ما اجتمع اثنان إلا كان عنصر المخابرات ثالثهما (5)

عناصر من جهاز المخابرات في ألمانيا الشرقية تقوم بالتنصت على المعارضين

“إذا اجتمع ثلاثة ألمان معا فإنهم يؤسسون نادٍ”، هكذا تقول النكتة الشهيرة في ألمانيا، لتعكس قوة ثقافة النوادي في ألمانيا.

بدأت هذه الثقافة في ألمانيا منذ القرن التاسع عشر، وواجهت الكثير من التضييق القانوني عبر الحكومات المتعاقبة، قبل أن يُمنح الألمان حق تأسيس النوادي بمعزل عن رقابة الدولة. أما في ألمانيا الشرقية فقد بدا الأمر مختلفا، حيث كان يصح فيها القول: “ما اجتمع اثنان إلا كان عنصر الشتازي ثالثهما”.

لقد كانت السلطات في ألمانيا الشرقية تنظر لتجمعات المواطنين في النوادي والجمعيات بعين الريبة دوما، وكانت تضع دوما العراقيل القانونية في وجه تأسيسها، ولا تسمح بها إلا في الإطار الذي يدعم توجهات الحزب الحاكم الأيديولوجية، ثم لا تفوت أي فرصة للتدخل فيها لتخريبها من الداخل.

تحليل الجماعات

كانت طريقة “التحليل” تطبق أيضا من قبل الشتازي (جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية)، لتحليل الجماعات بالاستعانة بعلم النفس العملياتي، والموظفين غير الرسميين، حيث كان هؤلاء يزرعون كأعضاء فيها، ليقوموا بالتشويش على النقاشات، من خلال الاعتراض الدائم، أو تقديم المقترحات المضادة، مما كان يعطل العمل الجماعي. كما عمل شتازي دوما على فك ضفائر الثقة بين أعضاء الجماعة الواحدة، من خلال زراعة الشك تجاه بعضهم بعضا، ونشر الشائعات حول خيانتهم، وإعطاء الانطباع بأنهم عملاء للاستخبارات، بحيث لا يستطيع أحد أن يثق بأحد.

وكان يكفي مجرد استدعاء فرد ما من الجماعة، إلى أحد فروع المخابرات، ليفقد الآخرون ثقتهم به، بسبب احتمال تعرضه للتجنيد خلال تلك الزيارة. وأحيانا كان يتم إثارة الشكوك حول الأعضاء بطريقة أكثر لطافة، من خلال إكسابهم لبعض الميزات في العمل والأجازات وتوزيع المساكن أو السيارات، مما يعزز الشكوك في عمالتهم، في دولة لا يمكن فيها للمرء أن يحصل على مكتسبات بدون مقابل.

وكانت على رأس الجماعات المستهدفة تجمعاتُ الكتاب والمثقفين والفنانين، وجماعات المعارضة الكنسية، وجماعات الشباب، بالإضافة إلى الجماعات المدافعة عن حقوق الإنسان واللاجئين، وجماعة شهود يهوه، وجماعات المعارضين المنفيين والمجردين من الجنسية، والتي امتدت يد الاستخبارات لتلاحقهم، وتحارب نشاطاتهم خارج البلاد أيضا.

صورة سجن جهاز أمن الدولة (الشتازي) في برلين (ويكيبيديا)
استهداف الأفراد

كانت الجماعات هدفا واضحا ومتوقعا للشتازي، لكن فيما يخص الأفراد كان للشتازي ذوق غير قابل للتوقع أحيانا، فلم يكن فقط المعارضون الفعليون والناشطون هم المستهدفين من قبل الشتازي، بل أيضا من يمكن تسميتهم بالمعارضين “المحتملين” حيث كان يتم استهداف كل من “يُعتقد” أنه “قد” يشكل “يوما ما” خطرا على الدولة، حتى لو لم يكن يمارس أي نشاط سياسي فعلي، وحتى لو لم يكن قد أدلى يوما بأي تصريح مناهض لنظام الحكم.

بل كان مجرد وقوف أي شخصية بارزة في المجتمع على الحياد مدعاة لإثارة الشكوك حولها، واستهدافها بأبشع وسائل التصفية النفسية التي عرفتها البشرية، لمنعها من التحول للمعارضة الفعلية في أي وقت من حياتها.

إن السبيل الوحيد للنجاة في دولة الحكم الشمولي ليس الوقوف على الحياد، وليس “المشي جنب الحيطة”، بل إن السبيل الوحيد للنجاة هو التأييدُ العلني عالي الصوت لنظام الحكم، التأييدُ الطافح بالتأكيدات على عبقرية الزعيم وروعة نظام الحكم وعظمته، في كل وقت، وعند كل مناسبة، وبلا مناسبة أيضا.

سجن جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية (ويكيبيديا)
الاعتقال

رغم أن الاعتقال كان الخيار الأخير في التعامل مع المعارضين، إلا أن الشتازي لم تتوان عنه في حال توفر ما يسمح قانونيا به. وخلال فترة الاعتقال كانت عملية “التحليل” تمارس أيضا بهدف استنزاف طاقة الفرد النفسية، وإجباره على البوح بالمعلومات، حيث يندر أن يخرج أي معتقل من سجون الشتازي دون الإدلاء بالاعترافات المطلوبة منه.

وفي كلية وزارة أمن الدولة في بوتسدام، كان يتم دراسة الإجراءات الأمثل للتأثير على المعتقلين أثناء الاستجواب، دون اللجوء إلى أي شكل من أشكال العنف الجسدي، حيث يستخدم عوضا عن ذلك الضوء والضوضاء، والحرمان من النوم، والتهديد، وعدم إعطاء معلومات عن مدة الاعتقال، أو مصير المعتقل النهائي، وغيرها من الطرق غير العنيفة، ما يدفع المعتقل لحافة الانهيار النفسي. لكن الجوهر الأساسي لعملية التحليل أثناء الاعتقال كان دوما يقوم قبل كل شيء على أساس العزل التام.

وتحكي المعتقلة السابقة في سجون ألمانيا الشرقية سيغريد باول، التي تم اعتقالها بتهمة محاولة الهرب من ألمانيا الشرقية، لرؤية ابنها المريض العالق في برلين الغربية، تفاصيل تجربة اعتقالها في الفيلم الوثائقي “تحليل الروح”.

ومن التفاصيل التي ترويها باول، إجبارها في زنزانتها الانفرادية على الجلوس على كرسي خشبي، في وضعية مرهقة واحدة طوال الوقت، بحيث لا يجد الجسد البشري أية فرصة للاسترخاء. وفي عزلة تامة عن العالم الخارجي، وفقدان كامل لفرصة التواصل مع أي شخص.

حُرمت باول من أي  وسيلة للتسلية، للدرجة التي تمت فيها معاقبتها، عندما ضبطت تعبث بخيط زائد في بنطالها.

إحدى وسائل التعذيب النفسي أيضا، كان حرمان العين من النظر البعيد، باحتجاز المعتقل دوما في مساحات ضيقة، لا تعطي المعتقل فرصة لمد بصره، ما تسبب لباول بمشاكل في الإبصار بعد إطلاق سراحها، كما كانت أي أعشاب أو طحالب نابتة على الجدران تُزال بشكل فوري، لحرمان المعتقل من رؤية اللون الأخضر، كأحد وسائل التعذيب النفسي.

وقد تحول سجن وزارة أمن الدولة السابق الواقع في منطقة هوهنشونهاوزن في برلين، إلى متحف يقصده الزوار، يصحبهم في جولاتهم معتقلون سابقون، يحكون تجاربهم في هذا المكان/ وتفاصيل عملية “التحليل” التي كانت تطبق عليهم.

أحد وسائل التعذيب النفسي كان حرمان العين من النظر البعيد، باحتجاز المعتقل دوما في مساحات ضيقة (ويكيبيديا)
أشهر الضحايا

من أشهر الضحايا الذين أثبت انكشاف وثائق الشتازي تعرضهم للتحليل، المغني وولف بيرمان والكاتب راينر كونتزا، والسياسي والحقوقي غيرد بوبي، وزوجته أولريكا، والذي أصبح وزيرا فيما بعد التحول السياسي عام 1990، والسياسي الشيوعي والدكتور في الكيمياء روبرت هافيمان، والناشط الحقوقي والناشر وولفغانغ تمبلين، وكان الآخران قد عملا كموظفين غير رسميين لصالح الشتازي، وقدما له تقارير حول أصدقائهم، قبل أن يكشفا عن أنفسهما طواعية، ويتعرضا بذلك للعزل والتسريح من العمل، وتطبيق عملية “التحليل” عليهما.

أما القس راينر إيبلمان، والذي أصبح بعد التحول السياسي عام 1990 وزيرا للتسليح والدفاع في آخر حكومة في ألمانيا الشرقية، فقد أظهرت الوثائق قيام الشتازي بعدة محاولات مدبرة لقتله، شملت محاولات تسميمه وافتعال حادث سيارة له.

الشاهد الأول

لكن الضحية الأبرز كان الكاتب والناشط الحقوقي المعارض يورغن فوكس، الذي تعرض أيضا لعدة محاولات للاغتيال، بعد سحب جنسيته وترحيله إلى ألمانيا الغربية.

إن حرمان فوكس من شهادة التخرج من كلية علم النفس في ألمانيا الشرقية، بسبب نشاطاته المعارضة، لم يمنعه من اصطحاب كل ما درسه في علم النفس معه، إلى سجن وزارة أمن الدولة في برلين في الـ281 يوما التي أمضاها في الاعتقال، قبل أن يطلق سراحه، ثم يرحل إلى ألمانيا الغربية، تحت ضغط دولي على حكومة ألمانيا الشرقية.

وخلال فترة الاعتقال، لاحظ فوكس كيف أن موظفي السجن ومحققيه، يستخدمون تقنيات علم النفس في التدمير النفسي للمعتقلين أثناء فترة اعتقالهم، وكتب في صحيفة دير شبيغل في ألمانيا الغربية عام 1977 سلسلة من خمسة مقالات، بعنوان “أنت يجب أن تنكسر”، يشرح فيها تفاصيل اعتقاله، ويتهم ألمانيا الشرقية باستخدام العنف النفسي ضد المعتقلين بطريقة لا إنسانية، الأمر الذي أنكرته ألمانيا الشرقية، متهمةً فوكس بتلفيق الحقائق للحصول على مكاسب شخصية، وناشرة الإشاعات حوله إصابته بجنون الملاحقة، الأمر الذي هز مصداقيته.

الكاتب والناشط الحقوقي المعارض يورغن فوكس (ويكيبيديا)

وفي عام 1978 حوَّل فوكس مقالاته الخمس بعد استكمالها، إلى كتاب أطلق عليه اسم “محضر تحقيق”، واصفاً فيه ممارسات الشتازي بأنها “اعتداء على الروح الإنسانية”، ومن كتابه هذا تم اقتباس التعليقات في الفيلم الوثائقي “تحليل الروح”.

ومما حمله فوكس معه أيضا، من فترة اعتقاله في سجن الشتازي، الآثار الضارة التي ترتبت على تعريضه للإشعاع خلال تلك الفترة، والتي أدت إلى إصابته بسرطان الدم، ووفاته المبكرة عن عمر يناهز 48 سنة، حاله حال زميليه في المعتقل رودولف بارهو والمؤلف جيرولف باناخ اللذين تعرضا لذات الإجراء الإشعاعي وتوفيا لاحقا بالسرطان أيضا.

ولم يكن فوكس إلا واحدا فقط من الضحايا في مشوار النضال الطويل ضد الحكم الشمولي في ألمانيا الشرقية، والذي تكلل بسقوط هذا النظام في آخر المطاف، وذلك مع سقوط جدار برلين، الأمر الذي سيتناوله التقرير التالي، والذي سيشرح أيضا انكشاف وثائق وزارة أمن الدولة للعلن بعد سقوط النظام، وما خلفه ذلك من تبعات.

الحلقة الأولى

مخابرات ألمانيا الشرقية: حقبة سوداء ودهاء شيطاني

الحلقة الثانية

مخابرات ألمانيا الشرقية.. تحويل العمل “القذر” إلى علم أكاديمي

الحلقة الثالثة

في دولة المخابرات.. الكل عدو الكل (3)

الحلقة الرابعة
جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية.. المخابرات في بيتنا (4)
قامت بإعداد المادة: ديما مصطفى سكران
المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة