السياسة الهندية: العصا لكشمير والجزرة للعالم

ناريندرا مودي رئيس وزراء الهند
ناريندرا مودي رئيس وزراء الهند

دخلت الهند ثلاثة حروب مع جارتها اللدود باكستان في الأعوام 1947 و1965 و1971 بسبب الصراع على إقليم كشمير.

إلا أن الحكومات الهندية على مدى سبعين عاما لم تجرؤ على المساس بالوضع القانوني للإقليم المتنازع عليه، والذي تمتع بوضع خاص وفقا للقرارات الدولية>

لكن رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، هو الوحيد الذي تجرأ على تغيير وضع الإقليم الدستوري، من دون اعتبار للمواقف الدولية أو التوتر مع الخصم الباكستاني، فهل كانت خطوة مودي مغامرة، أم قراءة واعية للظروف الإقليمية والدولية؟

تغيير وضع كشمير
  • يتمتع إقليم كشمير بمحافظاته الثلاث (جامو وكشمير ولاداغ) بوضع خاص وفق المادة 370 من الدستور الهندي ونوعا من الحكم الذاتي، بما يشمل إصدار قوانين وتشريعات خاصة محلية.
  • تعطي المادة الكشميريين وحدهم في الولاية حق الإقامة الدائمة، فضلا عن حق التوظيف في الدوائر الحكومية، والتملك، والحصول على منح تعليمية.
  • وفق التغيير الدستوري الجديد يمكن لأي مواطن هندي من أي جزء من البلاد شراء العقارات في جامو وكشمير، والحصول على وظيفة في حكومة الولاية. وتم إلغاء 153 قانوناً تتعلق بأوضاع جامو وكشمير من بينهم قانون مجانية التعليم.
  • للمفارقة لم يُلغ قانون مثير للجدل ينص على احتجاز الأشخاص دون إجراءات قضائية.
  • في 5 من أغسطس/ آب الماضي، أعلنت الهند إلغاء المادة 370 من الدستور، وفرضت حظرا للتجول وقيودا على الاتصالات في الإقليم، واعتقلت عددا كبيرا من السياسيين والناشطين الكشميريين.
  • جاء التعديل بقرار رئاسي، بمعنى أن تفعيله لا يحتاج التصديق عليه من قبل البرلمان، فيما أبقت الحكومة على المادة نفسها كونها تحدد العلاقة بين جامو وكشمير والهند.
مظاهرات في الجزء الخاضع لسيطرة الهند من كشمير احتجاجا على الإجراءات الأخيرة (رويترز)
  • في اليوم التالي، صدّق البرلمان الهندي بغرفتيه العليا والسفلى، على قرار تقسيم "جامو وكشمير" إلى منطقتين (منطقة جامو وكشمير ومنطقة لداخ)، تتبعان بشكل مباشر الحكومة المركزية.
  • ستتكون منطقة جامو وكشمير من قسمين، هما وادي كشمير وجامو، وهي منطقة تبلغ مساحتها مجتمعة أكثر من 42 ألف كيلومتر مربع ويبلغ عدد سكانها 12.26 مليون نسمة، بينهم 8.44 مليون مسلم، أي 68.8% من إجمالي سكانها.
  • فيما تمتد أراضي لداخ الشاسعة، والتي تُعرف أيضًا باسم الصحراء الباردة، على مساحة تزيد عن 590 ألف كيلومتر مربع وتشمل منطقتي "كارجيل" و"ليه"، وتضم عددًا ضئيلًا من السكان يبلغ 274 ألفا و289 نسمة، بينهم 127 ألفاً و296 مسلماً يشكلون 46.4% من إجمالي السكان، فيما يبلغ عدد البوذيين 108 آلاف و761 نسمة يمثلون 39.65% من سكان المنطقة.
معاناة إنسانية عميقة
  • يعاني سكان "جامو وكشمير" بشدة جراء الإغلاق شبه الكامل الذي تفرضه السلطات الهندية؛ ما تسبب في تعطيل قطاعات الاقتصاد والتعليم والنقل، ودفع التجار إلى إغلاق متاجرهم احتجاجًا على هذه التدابير.
  • يقول رئيس غرفة تجارة وصناعة جامو كشمير، شيخ عشيق، لوكالة الأناضول إن قطع الاتصال بالإنترنت وجه ضربة قاسية لقطاع السياحة وتكنولوجيا المعلومات في المنطقة.
  • يؤكد عشيق أن الخسائر التجارية بسبب الإغلاق في "جامو وكشمير" منذ 5 من أغسطس/آب الماضي، بلغت حوالي 100 مليار روبية (1.4 مليار دولار)، كما خسر أكثر من 100 ألف شخص وظائفهم.
يعاني سكان جامو وكشمير بشدة جراء الإغلاق شبه الكامل الذي تفرضه السلطات الهندية (رويترز)
مغازلة التطرف الهندوسي
  • استراتيجية رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ، الصادمة للإقليم والعالم لم تكن مغامرة بقدر ما كانت قراءة واعية لمتغيرات وظروف إقليمية ودولية تسمح له بهذه الخطوة، من دون أن تترتب عليها تبعات مكلفة عسكريا مع باكستان أو سياسيا مع المجتمع الدولي.
  • في مقدمة ما استهدفه مودي من العبث بوضع الإقليم المتفجر، هو المزيد من الشعبية الكاسحة في المجتمع الهندوسي خصوصا المتطرف منه، وهو في غالبيته يميل نحو التطرف بمرور الوقت، ومثل هذه الخطوة يصبح مودي وحزبه بهاراتيا جاناتا، هو الخيار شبه الأوحد لدى الناخب الهندوسي في أية انتخابات قادمة.
  • لم تكن كشمير هي الهدية الوحيدة التي منحها مودي لناخبيه الهندوس، فقد اتخذ ولا يزال سياسات وقرارات ترضي نوازع التطرف الديني لدى الهندوس تجاه "خصومهم" المسلمين، الذين يشكلون نحو 15% من تعداد سكان الهند.
  • أدخل مودي عدة تغيرات على قوانين طلاق المسلمين، كما قام بتحديث نظام تسجيل من شأنه تجريد نحو مليوني مواطن من المواطنة، بينهم الكثير من المسلمين.
  • يقود حزب بهاراتيا جاناتا منذ عقود معركة لبناء معبد في مدينة أيوديا، موطن الإله رام. على أنقاض مسجد بابري الذي يعود للقرن 16 الميلادي، والذي هدمته مجموعات هندوسية عام 1992، ما أدى لاندلاع أعمال عنف أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 2000 مواطن، معظمهم من المسلمين.
قام مودي بتحديث نظام تسجيل من شأنه تجريد نحو مليوني مواطن من المواطنة بينهم كثير من المسلمين
ظروف دولية مواتية
  • في قراءة الحالة الإقليمية، يدرك مودي أن القوى العظمى: الولايات المتحدة وروسيا والصين، لن تشكل ضغطا حقيقيا على الهند من أجل القضية الكشميرية.
  • الولايات المتحدة، التي لم تكن على وافق مع السياسة الهندية على مدى عقود سابقة في عهد حكم حزب المؤتمر الهندي، بسبب اصطفاف الهند في كتلة عدم الانحياز، ودعمها لقوى التحرر وفي مقدمتها المقاومة الفلسطينية، تغير موقفها من الهند الجديدة في ظل حكم بهاراتيا جاناتا، التي تقترب لدرجة الالتصاق من إسرائيل، وهو ما يعني الاقتراب من واشنطن.
  • كما أن الولايات المتحدة تحفر خندقا يتعمق مع الوقت بينها وبين باكستان، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وتراجع أهمية باكستان الاستراتيجية لدى صانع القرار الأمريكي، واتجاهه نحو الهند، في ظل تمسك إسلام آباد بالعلاقة المتينة مع بكين، وتعزيزها مع الوقت مع موسكو.
  • قدمت واشنطن رسالة طمأنة غير مباشرة لنيودلهي عندما اعتبرت القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، واعترفت بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل، ضاربا بعرض الحائط كل القرارات الدولية، فلماذا لا تقدم الهند على الأمر ذاته، ولن يكون لواشنطن سند قانوني أو أخلاقي لمعارضة مثل هذه الخطوة.
  • الأمر ذاته، يتكرر مع روسيا، التي فصلت بالقوة إقليم القرم عن أوكرانيا، ما سيصعب على موسكو الاحتجاج على الخطوة الهندية في كشمير التي تخضع لسيطرة نيودلهي منذ سبعين عاما.
  • أما الصين، فإن انشغالها الفترة الماضية بالاحتجاجات في هونغ كونغ لن يترك لها هامشا للاشتباك سياسيا مع الهند بخصوص كشمير، حتى لو جاملت حليفتها باكستان ببيانات وتصريحات تدين الخطوة الهندية.
أمريكا تحفر خندقا يتعمق مع الوقت بينها وبين باكستان بعد تراجع أهمية الأخيرة لدى صانع القرار الأمريكي

لذلك لم نسمع الكثير من الانتقادات والمواقف السياسية الجادة تجاه خطوة الهند في كشمير، سوى تصريحات من دولتين مسلمتين هما ماليزيا وتركيا، من دون أن يترتب على ذلك أي تحرك سياسي مؤثر.

جزرة الاستثمار والاقتصاد
  • إلى جانب القراءة السياسية التي شجعت مودي على تغيير الوضع في كشمير، فإن الحكومة الهندية ألقت بالكثير من "الجزر" الاقتصادي أمام القوى الإقليمية والدولية لإسكاتها، فقد زار مودي نحو عشر دول منذ فوزه الساحق في الانتخابات التي أجريت في مايو/ آيار الماضي، حيث سعى لاجتذاب الاستثمارات من الشرق الأوسط، والتقى بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب في تكساس، واستقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ في منتجع ساحلي.
  • على صعيد الأداء الاقتصادي قفزت الهند 14 مركزا لتشغل المركز 63 في التصنيف السنوي الأخير للبنك الدولي المتعلق بسهولة أداء الأعمال. كما أعلنت حكومته عن خفض لضرائب الشركات بقيمة 20 مليار دولار، وخفض الرسوم على الأموال الأجنبية. كما ضخت الحكومة 10 مليارات دولار في البنوك المتعثرة وخففت من القيود المفروضة على الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع التعدين وقطاعات أخرى.
المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة