.

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة