الحرس الثوري الإيراني وحرب العراق.. ميلادٌ جديد (الحلقة الثالثة)

تشكل الحرس الثوري بعد الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 لحماية النظام الديني الحاكم ومبادئ الثورة
تشكل الحرس الثوري بعد الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 لحماية النظام الديني الحاكم ومبادئ الثورة

استعرضنا في الحلقتين السابقتين لمحة عامة عن الحرس الثوري الإيراني، وعن تكونه ومساهمته في الثورة وترجيح كفة الخميني وحزبه للتفرد بالحكم.

في هذه الحلقة سنسلط الضوء على الميلاد الجديد للحرس الثوري وكيف أصبح قوة خارجية فعالة قادرة لمواجهة جيوش نظامية في معارك مفتوحة.
باستعراض الحرب العراقية الإيرانية ودور الحرس الثوري الإيراني فيها، سيتجلى لنا بوضوح شخصية الحرس الثوري المقاتلة خارج حدود إيران وطبيعة جنودة والتعبئة التي يتعرضون لها.

جيش غير مستعد
  • لم تلتقط إيران أنفاسها بعد الثورة التي هزّت أركانها في 1979، وغيّرت النظام الملكي الشاهنشاهي إلى جمهورية إسلامية تحكمها طائفة دينية بمرجعية الولي الفقيه (الخميني) حتى فتحت عليها أبواب الحرب من جارتها العراق في سبتمبر 1980.
  • كان الجيش الإيراني جيشًا منهكًا بعد تورطه في مواجهة ثورة شعبية وإعادة تشكيله وهيكلته مع الحكومة الجديدة.
  • اقترح محمد علي رجائي أن يشكل الحرس الثوري رديفًا للجيش الرسمي في حال هزيمته، ولكن الحرس لم ينتظر هذه الهزيمة وبادرت عناصره للمشاركة في الحرب.
  • في البداية كان أكثر المتعاطفين مع الحرس الثوري كالخميني ورفسنجاني ومنتظري يرون عدم جاهزية الحرس لخوض هذه الحرب، لانعدام الخبرة والتدريب اللازمين.
  • تم نشر مقاتلي الحرس الثوري على الجبهة الجنوبية لمواجهة التقدم العراقي.
  • كانت غالبية المتطوعين من الباسيج الذين لم يتلقوا التدريبات اللازمة للمشاركة في الحرب، فكان يتم توجيههم لمخيمات تدريبية لثلاثة أيام قبل إرسالهم إلى الجبهة.
معركة خرمشهر
  • تشكل معركة خرمشهر أو المحمرة 1980، نموذجًا مثاليًا لمعرفة شخصية الحرس الثوري الأيدولوجية وعقيدته القتالية.
  • حاصرت القوات العراقية المدينة بينما تولت القوات النظامية الإيرانية والحرس الثوري الدفاع عنها.
  • كان محمد جهان آرا قائد الحرس الثوري في هذه المعركة، واتخذ من المسجد الجامع بوسط المدينة مركزًا لإدارتها.
  • كانت المواجهات شديدة للغاية فقد نجح الجيش العراقي في عزل مدينة المحمرة ومن داخلها من الحرس الثوري عن محيطها من المدن فانقطعت الإمدادات بشكل نهائي.
  • كانت المدينة تتجه للسقوط، وكان من المنطقي استسلام الجنود الإيرانيين، فمعايير القوة كانت في صالح الجيش العراقي، ولكن التعبئة النفسية لجنود الحرس الثوري التي تجعل من الجيش العراقي “جيشًا بعثيًا كافرًا يسعى لاحتلال البلاد والقضاء على الثورة الإسلامية” جعلت خيار الاستلام مستبعدا.
  • تشير التقارير إلى أن مقاتلي الحرس الثوري شنوا حملات هجومية على الجيش العراقي متسلّحين بالعصي والسكاكين، وما تبقى لهم من أسلحة خفيفة.
  • كتب علي شمخاني يصف صمود الحرس الثوري وإهمال الحكومة الإيرانية في تزويدهم بالأسلحة والذخيرة “من 150 مقاتلا لم يبق لنا سوى 30 مقاتلا، ولو أننا نملك 30 قاذفة هاون، لاستطعنا حماية المدينة (خرمشهر) لمدة ثلاثين شهرًا، ولكننا اليوم لا نملك حتى 30 بندقية”.
  • سقطت المدينة في يد القوات العراقية، وانتقل ما تبقى من الحرس الثوري إلى جبهات أخرى في القتال في خوزستان.
العقيدة القتالية للحرس الثوري

ما يميز كل قوة عسكرية الروح التي تسكن مقاتليها، وتظهر لنا حرب العراق ملامح العقيدة القتالية للحرس الثوري التي ساهمت في تفوّق الحرس الثوري تفوقًا بارزًا على الجيش النظامي الإيراني الأكثر تسليحًا وجاهزيّة ماديّة، وذلك بسبب التعبئة الروحية التي خضع لها مقاتلو الحرس.

وتتكون العقيدة القتالية لدى جندي الحرس من التالي:

  • الجهاد في سبيل الله.
  • الدفاع عن الثورة الإسلامية وعن قائدها الأعلى روح الله الخميني.
  • مواجهة نظام بعثي كافر ومعتدٍ.
  • إنكار الذات والسعي في سبيل الشهادة.
  • أفرزت هذه العقيدة طرقًا مبتكرة في القتال في الجبهات التي اشتبك فيها الحرس الثوري مع القوات العراقية.
     

    الحرس الثوري الإيراني يعرف بحماسه الديني وله نفوذ في بمناطق خارج إيران (رويترز)

كان الاعتماد الأولي في المواجهات التي يخوضها الحرس الثوري لعدم تكافؤ القوى على:
1- نمط حرب العصابات، لتشتيت قوى الخصم وإرباكه.
2- عمليات الهجوم الجماعي، وتقتضي هذه الطريقة الهجوم بأعداد كبيرة وبطريقة مباشرة على صفوف العدو وإرباكه وإحداث خسائر لديه، بغض النظر عن سلامة المجموعات المهاجمة.
3- العمليات الانتحارية.

  • يقول أحد قيادي الحرس “فتحت هجمات العصابات التكتيكية المتفرقة وعمليات المضايقة مرحلة جديدة من الحرب لم تجبر العراق على وقف تقدمه فحسب، بل مكنتنا من الحصول على تجربة ثمينة على حساب أرواح شهدائنا”.
  • شهدت حرب العراق تجنيد الأطفال لانتشار الدعاية من رجال الدين بضرورة المشاركة في الحرب المقدسة، فكان من ضمن المنضمين إلى قوات الباسيج أطفال لا تتجاوز أعمارهم أربعة عشر ربيعًا.
  • كان متطوعو الباسيج كما ورد في بعض المصادر يشكلون نحو 75% من المجندين في الحرس الثوري في العشرين شهرًا الأولى للحرب.
التمويل
  • ذكرنا من قبل إهمال الحكومة للحرس الثوري وعدم تجهيزه بالأسلحة وقلة الموارد المخصصة له، أضف إلى ذلك أن الجبهة مع العراق كانت ساحة لتصفية الخلافات السياسية بين رئيس الحكومة بني صدر، ورجال الدين للحرس الثوري.
  • كانت الأوامر تأتي من الحكومة بوضع الحرس الثوري في الصفوف الأولى في المواجهات، ليبقى الجيش النظامي في المؤخرة محافظا على طاقته ومقدّراته، وفي منطقة أكثر أمنًا.
  • لكن بحصول رئيس الحرس الثوري الإيراني، محسن رضائي، على مقعد كامل العضوية في مركز إيداع الأوراق المالية، تغيرت أحوال الحرس وصار بمقدورهم الحصول على التجيهزات اللازمة والأسلحة الثقيلة، والتي كانت في السابق حكرًا على الجيش النظامي.
  • هذا التطور في التجهيز والقوة منح الحرس دورًا مباشرًا في التخطيط للحرب واتخاذ القرارات، بعد أن كان تابعًا.
أحلام تبعثها الأيديولوجيا
  • في السنوات التي تلت سقوط المحمرة، مالت الكفة لصالح الإيرانيين، ومع أن الوقت كان مناسبًا لعقد اتفاقِ سلام في موضع قوة، وإنهاء الحرب وهذا ما كانت نخبة من القيادات من بينها الخميني تميل إليه ، أصر الحرس الثوري ممثلًا بقادته على مواصلة الحرب، ونقلها إلى العراق.
  • القادة رفعوا شعار “تحرير كربلاء من أيدي البعثيين الملحدين” بعدها أعلن الجنرال شيرازي أن الحرب لن تنتهي إلى أن يتم الإطاحة بصدام، وأن القوات الإيرانية يمكنها الصلاة في ضريح الإمام الحسين في كربلاء.
  • رفع أيضا شعار “الطريق إلى القدس يمر عبر كربلاء”، وقد لاقت هذه الشعارات قبولًا وشيوعا لدى الشعب، ورفعت من آمالهم المعلقة على الحرس الثوري.
  • كان الحرس الثوري يحلم من وراء هذه الشعارات إلى استعادة السيطرة الإسلامية في نهاية المطاف على القدس، حيث اعتبر قادة إيران صدام حسين حاجزًا للثورة الإسلامية وضعته الولايات المتحدة وإسرائيل، وكان بقاؤه يعني أن القوى المحررة روحيا وسياسيا التي أطلقتها الثورة لم تتمكن من اختراق الأراضي الإسلامية الأخرى بالكامل أو الوصول إلى أقصى إمكاناتها.
  • لم يكن الهدف هو إسقاط جار محارب فحسب، بل الرضوخ الكامل للثورة الإسلامية، التي اعتقدوا أنها ستعيد الكرامة إلى العالم الإسلامي وتطرد النفوذ الغربي من الشرق الأوسط.

ومن هنا بدأ العمل على تصدير الثورة، الذي سنتناوله في حلقتنا القادمة.

للاطلاع على الحلقة الأولى:
قصة الحرس الثوري الإيراني: لمحة عامة

للاطلاع على الحلقة الثانية:
قصة الحرس الثوري: نشأته ومساهمته في تصدر الخميني للثورة الإيرانية

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة