عام في القصر: أسرار تنشر لأول مرة عن الرئيس مرسي [الحلقة الثالثة]

لا يُغني حذر من قدر، فقد قُضي الأمر، وفار التنور، وقررت جماعة الإخوان المسلمين خوض الانتخابات الرئاسية، رغم التحذيرات.

تقرير: سليم عزوز

فلم يكن الشيخ يوسف القرضاوي، هو أول من طلب من الجماعة عدم المنافسة على موقع الرئاسة، فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان له نفس الرأي، وكذلك الشيخ عباس مدني.

وكان رأي أردوغان من رأي القرضاوي، بأنه على الجماعة أن تؤيد الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، وجهة نظره أنه إذا نجح فنجاحه سيحسب لصالح الاسلاميين جميعاً، وفي حال فشله، سينسب له وحده الفشل!.

وفي المقابل كان الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة في تونس، وعلى غير الشائع عنه، لا يرى غضاضة في أن ينتهز الإسلاميون بشكل عام فرصة الربيع العربي، وينافسوا على الرئاسة، وهو ما لم يتورط فيه في بلاده، بعد أن رأى التجربة المصرية وتداعياتها.

الشيخ يوسف القرضاوي (يمين) والرئيس التركي رجب طيب أردوغان والشيخ عباس مدني

لم يكن الدكتور محمد مرسي مرحباً أو سعيداً بقرار اختياره، وكان يرى ضرورة الاكتفاء بالمرشح الأصلي المهندس خيرت الشاطر، لكن الجماعة كانت قد عقدت العزم، على خوض الانتخابات، وبالتالي، فلم تكن تريد للأمر أن يكون عرضة للظروف، فإذا تم استبعاده لأسباب قانونية، تتجه بكتلتها التصويتية إلى مرشح من خارجها، ولم يكن أمام الدكتور محمد مرسي إلا أن يوافق على ما يريده إخوانه، باعتبار الأمر تكليفاً، فهو ليس طالباً للولاية، ومن جاءته بدون طلب أعانه الله عليها، هكذا يدرس الإسلاميون في أدبياتهم.

وقد ظُلم الرجل، لأنه دُفع للترشح بدون رغبة منه، كما ظُلم مرة ثانية لأنه قام بدور المرشح الاحتياطي لخيرت الشاطر، وهو ما استخدمته الدعاية المضادة في الإساءة إليه، والحط من قدره، باستخدام توصيف مبتذل، هو أنه “المرشح الاستبن”، وإن كان الإخوان يرون أنه فقط كان المرشح الثاني، تماماً كما أن الدكتور سعد الكتاتني كانت ترتيبه الثالث من حيث عدد أصوات أعضاء مجلس شورى الجماعة، وهو الدفع الذي ذكره لي الدكتور أمير بسام وأنا أحاوره، ومع هذا، فإن دعاية الإخوان لم تهتم كثيراً، بالدفاع عن الرجل، إزاء الهجوم المكثف ضده بأنه “المرشح الاستبن”.

بين موسى وأبو الفتوح:

لقد تقدم المهندس خيرت الشاطر للترشيح بتزكية من نواب في البرلمان، وترشح الدكتور محمد مرسي عن حزب “الحرية والعدالة”، وحدث ما كان متوقعاً فتم استبعاد الشاطر، ليصبح محمد مرسي هو مرشح الجماعة، وتنتقل حملته للدعاية، لتكون هي حملة محمد مرسي، في انتخابات شديدة الوطيس، وقفت الجماعة خلفه بكل ثقلها، وكانت التوقعات أن الإعادة ستكون بين عمرو موسى، وعبد المنعم أبو الفتوح، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد عُقدت مناظرة تلفزيونية بينهما، وهو أمر جديد على الناخب المصري، صحيح أن الغرب يعرف المناظرات بين المرشحين، وأن المناظرات تنتهي بفوز مرشح على مرشح، لكن في مصر خسر الاثنان معاً لصالح آخرين، مما دفع جميع المرشحين، إلى عدم التورط في القبول بالمشاركة في مناظرات، وإن ظل أنصار حمدين صباحي يطلبون مناظرة بين مرشحهم، والدكتور محمد مرسي، فقد كانت حملته تقوم على أن منافسه الوحيد هو الدكتور مرسي، ولم يطلب مناظرة مرشحي النظام السابق، فلم يعتبر نفسه منافساً سوى لمرسي.

وكان حمدين في دعايته من حيث المنشورات، واللافتات، منافساً فعلاً لدعاية جماعة بحجم الإخوان المسلمين، وتندر الناس وهم يشاهدون كثافة الدعاية، بإعلانه أن رصيده في البنك هو سبعة آلاف جنيه فقط!

في اليوم التالي لإغلاق باب الترشيح، سألني الدكتور محمد الجوادي، من سيخوض جولة الإعادة في هذه الانتخابات؟

وكان جوابي أن الإعادة ستكون بين أبو الفتوح وعمرو موسى، لكنه قال في حسم: إن الدكتور محمد مرسي هو من سيصل إلى الإعادة.

كانت مشكلة عمرو موسى، أنه يتعامل مع حملته الانتخابية على أنهم مرؤوسون له أو طاقم مكتبه، سواء عندما كان وزيراً للخارجية، أو أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، فيصدر الأوامر ويعطي التوجيهات، وإذ التقيته في مقر حملته مرتين، فقد وقفت على هذا بنفسي، ثم إنه بدا حملته الانتخابية مبكراً، وزار المحافظات جميعها، وكثير من المدن والقرى، واصطدم كثيرا بالشباب المتحمس للثورة، على نحو نال منه وأضر بموقفه، وإذا كان قد نجح في الرد على من يهاجمونه بأنه من الفلول، وأن نظام مبارك سقط بمن فيه، وأنه عندما سقط لم يكن هو في هذا النظام، إلا أنه كان لديه تصور خاطئ، بأن قادة الحزب الوطني في المحافظات لديهم شعبية في مجتمعاتهم، ولم يكن يدرك من ناحية أن مزاج الناس قد تغير، ثم إنه من ناحية أخرى فإن جمال مبارك كان قد صنع حزباً جديداً، غير الحزب الوطني المعروف، وعلى “مقاسه” المتواضع، و”مقاس” ذراعه الأيمن أحمد عز وهو الأكثر تواضعاً، ثم إن مصر شهدت انتخابات برلمانية في سنة 2000، وأخرى في 2005،  تحت الإشراف المنقوص للقضاء، وكانت الأولى بالحزب الوطني القديم، والثانية بالحزب الجديد، وفي المرتين لم يحصل الحزب على الأغلبية المريحة إلا بضم المستقلين الذين خرجوا على الالتزام الحزبي، فانتخبهم الناس لأنهم ليسوا مرشحي الحزب الحاكم.

الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح (يمين) والأمين العام لجامعة الدول العربية الأسبق عمرو موسى

وفي الانتخابات الأخيرة، فاز للإخوان 88 نائباً، وقال رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف إنه لولا التزوير لنجح لهم 44 مرشح آخرين، وفي الانتخابات الأولى فاز الدكتور محمد مرسي، وتولى رئاسة الكتلة البرلمانية للإخوان، فلما رأى أهل الحكم بأسه، وأداءه الجاد، أحالوا بينه وبين برلمان 2005.

بيد أن عمرو موسى لم يكن يدرك نهاية الحزب الوطني، تماماً كما لم تدركها أحزاب أخرى، فحزب الوفد العريق، كانت مشكلته مع الإخوان، والتي كانت من أسباب خروجه من التحالف، هو أنه يريد أن يضم عددا من النواب السابقين للحزب الوطني، وعندما زار نجيب ساويرس الصعيد كان في خطته دعوة وجهاء الحزب الوطني للانضمام لحزبه (المصريين الأحرار)، وكان كثيرون يتخوفون على الثورة من فلول الحزب الوطني بالصعيد، ومن ثم يطالبون بقانون لعزلهم سياسياً، فكتبت مقالاً قلت فيه إن الحزب الوطني انتهى، وإن الصعيد سيعزلهم، فلم ينجح منهم سوى نائب سابق بالأقصر، أخلى له الإخوان الدائرة، بتوصية من القيادي الإخواني عبد الموجود الدرديري (وهذا النائب الآن عضو في البرلماني الحالي)!

الإعادة بين مرسي وشفيق:

وتراجعت أسهم عمرو موسى، كما تراجعت أسهم عبد المنعم أبو الفتوح، لتكون نتيجة الجولة الأولى، هي الإعادة بين الدكتور محمد مرسي، والفريق أحمد شفيق، ونزل حمدين صباحي، وعبد المنعم أبو الفتوح، وخالد علي، ليحتفلوا بسقوطهم في ميدان التحرير، وحجتهم أن مجموع الأصوات التي حصل عليها ثلاثتهم، تؤهلهم للحديث كما لو كانوا هم من فازوا فيها على النحو الذي ذكره خالد علي، المرشح الأتعس حظاً، حيث حصل على 134 ألف صوت، لا تكفي لنجاحه عضواً في المجالس المحلية!

وتبنت حملة حمدين صباحي مطلباً غريباً، هو أن على الدكتور محمد مرسي أن يتنازل له، لينافس هو الفريق أحمد شفيق، وباعتباره الممثل الشرعي والوحيد للثورة من بين المرشحين، ولا نعرف من أين جاءهم هذا التصور، وقد تزامل حمدين مع الدكتور مرسي في برلمان سنة 2000، فلا وجه للمقارنة بينه وبين الدكتور مرسي من حيث الأداء، ومن حيث المعارضة الجذرية الواعية، فالنشاط الوحيد الذي شارك فيه حمدين كان خارج البرلمان عندما تظاهر ضد احتلال العراق، وتم القبض عليه مع النائب فريد حسنين، وخرج في صفقة، بمقتضاها يتكتم على قيام الشرطة بإشعال النار في سيارة للشرطة بميدان عبد المنعم رياض، أسفل كوبري السادس من اكتوبر واتهام المتظاهرين بأنهم من قاموا بهذا، كمحاولة من الداخلية لإشاعة الخوف، وتبرير الاعتداء الغاشم على المتظاهرين، وكان حمدين قد هدد بأنه يملك فيديو للحادث، فأُفرج عنه، ولم يظهر الفيديو إلى الآن!

وإذا كان حمدين يرى أنه لمشاركته في الثورة، فإنه الوحيد المحتكر تمثيلها، فإنه لم يكن المرشح الوحيد الذي شارك فيها، كما أن اعتقال الدكتور محمد مرسي مع 6 من أعضاء مكتب الإرشاد، ومعهم 500 عضو بالجماعة، ليلة جمعة الغضب، لأنهم قادوا داخل الجماعة الاتجاه بمشاركتها في الثورة!

لم يكن التنازل سليما من الناحية القانونية، وتنازل الدكتور محمد مرسي كان سيدفع الناس للانصراف عنه، وأي أصوات يحصل عليها حمدين ستكون باطلة، ليكون الطريق معبداً للفريق أحمد شفيق إلى القصر الرئاسي، فهل كان هذا هو المطلوب؟! أم كان الطلب يستهدف تبريراً من حمدين وأنصاره بعدم الانحياز للدكتور محمد مرسي في هذه المعركة، باعتباره خذل الثورة، لأنه لم يتنازل عن الترشيح لصالح ممثلها الشرعي والوحيد؟!

المرشح الرئاسي الأسبق حمدين صباحي
إلى أحمد شفيق:

لقد تسرب بعد هذا، أن حمدين صباحي أرسل وسيطاً هو المخرج خالد يوسف للتفاوض مع الفريق أحمد شفيق، مقابل أن يختاره نائباً لرئيس الجمهورية في حال نجاحه، على أن يكون هذا التحالف سراً، لكن الفريق شفيق اشترط الإعلان، فلا مبرر لتحالف سري. ولم يكن بإمكان حمدين أن يدعو أنصاره لانتخاب آخر رئيس حكومة في عهد مبارك.

وعندما تسربت الوساطة، قال خالد يوسف إنه في باريس وسيرد على هذا الكلام حال عودته، وكأن وجوده هناك يحول دون الرد، لكنه لم يرد حتى الآن!

كان مطلب حمدين وحملته مسكونا في جانب منه بالتعالي على الرجل، الذي أساء له أنه لم يكن المرشح الأصلي، كما لم تنصفه حملته الدعائية بالتركيز على أدائه البرلماني، الذي لم تحط به الأجيال الجديدة.

كانت الدعاية المضادة تقوم على “استهياف الرجل”، الذي ظلمناه بعدم معرفتنا به، ولم يكن الإعلام في عهد مبارك يفرد مساحة لأداء المعارضة، فضلا عن أنه كان نائباً في مرحلة موات سياسي تعيشها مصر، فلم يلتفت أحد لشجاعته، أو لمواقفه الحادة والجادة، ثم إن المشكلة أنه لم يكن يتواصل مع الإعلام أو رجال السياسة، كما الدكتور عصام العريان، أو محمد البلتاجي، الذي لم نعرفه سوى من أدائه البرلماني بعد فوزه في انتخابات 2005، والتحامه بحركة الشارع، فقد كانت الحياة السياسية في هذه المرحلة حية، ومثيرة، وكانت تجربة الإعلام الخاص، وبرامج التوك شو في أوجها، فضلاً عن أنها البداية الحقيقية للصحافة الخاصة، بحسب القانون، أو المستقلة بحسب التعريف الدارج!

لم ينشغل الدكتور محمد مرسي بمعارك التلاسن السياسي، واستمر وقوراً مترفعاً عن الابتذال في البرامج التلفزيونية التي استضافته، فلم يسيء لأحد بشطر كلمة، لكن اللافت أن أحدا من المرشحين الرئاسيين الذين لم يحالفهم الحظ في الجولة الأولى، لم يعلن انحيازه له ووقفوا جميعهم على الحياد، بمن فيهم الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، لكن الشيخ حازم أبو اسماعيل برجاله، ذهب في اتجاه مرسي، وكذلك انحاز له كثيرون ممن ينتمون للثورة، وذاع شعار عاصري الليمون، الذين وجدوا من الواجب أن ينتخبوه ولو كرهاً حتى لا يفوز مرشح الدولة القديمة الفريق أحمد شفيق، والتي رأت هذه الدولة أنه مرشحها الحقيقي، وليس عمر موسى، ثم إنه كان معه مكونات هذه الدولة وليس فقط أعضاء الحزب الوطني، كما كان معه التيار السلفي، إلا جزءا منه، والطرق الصوفية، والكنيسة، وأسر ضباط الشرطة والجيش.

المخرج السينمائي خالد يوسف (يمين) والمرشح الرئاسي الأسبق أحمد شفيق
نتيجة جولة الإعادة:

وتأخر إعلان نتيجة الإعادة، ولم تكن هناك نية لتغييرها، لكن في المقابل كان الإخوان قد أعلنوا النتيجة من خلال لجان الفرز، والفرز داخل اللجان هو أحد الثمرات القليلة لبرلمان ما بعد الثورة، فقد أقر هذا بمشروع قانون تقدم به النائب حاتم عزام، ثم إن لجنة قضاة من أجل مصر أعلنت النتيجة كما وصلتها، لكن هذا لم يمنع أن تتردد أخبار بقوة عن نجاح الفريق أحمد شفيق، الذي تلقى تهنئة من الفريق سامي عنان، وظل يتردد نجاحه، إلى اللحظة التي أعلنت فيها اللجنة العليا للانتخابات فوز الدكتور محمد مرسي!

قبل إعلان النتيجة بيوم واحد، كانت فرقة من الحرس الجمهوري قد ذهبت لمنزل الفريق شفيق، في إشارة لا تُخطئ العين دلالتها، ومن داخل المؤتمر الصحفي لإعلان النتيجة اتصل بي زملائي المكلفين بتغطية المؤتمر، لإخباري بأنه بعد الإعلان سيغادرون مع زملائهم من كل الصحف ووكالات الأنباء والقنوات التلفزيونية إلى منزل شفيق لأنه سيعقد مؤتمرا صحفيا، هكذا كان المقرر، لأنهم في داخل اللجنة كان يعتبرون نجاح شفيق هو تحصيل حاصل، وقد تلقوا الدعوة من حملته.

وقبل هذا فقد علمت أن أحد أعضاء المجلس العسكري عندما سئل في قريته عن الفائز، وقد تأخرت النتيجة فلف ودار، والناس يحاصرونه، حتى قال إننا في المجلس العسكري لن نعطي التحية العسكرية لمدني، في إشارة لمن الفائز، أو من سيعلن فوزه!

لقد كان الفريق سامي عنان رئيس الأركان متحمساً لفوز الفريق أحمد شفيق، لأن بينهما وداً، لكن الود بين طنطاوي وشفيق كان مفقوداً، تماماً كما كان مفقوداً بين سامي عنان والمشير طنطاوي، لكن اضطرارهم للتعامل معا، وباعتبارهما في مركب واحد، بعد الثورة، قرب المسافات بينهم وإن ظل ما في القلب في القلب.

كان مبارك يحرص على وجود هذه الجفوة بين رجاله، لاسيما بين قادة أجهزة القوة، فإن لم توجد ساهم في وجودها، وكان أحيانا يمشي بينهم بالنميمة، ولم يكن طنطاوي بالرجل القوي في حكمه، ولهذا اختاره وتمسك به، ولم يهتم باستكمال تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، واستكمل طنطاوي ذلك بعد التنحي!

كان الود مفقودا بين طنطاوي وشفيق، وبين طنطاوي وعنان، وبين طنطاوي وعمرو سليمان، وكان كل جهاز أمني مرجعيته عند فرد واحد هو مبارك، فحبيب العادلي وزير الداخلية هو الرجل القوي، الذي يضع هواتفهم جميعا تحت الرقابة.

رئيس الأركان المصري الأسبق سامي عنان (يمين) ووزير الدفاع المصري محمد حسين طنطاوي
الموقف من عمر سليمان:

وعندما غادر مبارك الحكم اتفق مع طنطاوي وعنان على أن يستمر عمر سليمان نائب الرئيس في موقعه، فالمجلس العسكري بيده سلطات رئيس الجمهورية، لكن هذا لا يمنع من وجود النائب!

وفي صباح اليوم التالي وصل عمر سليمان للقصر الجمهوري (الاتحادية) ليجده مغلقاً، واتصل هاتفياً بالمشير، الذي قال له في حدة وحسم: “لقد أغلقناه”، وكان تلميحاً لا يحتاج لتصريح بأن استمراره غير مرغوب فيه، وإلى الآن لا يوجد قرار رسمي باستقالة النائب أو بعزله!

وإذ فكر اللواء عمر سليمان في الترشح، فقد كان يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، يعلن اليوم أنه سيترشح للرئاسة، فيتراجع الفريق أحمد شفيق، وبعد أيام يعلن أنه لم يحسم أمره فيتقدم الفريق أحمد شفيق ويعود لنشاطه الدعائي الذي كان قد أوقفه بإعلان سليمان الترشح، وبدا لي وقتها أنه لا تواصل بينهما ولا اتصال، فيعرف شفيق بترشح عمر سليمان وتراجعه من وسائل الإعلام.

وكان واضحاً أن اللواء عمر سليمان، ينتظر اتصالاً من المشير طنطاوي، على أساسه يعرف رأسه من رجليه ومن معه ومن عليه، ويعرف إن كان مسموحاً له بالترشح أم لا؟ لكن طنطاوي ضن عليه بالاتصال، فلما تقدم بأوراق ترشيحه، وتم إخباره أن توكيلات الناخبين في محافظة أسيوط غير مكتملة من حيث العدد، علم سليمان أنها إشارة من طنطاوي بألا يترشح وانسحب، فهل كانت التوكيلات فعلا غير مكتملة؟، وهل يمكن أن يقع في هذا الخطأ، ولم تكن حملته حملة فرد، ولم يكن هو من آحاد المرشحين فقد كان مديراً محبوباً لجهاز المخابرات العامة، والذي له مكاتب في كل المحافظات؟!

والسؤال المهم: هل كانت هناك نية من قبل المجلس العسكري لتزوير الانتخابات، وإعلان فوز الفريق أحمد شفيق على غير الحقيقة؟!

إن تصريح عضو المجلس العسكري الذي سبقت الإشارة إليه، بأنهم لن يعطوا التحية العسكرية لرئيس مدني.. ثم تهنئة الفريق سامي عنان لأحمد شفيق، إلى غير هذا من كلام في أيام الشك وتأجيل إعلان النتيجة، لا يعني أن نية المشير كانت تزوير الانتخابات، بل لأنه لم يكن يحكي كل شيء لأعضاء المجلس، فتركهم للاجتهاد، فالمتوفر لدي من معلومات يؤكد أنه لم يكن في نيته أبداً تزوير النتيجة أو تبديلها، وهي معلومات من مصدر وثيق الصلة بموضوع هذه المعلومات.

رئيس المخابرات االمصرية الأسبق عمر سليمان
الأمريكان لن يوافقوا:

بعد الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، وقبل إعلان النتيجة، عقد المشير طنطاوي اجتماعاً حضره اثنان من أعضاء المجلس العسكري، (ليس بينهما الفريق سامي عنان) كما حضره وزير الداخلية محمد إبراهيم (ليس محمد إبراهيم الذي شارك في الانقلاب) كما حضره رئيس الوزراء كمال الجنزوري!

وسألهم الرأي إن فاز مرشح الإخوان؟ فماذا عليه أن يفعل؟! وهتف الجنزوري: ستكون كارثة!

وسأل هو وكأنه يطلب المشورة: وماذا في أيدينا أن نفعل؟! ليتلقى رداً من وزير الداخلية الذي ربما اعتقد أنه الخوف من قيام الإخوان بالتظاهر احتجاجاً على النتيجة وقال: إن قيادات الاخوان في المحافظات المختلفة هم (280) فرداً، نعتقلهم في ليلة واحدة، قبل إعلان النتيجة فنشل قدرة الجماعة على الحركة، وينتهي الأمر!

وانطلق كل واحد من الحاضرين يدلوا بدلوه واستمع لهم المشير وعلق في النهاية إن الأمريكان لن يسمحوا بالتزوير. فمصر قد تتعرض لعقوبات قاسية من جراء ذلك!

ثم نظر إلى ساعة يده وهو يقول لقد مر عليكم هنا ثلاث ساعات، من الواضح أنكم لم تتناولوا “غداكم”، ووقف وسبقهم إلى قاعدة مجاورة فيها الطعام، وفي الطريق إليها قال الجنزوري لوزير الداخلية، وسمعه عضوا المجلس العسكري: إنه رجل ضعيف، يطلب رأينا وعندما نقوله يتعلل بالأمريكان!

بحسب المصدر، فقد كان في ذهن طنطاوي تجربة الغضب الأمريكي، على منع المتهمين الأمريكيين في قضية التمويل الأجنبي من السفر، وعندما فشلت المفاوضات الودية، كان الغضب الأمريكي قد بلغ مداه، وكان مسؤولاً أمريكيا يتصل باللواء العصار قائلا: الطائرة الأمريكية الآن في سماء القاهرة، إن لم يكن في نيتكم تسليم المتهمين الآن، فسوف تهبط في مبنى السفارة لتأخذهم من هناك، حيث احتموا في السفارة من قرار قضائي بمنعهم من السفر وضبطهم واحضارهم!

وسمع المتصل الأمريكي صوتا يهتف: خلصوا الموضوع، فكان في اعتقاده أنه المشير، فمن غيره يمكن أن يصدر قراراً للعصار؟!

لكن هل كان يستهدف المشير (وليس المجلس العسكري هنا) من تأجيل إعلان النتيجة التوصل إلى تفاهمات مع الرئيس قبل إعلان النتيجة؟!

هذه فترة ضبابية، لم ترشح منها معلومات، غاية ما في الأمر أننا قرأنا في صحف يوم 25 يونيو 2012، أن البرادعي التقى أعضاء المجلس العسكري، فهل كان وسيطا بين الطرفين؟، لم يتكلم البرادعي عما دار في هذا الاجتماع، وهل كان فعلاً بغرض الوساطة؟ ولم تهتم وسائل الإعلام بموضوع اللقاء.

وزير الداخلية الأسبق اللواء محمد إبراهيم (يمين) ومحمد البرادعي وكمال الجنزوري رئيس الوزراء المصري الأسبق
حرق البلد:

وفي المقابل لم يترك الإخوان الأمور يحدد مسارها المجلس العسكري، لقد أعلنوا من طرفهم النتيجة ليقطعوا الطريق أمام أي محاولة لتزويرها.

كما أنهم عقدوا مع القوى المدنية ما سمي باجتماع فيرمونت، وذلك للإيعاز بأن المعركة لن تكون ضد الإخوان وحدهم، ولكن مع قوى الثورة جميعها.

وجاء الإخوان من كل المحافظات واحتشدوا بميدان التحرير، ولعل هذا ما أعطى ما تردد بتزوير الانتخابات مسحة من الحقيقة، لأنه تردد أن المشير اضطر لتزوير الانتخابات لصالح محمد مرسي خوفاً من أن يحرق الإخوان البلد، فهل هذا صحيح؟!

الحقيقة أن كل بيانات الرصد حول هذه الانتخابات كانت تقول إن الفائز هو الدكتور محمد مرسي، لم يقل أحد بغير هذا، ومن كانوا يتحدثون عن توقع فوز الفريق أحمد شفيق، كانوا هم من ينطلقون من فكرة التزوير، وعلى أساس أن العسكر لن يقبلوا برئيس مدني، واستبقوا النتيجة بالتمهيد لذلك بالحديث عن أن تزويراً وقع لصالح مرشح الإخوان، عند طريق إضافة أصوات له عبر موظف بالمطابع الأميرية، قالوا إنه يخضع للتحقيق، وإلى الآن، لم يتم إعلان اسم هذا الموظف، أو ما جرى له، إن كان هناك موظف فعلاً قام بمد الإخوان بأوراق بيضاء من أوراق التصويت، مستغلاً وظيفته في المطابع الأميرية، وإذا كان قد حدث فعلاً فكيف انتقلت أوراق التصويت الزائدة، إلى الصناديق في وجود الإشراف القضائي (قاض لكل صندوق)؟، وفي وجود مندوبين عن  المرشح المنافس؟!

لقد تقدمت حملة الفريق أحمد شفيق بطعون في بعض الصناديق، ولم يثبت صحة الطعون، بل إن إعادة الرصد كان لصالح الدكتور محمد مرسي في عدد من الصناديق المطعون فيها، وخسر شفيق بعض الأصوات، وفي العموم فإنه إذا تم الفصل في الطعون لصالح الفريق شفيق فلن تمكنه من الفوز رغم أن الفارق في الأصوات ليس كبيراً وكان في حدود (800) ألف صوت.

غير أن عدة عوامل كما ذكرنا، لها الأثر البالغ في أن تعلن النتيجة كما هي، فلم يكن بالإضافة لما سبق هناك مصلحة مباشرة للمشير في تزوير النتيجة لصالح الفريق أحمد شفيق، الذي ضاق المشير ذرعا به، عندما غادر مبارك وتركه رئيساً للحكومة، فتوافقت الإرادات، ربما دون اتفاق، أو باتفاق جزئي على عزله، وكان كمين قناة “أون تي في” الذي نصب له، لتمهيد الأرض لإقالته، وأن يأتي المجلس العسكري، برئيس وزراء، يحركه ويأمره وينهاه، وليس صاحب شخصية قوية، ومعتز بذاته، مثل شفيق الذي لم يكن على وفاق مع المشير.

لقد تمت استضافة الفريق أحمد شفيق ذات ليلة بعد تنحي مبارك في أحد البرامج، وكان لافتا حضور صاحب القناة رجل الأعمال نجيب ساويرس، ويبدو أنه من كان يحمل التوجيه على “حرق شفيق”، ووجدها علاء الأسواني فرصة لإثبات الذات، فاحتد عليه، وعمل على الحط منه، باعتباره يتحدث باسم الثورة المنتصرة، وأنه يواجه من يمثل الحكم البائد، فلماذا يستمر في موقعه؟، بينما كان الإعلامي حمدي قنديل في دهشة من حدة الهجوم، الذي كان مبالغاً فيه وإن بررته الثورة المنتصرة، ولم ينتبه علاء الأسواني في زهوة الانتصار، أن قناة أون تي في بمالكها الذي يجلس أمامه، هم من مخلفات العهد البائد، ثم إن حسين طنطاوي نفسه هو من اختيار حسني مبارك، وكذا رئيس أركانه، وهو يحكم بتفويض من مبارك، لكن كانت النظرة دائماً لقيادات الجيش أنهم على الحياد في السجال السياسي.

الكاتب علاء الأسواني (يمين) ورجل الأعمال المصري نجيب ساويرس

وأعطت هذه الحلقة، المبرر لعزل الفريق أحمد شفيق، باعتبار عزله مطلباً ثورياً واستجابة لإرادة الثوار. لا تنس أن العزف على اسطوانة الجيش الذي حمى الثورة قد بدأ، وأن تقديم المتحدث باسم المجلس العسكري التحية العسكرية لشهداء الثورة في ليلة التنحي مثّل غواية عظيمة للثوار.

بعزله الفريق أحمد شفيق تنفس المشير حسين طنطاوي الصعداء، فلم يكن بإمكانه أن يخضعه، ولم يكن طنطاوي أصلا بالرجل القوي في دائرة الحكم.

فإذا كان لم يقبله رئيساً للحكومة ومرؤوساً له، فهل يقبله رئيساً له، من سلطته استمراره وزيراً للدفاع أو عزله، ثم يتحمل وزر أن يتم هذا بالتزوير.. فما الفائدة التي ستعود عليه من ذلك؟

لقد كان الفريق أحمد شفيق يدرك أن هناك عدم قبول له لدى طنطاوي، لهذا فقد كان مثل اللواء عمر سليمان، في انتظار رأيه من فكرة ترشحه، ولم ينسحب مثل اللواء عمر سليمان، لكنه باغت طنطاوي بالسؤال، إن كان مرحباً به مرشحاً رئيسيا؟ ولم يتلق إجابة محددة، لكنه لم يتلق اعتراضاً صريحا، فقد كان الرد إنشائيا مثل أنه لا شأن لنا بمن يترشح، فالمجلس العسكري على مسافة واحدة من كل المرشحين. وهو كلام لا يحمل ترحيباً بالترشيح، فهو كاشف عما ينتاب العلاقة من برود!

حكم العسكر:

لكن لو نجح شفيق، فكانت النتيجة ستعلن كما هي، لكن طنطاوي لن يزور الانتخابات من أجله، ولماذا يزورها؟ نحياز لحكم العسكر؟!

عند التفكير في هذا الآن، فلابد من العودة إلى السياق وإلى هذه المرحلة، لقد ذهب المجلس العسكري إلى الانتخابات الرئاسية مضطراً، بعد سنة ونصف من الحكم الفاشل، وبعد أن خرجت مظاهرات كثيرة في مناسبات مختلفة تهتف ضد حكم العسكر، وقد ناور من أجل البقاء والاستمرار، لكن الثورة كانت حاسمة وهي تهتف في مواجهته: ارحل. وقال إنه قد يلجأ لاستفتاء الشعب على استمراره في الحكم، وقالت الثورة: لم نأت بك باستفتاء لتبق باستفتاء!

ومن هنا كان خيار المشير طنطاوي أن تكون وزارة الدفاع هي عنوان الحكم العسكري، ومن الأفضل وجود بديل مدني ضعيف، يمكنهم من السيطرة من الخلف، دون أن يتحملوا تبعات الفشل والهتاف بسقوط حكم العسكر، ليصبح الجيش منطقة محظورة على الرئيس، وهذا ما لم يمكنه منه الحاكم ذو الخليفة العسكري، الذي لديه رجاله وتلاميذه وأصدقاؤه داخل الجيش، وخارجه ويمكن له جلبهم وفق قاعدة الاستدعاء، فإذا كانت الضرورة، فالحاكم المدني الذي يجعل من الجيش اقطاعية لطنطاوي ومؤسسة مغلقة هو الخيار الأفضل.

قبل جولة الإعادة كان قد صدر حكم حل مجلس الشعب، وأقره المشير بصفته، وهذا كان له أثر في ترجيح كفة الدكتور محمد مرسي، فهناك من أحجموا عن انتخابه في الجولة الأولى، بمنطق سائق التاكسي في صبيحة يوم الانتخابات الأولى: “كفاية على الإخوان كده” معهم مجلسا الشعب والشورى، فكيف يأخذون الرئاسة؟! كده يبقى حرام”، لكن بحل البرلمان، لم يعد هناك مبرر لعدم انتخاب مرشحهم.

وهذا فاصل يبدو خارج السياق، لكن بحل البرلمان كان القرار الذي أصدره طنطاوي بعودة اختصاص التشريع للمجلس العسكري، بما يعني أنه سيستمر شريكاً أيضاً في الحكم السياسي، حتى بارتكاب هذه الخطيئة، فالأصل أن تصبح سلطة التشريع بيد الرئيس، أو تنتقل لمجلس الشورى، فما هي صفة المجلس العسكري ليكون له سلطة التشريع.

كان إجراء ضمن إجراءات أخرى لـ “قصقصة ريش الرئيس” مبكراً.. لكن هل نجح المخطط؟!

الحلقة الرابعة:
الرئيس والمشير وجهاً لوجه

لمتابعة الحلقة الأولى يرجى الضغط هنا

لمتابعة الحلقة الثانية يرجى الضغط هنا

 

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة