ماذا تخفي الزيارات الخارجية للمجلس العسكري السوداني؟

عبد الفتاح البرهان وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد
عبد الفتاح البرهان وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد

على نحو بدا مفاجئاً وبشكل أقرب للتكتم انخرط المجلس العسكري الانتقالي بالسودان في جولات خارجية لوحظ أنها لا تستبق بأي تنويه خبري.

فقد هبط أولا الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) نائب رئيس المجلس في جدة في زيارة جلس فيها إلى جانب ولى العهد السعودي وانتهت خلال ساعات؛ ولوحظ أن حميدتي رافقه من اعضاء المجلس العسكري الفريق شمس الدين الكباشي مسؤول اللجنة السياسية -غير المعلن- والناطق باسم المجلس.

زيارة حميدتي التي تمت بعد أيام من تعثر مفاوضات المجلس العسكري مع فصيل تجمع قوى الحرية والتغيير الممثل للمعتصمين دلت ترتيباتها والتكتم المحاط بها بعد نهايتها أنها جرت لتشاور سوداني سعودي حول الوجود السوداني العسكري في اليمن. إذ بدا واضحا أن الخرطوم قدمت تعهدات واضحة وقاطعة ببقاء القوات وربما زيادة عددها في اليمن والسعودية وربما مسارح أخرى بالنظر لتزامن زيارة الوفد للمملكة ووصول وفد أمريكي من مسؤولي ملف سوريا لدى واشنطن.

الموضوع الآخر الذي من المرجح تناوله خلال الزيارة، وفقا للدكتورة سهير النور الباحثة في الشؤون الاستراتيجية، أنه ربما سيكون تصورا محددا بشأن تشكيل حكومة كفاءات سودانية بواسطة المجلس العسكري، دون التقيد بمحصلة الحوار مع ممثلي الثوار المعتصمين؛ وترى سهير أن الزيارة ربما قدمت مقترحات حول هذه المسألة مطلوب من السعودية تسويقها ودعمها أمريكيا وعربيا وربما عبر أطراف بالداخل على صلة مع السعوديين.

 لاحقا، اجتمعت قيادات بقوى الحرية والتغيير مع مسؤولين بالسفارة السعودية بالخرطوم يوم الأحد الماضي، وأحيط هذا الاجتماع بسياج من السرية قبل الكشف عنه عبر بعض المنصات الاعلامية ليضطر التجمع لإصدار بيان متأخر أقر فيه بصحة اللقاء.

السيسي يستقطب البرهان

تبع زيارة نائب رئيس المجلس العسكري وعودته من السعودية، وبفاصل أقل من ساعات، زيارة رئيس المجلس، الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى مصر ولقائه مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهي الزيارة التي لوحظ أنها تمت بالتوازي مع المسار السياسي والأمني لزيارة ممثله للسعودية.

ويعتقد مختصون أن الزيارة رسمت توجهات العلاقات الخارجية وبوصلة المحور الجديد للسودان بشكل حاسم، إذ أعلن البرهان أو نقل عنه التزامه بعدم إقامة علاقات مع دول تهدد مصالح مصر. وهو ما اعتبره الدكتور نبيل سمير الباحث والأكاديمي في تصريح لموقع الجزيرة مباشر توجها من الخرطوم لقطيعة مع قطر أو تجميد العلاقات معها، وكذلك تركيا مع تخفيض كبير للتنسيق مع إثيوبيا، وهذا قطعا سيكون في ملف مياه النيل، وهو ما تدل عليه تفاصيل اجتماع مغلق بين البرهان ووزير الري المصري بحضور مسؤولي المخابرات المصرية.

ويضيف نبيل أن المباحثات ربما شملت أيضا التوجهات الجديدة، إذ بات في حكم المؤكد دعم السودان لقوات خليفة حفتر، وبالنسبة لجنوب السودان فالراجح أن الاتحاد الأفريقي هو من سيدير الملف وستنتهي مسألة مفاوضات الخرطوم التي كانت تجري برعاية المخابرات السودانية.

أبو ظبي تُبارك

 ويعتقد نبيل أن الأكثر أهمية في مسألة التحركات الخارجية للمجلس العسكري، بجانب طمأنة الحلفاء وتلبية أغراضهم، تأكيد العسكر على ولايتهم لصلاحيات المجلس السيادي عمليا رغم عدم التوصل بشأنه لأي اتفاق. ويبدو أن هذا الخيار ظهر جهرا بزيارة رئيس المجلس العسكري الانتقالي إلى دولة الإمارات، وسط استقبال حافل وتعهد أبو ظبي بدعم استقرار وأمن السودان، وهو ما يشير إلى أن أي شكل ديمقراطي مدني بالسودان غير مطروح لدى الحواضن الأجنبية الراعية لتطورات السودان.

إرباك في المشهد الداخلي

داخليا لم يعد من شك في أن تفاهمات المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير طرأت بشأنها معادلات أربكت التنسيق الذي كان يمضي؛ فالمجلس وبعد (تقدير موقف) شعر أن مسار المحاصصة مع ممثلي الاعتصام يفتقد للرصيد الكافي للشراكة الآمنة خاصة بعد استفاقة التيار الإسلامي الذي أرعبه الخطاب الإقصائي للتجمع وقراءته للتدخلات الخارجية السابقة، خاصة من مصر والامارات، وشبح تكرار تجربة القمع الدموي للإسلاميين التي تمت في مصر.

تحرك التيار الاسلامي بثقل في الشارع أجمع المراقبون أنه وازن الضغط في غرفة الأزمة السودانية. ويشير الصحفي أحمد البشاري في تصريح لموقع الجزيرة مباشر إلى أن التيار الإسلامي برز بشكل ملفت كتنوع امتد من أنصار النظام الذي سقط إلى جماعات سلفية توزعت على أربعة أفرع تجاوزت خلافاتها المعروفة، بدلالة تقارب الثلاثي محمد الجزولي وعبد الحي يوسف والشيخ محمد عبد الكريم (وهم أبرز قيادات السلفية في السودان) وهو ما أشار إلى ضرورة التحسب لقوة هذه الأفرع، سواء على مستوى الأحجام أو قوة الأثر الذي يمتد للخارج، خاصة إذا انضم إليهم المؤتمر الشعبي وجماعة الإصلاح الآن.

تنامي هذا الصف القائم على مرجعيات إسلامية استقطب أجنحة أخرى غير بعيدة عن خطابه العام مثل كتلة الأحزاب المتحالفة سابقا مع نظام الرئيس البشير مضافا إليها قوة الكيانات المناطقية، وهي حسب البشاري تحالفات مجتمعة دعمت توجهات المجلس العسكري لإمكانية بناء منظومة سياسية حاضنة له أو مساندة حال اضطراره لسلوك خط رجعة عن قوى الحرية والتغيير. ويبدو أن هذا الملمح قد تمت قراءاته بشكل صحيح حتى من قوى متحالفة من قوى الحرية والتغيير.

نائب رئيس المجلس العسكري السوداني محمد حمدان "حميدتي"
موقف جديد للصادق المهدي

 حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي بدا أقرب ميلا لمخالفة حلفائه وهو ما ظهر في رفضه لدعوات الإضراب العام التي رفضها الحزب ببيان رسمي والتحقت به الحركة الشعبية شمال التي وصل أمينها العام ياسر عرمان للخرطوم وكان أول ما قاله إنه يفرق بين الإسلاميين الذين كانوا في دولة الرئيس البشير والذين يدعمون مشروع دولة المواطنة في العهد الجديد.

قوى الحرية والتغيير: خوف وحذر من المجهول

قوى الحرية والتغيير التي راقبت تطورات الظهور المكثف للقوى الخارجية أدركت ونظرا لتصاعد موجة النقد العام لمواقفها التفاوضية ومؤشرات الخسارة المحدقة سارعت لعقد لقاءات مع سفيري المملكة العربية السعودية وبريطانيا للحصول على معالجات لما تعتقد أنه تطويق خارجي لها أو دعم خارجي لنية تغيير إحداثيات خارطة المرحلة المقبلة.

ويقول د. حسن الصوفي الناشط الحقوقي لموقع الجزيرة مباشر إن قوى التجمع ترتعب من فكرة تنصل العسكري من التزاماته معها أو تعديله لنسب الاتفاق الأولي، ويضيف الصوفي أن مؤشرات ميدانية عديدة تؤكد أن الاعتصام نفسه وحتى مشروع الإضراب أو العصيان المدني يبدو أقرب ما يكون الآن إلى فزاعة أكثر من كونها أوراق قوة بيد التجمع.

ضبط البوصلة

خارجياً ومع وصول قادة المجلس العسكري لكل العواصم الشريكة في عملية الانقضاض على نظام البشير، وبعد الجولات التي وصفت بالناجحة إلى مصر والسعودية والإمارات، ومع ملاحظة اضطراب قوى التغيير كشريك محتمل مع العسكر، فإن الاتجاه الآن يدور حول التوصل إلى معادلة جديدة لن تسمح قطعا بعودة النظام القديم لكنها بالضرورة لن تخالف رؤية العسكري وتقديراته في الانفراد بالفترة الانتقالية، على الأقل عبر تشكيل حكومة كفاءات.

ويشير الدكتور عبد الوهاب عز الدين المحلل الاستراتيجي لموقع الجزيرة مباشر إلى أن الدول الثلاث تحكمها مصالح أمنية وعسكرية وأخرى مع النظام القديم، وهي بالنسبة لتلك الدول ملفات غير مسموح بتعريضها لأي انفعالات ثورية حال آل الأمر لحكم مدني في السودان، مضيفا أن جزءا من أسباب تشدد العسكريين في صلاحيات المجلس السيادي قد يكون من ضمنها إغلاق الطريق على أي قرار لاحق يؤثر من البرلمان أو قوى سياسية ثورية بشأن المواقف من عاصفة الحزم أو التفاهمات مع مصر.

زيارات الداخل العسكرية: تنبيه للقادم

تبعا لكل هذا ونظرا لوقائع اليومين الماضيين لم يتفاجأ المشهد السوداني بحملة زيارات كبيرة لقيادات المجلس العسكري أمس الأحد للمناطق العسكرية بالخرطوم حيث توزع أعضاء المجلس العسكري على رئاسات المناطق في تقليد عسكري ارتبط عادة بحدوث تغييرات محتملة أو قرارات مطلوب أن يسندها الجيش، ومما ضاعف من هذه الحقيقة الخطاب الناقد من عضوي المجلس العسكري الفريقين شمس الدين كباشي وياسر العطا لمسار التفاوض مع قوى الحرية والتغيير وإعلانهما في مكانين منفصلين بين الخرطوم وأمدرمان أن العملية التفاوضية تمضي بشكل غير مريح قد يضطر الجيش للبحث عن صيغة أخرى تحفظ أمن البلاد واستقرارها، وهي ذات الكلمة المفتاحية التي أعلنها ولي العهد الإماراتي لدى استقباله البرهان، إذ قال إن الامارات تدعم أمن واستقرار السودان.

يبدو أن صيف الخرطوم يُنبئ بشكل سياسي جديد بدأ يلوح في الافق، تتباين فيه المواقف وردود الأفعال، وتتنافر فيه توجهات الأقطاب السياسية والعسكرية، إلا أن التدخل الخارجي يبدو أنه سيكون كلمة السر في مستقبل السودان القريب، مستقبل لم يرده السودانيون وتتسرب فيه أحلامهم وطموحاتهم في بناء سودان ديمقراطي مستقل وقوي.

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة