انهيار جدار برلين وانكشاف أسرار مخابرات ألمانيا الشرقية (6)

سقوط جدار برلين عام 1989
سقوط جدار برلين عام 1989

يبدو من المستحيل التصديق أن حدثا بحجم انهيار جدار برلين وقع عن طريق الصدفة البحتة، ليتلو هذه الصدفة انهيار جمهورية ألمانيا الديمقراطية في ألمانيا الشرقية، وتوحيد الألمانيتين.

وفي المؤتمر الصحفي الذي عقد في برلين في 9 من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1989، للإعلان عن قانون جديد لرفع قيود التنقل بين الألمانيتين، سأل أحد الصحفيين غونتر شابوفسكي، الناطق الرسمي للحزب الاشتراكي الألماني، عن موعد رفع قيود التنقل غير المشروط تلك، ولكن شابوفسكي لم يكن متأكدا بالفعل من الإجابة. وبينما كان يقلب أوراقه أمام الكاميرات بحثا عن إجابة، خرجت من فمه، في السابعة من مساء ذلك اليوم بالخطأ تلك العبارة الشهيرة “على حد علمي.. فورا، وبلا تأخير”.

وفي نشرة الثامنة من ذلك المساء نفسه، أعلن المذيع للمشاهدين، بناء على تصريح شابوفسكي، أن “جمهورية ألمانيا الديمقراطية فتحت حدودها”، وشاع الخبر في طول برلين وعرضها، وكان كفيلا بتدفق حشود هائلة من سكان برلين الشرقية إلى الجدار، تنتظرهم حشود أخرى في برلين الغربية، على الجانب الآخر من الجدار، وخلال ساعات من البلبلة، ووسط ذهول حرس الحدود الذين لم يملكوا أية تعليمات بشأن هذه التغييرات الجديدة، فقدت السيطرة التدريجي على معابر الدخول، إلى أن فتحت البوابة الرئيسية في الساعة الحادية عشر والنصف ليلا، ليعبر أكثر من عشرين ألفا من برلين الشرقية إلى برلين الغربية، وليسقط جدار برلين بعد 28 عاما من انتصابه كالوتد المرعب في قلب الوطن الواحد.

المؤتمر الصحفي الذي ألقى فيه غونتر شابوفسكي تصريحه الشهير بالخطأ (ويكيبيديا)
انكشاف وثائق الشتازي

عمت الأجواء الاحتفالية مدينة برلين بعد سقوط الجدار، وكان الأقارب يتعانقون بعد فراق سنوات، وكانت المطاعم توزع المشروبات بالمجان، ولكن الأجواء في أروقة وزارة أمن الدولة في برلين كانت مختلفة تماما، فقد أدرك جهاز (الشتازي) أن لحظة الحقيقة قد حانت، وأن كل تلك السنوات من العمل المضني من أجل النظام، ذهبت هباء منثورا، وفقدت فجأة أي معنى لها.

وبعد انقضاء لحظات الذهول الأولى، وبينما كانت مقاليد الأمور لا تزال في أيدي السلطة الحالية، أوعز وزير أمن الدولة، ومهندس عملية “التحليل” الأول إريش ميلكِه، في منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، لموظفي الشتازي بالبدء بعملية تمزيق وثائق جهاز أمن الدولة.

ولكن نظاما بوليسيا كجمهورية ألمانيا الديمقراطية، كان قد أنتج خلال عقود من المراقبة الدقيقة لشعبه، مقدارا هائلا من الوثائق التي تحتاج عملية التخلص منها زمنا طويلا، ومع ذلك فقد شرع الموظفون بالعمل، بآلات تمزيق الأوراق ثم بأيديهم، وتمكنوا في أيام قليلة من تمزيق ما يقارب 16 ألف كيسٍ من الوثائق، التي تحمل أهم المعلومات وأكثرها حساسية، والتي تُدين بالطبع المتورطين الكبار، والعقول المدبرة في جهاز الشتازي.

نجا من إرث وزارة أمن الدولة حاويات أوراق ممزقة و111 كيلو متر من الملفات المكتوبة

ولكن عمليات التمزيق توقفت في شهر ديسمبر/ كانون الأول من العام 1989، بعد أن لفتت أنظارَ النشطاء الحقوقيين عملياتُ حرقٍ تتم في مباني وزارة أمن الدولة، فبدأت الوقفات الاحتجاجية من قبل النشطاء الحقوقيين للمطالبة بحفظ الملفات، تلتها عملية احتلال للمقرات الأمنية في المدن المختلفة من ألمانيا الشرقية، لحماية ملفات الشتازي من الإتلاف.

وهكذا نجا من إرث وزارة أمن الدولة، بالإضافة إلى حاويات الأوراق الممزقة الستة عشر ألفا، ما يقارب 41 مليون بطاقة، و111 كيلو متر من الملفات المكتوبة، و1,85 مليونا من الصور، و2865 فيلما مصورا، 23250 شريطا صوتيا، بل وجدت حتى عبوات زجاجية محكمة الإغلاق، تحوي قطع ملابس  للمواطنين، بهدف الاحتفاظ بروائحهم لاستخدامها عند الحاجة!

معضلة أخلاقية

لقد فجر انكشاف ملفات جهاز الشتازي عددا من النقاشات الساخنة، في الساحة السياسية في ألمانيا إذا ذاك، وشكل معضلة أخلاقية، تتم فيها المفاضلة بين حق للمواطنين بالاطلاع على ملفاتهم الشخصية، وبين حق حماية المعلومات المتعلقة بمواطنين آخرين، والواردة أيضا في الملفات ذاتها، الأمرُ الذي نظمه في النهاية قانون وثائق الشتازي، الذي صدر عام 1991، والذي أقر بمسؤولية الدولة عن ترتيب هذه الوثائق وحفظها، والسماح للمواطنين بالاطلاع عليها.

وُسمح بموجب هذا القانون للناس بالاطلاع على ملفاتهم الخاصة، كما سُمح للمؤسسات الحكومية والبحثية والأكاديمية، بل والأفراد والمؤسسات الإعلامية أيضا، بالاطلاع على الملفات لأغراض بحثية.

ويوجد الآن موقع ألماني حكومي رسمي على شبكة الإنترنت، يتيح للمواطنين تقديم الطلبات للاطلاع على ملفاتهم، تُشرف عليه جهة حكومية خاصة، تدعى “المفوضية الاتحادية لوثائق وزارة أمن الدولة في جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة”، ويعمل في هذه المفوضية 1440 موظفا، وهم مسؤولون عن وثائق الشتازي، وعن معالجة طلبات الاطلاع على الملفات، حيث صرحت المفوضية على موقعها على الإنترنت، بأن أكثر من 7 ملايين طلب والتماس تم تقديمها منذ نهاية العام 1990 وحتى 2019.

سمح بموجب القانون للناس بالاطلاع على ملفاتهم الخاصة التي كانت بحوزة المخابرات

أما ملفات الاستخبارات الخارجية لجهاز الشتازي، وتحديدا شرائط الميكروفيلم التي تحوي معلومات استخباراتية عن دول الكتلة الغربية، فقد تم إتلاف بعضها بقرار حكومي، بينما كانت قد وقعت نسخ منها، تحت ظروف غامضة، في أيدي جهاز المخابرات الأمريكية (سي آي إيه) حيث اشتبه في بيعها لها من قبل ضابط مخابرات سوفيتي، ولم تعد هذه الملفات إلى ألمانيا إلا عام 2003، بعد سنوات طويلة من المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية.

أعداد الضحايا

بعد فتح ملفات الشتازي، إثر انهيار جدار برلين، ظهرت للمرة الأولى الحقائق والدلائل المتعلقة بعملية “التحليل” للعلن، رغم أن الوصول إلى أعداد دقيقة للضحايا كان متعذرا، بسبب ضياع قسم كبير من الوثائق المهمة.

لكن ما تبقى من الوثائق أثبتت استهداف الشتازي لرقم من أربع أو خمس خانات من المواطنين الألمان بعمليات “التحليل”، خمسة آلاف منهم تم إثبات إصابتهم بضرر دائم، لذا هم يملكون الحق للمطالبة بتعويضات مالية، وإعادة تأهيل، بعد قياس حالتهم إلى جملة من المعايير، وذلك وفق قانون صدر عام 1992 لحفظ حق ضحايا الشتازي.

قابل كثير من الضحايا هذه الحقائق بالإنكار لعدم قدرتهم على التصديق بأن حياتهم كانت مكشوفة ومستباحة بهذا الشكل

ومع ذلك فإن كثيرين من ضحايا عملية “التحليل” لم يستفيدوا من هذا القانون، إما بسبب صعوبة إثبات العلاقة المباشرة بين الضرر الذي تعرضوا له وإجراءات عملية التحليل، أو بسبب ضياع ملفاتهم لدى الشتازي أصلا، خاصة وأن الملفات المتعلقة بعملية “التحليل” كانت من أوائل الملفات التي تم تمزيقها عمدا بعد انهيار جدار برلين.

وحتى بعد انكشاف الوثائق التي أثبتت تلاعب المخابرات بحياة الناس، قابل كثير من الضحايا هذه الحقائق بالإنكار، لعدم قدرتهم على استيعابها، أو التصديق بأن حياتهم كانت مكشوفة ومستباحة بهذا الشكل من قبل جهاز الشتازي، وصرح الكثير منهم بأنهم عاجزون حتى الآن عن فهم الكيفية التي تدخلت بها المخابرات في حياتهم بهذه الطريقة الخفية.

وبالفعل تبدو في هذا الفصل المظلم من تاريخ ألمانيا الكثيرُ من الأشياء صعبة التصديق، فالأمر هنا يدور حول دولةٍ تحتفظ حتى بروائح مواطنيها في برطمانات زجاجية، دولةٍ تملَّكَها الوهمُ بأنها قادرة على السيطرة على الناس، وإحكام قبضتها على كل نواحي حياتهم، وعلى مشاركتهم حتى لحظات خلواتهم في غرف النوم والحمامات، ولكن ذلك كله انهار خلال ساعات قليلة، لينفجر الوهم كفقاعة عملاقة انتهت إلى لا شيء.

وهنا يبدو الحديث عن انهيار جدار برلين بمحض الصدفة كلاما غير دقيق، فقد كانت نهاية هذا النظام حتمية، أدت إليها إصلاحات غورباتشوف، والأزمة الاقتصادية، والهروب الجماعي نحو ألمانيا الغربية، وأخيرا الاحتجاجاتُ التي لم تعد السلطات قادرة على السيطرة عليها. ليثبت التاريخ مجددا، أنه لا توجد سلطة قادرة على السيطرة إلى الأبد على إرادة الناس الحرة، مهما ابتكرت من وسائل شيطانية، ومهما سخرت من مقدراتها لتحقيق ذلك، وأنه يوما ما لن يصح إلا الصحيح.

وسيتناول التقرير القادم مصير الستة عشر ألف كيس التي مزقها موظفو الشتازي، ومصير المتورطين في التخطيط لعمليات التحليل وتنفيذها.

الحلقة الأولى

مخابرات ألمانيا الشرقية: حقبة سوداء ودهاء شيطاني

الحلقة الثانية

مخابرات ألمانيا الشرقية.. تحويل العمل “القذر” إلى علم أكاديمي

الحلقة الثالثة

في دولة المخابرات.. الكل عدو الكل (3)

الحلقة الرابعة
جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية.. المخابرات في بيتنا (4)
الحلقة الخامسة
ما اجتمع اثنان إلا كان عنصر المخابرات ثالثهما (5)
قامت بإعداد المادة: ديما مصطفى سكران
المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة