حركة النهضة التونسية.. متطلبات الحداثة وتناقضات التراجع

أحد مقرات حركة النهضة التونسية

عادت حركة النهضة التونسية، لتصدر الأحزاب المشاركة في الانتخابات النيابية، بحوالي خمسين نائبًا من أصل 217 نائبًا هم عدد أعضاء البرلمان التونسي، وفقًا لاستطلاعات الرأي.

تقدم وتراجع
  • يأتي هذا التقدم بعد تراجع حركة النهضة إلى المرتبة الثالثة في رئاسيات تونس 2019. بعد أن رشحت نائب رئيسها عبد الفتاح مورو.
  • لم تكن النتائج المعلن عنها حتى الآن إلا تراجعًا آخر للحركة في عدد المقاعد الذي حصلت عليها والتي هبطت من 89 نائبًا في 2012 إلى 67 نائبًا في 2014 ثم بحوالي خمسين في نيابيات 2019.
  • يأتي ذلك (وفقًا للمعطيات غير الرسمية حتى الآن) ومع ذلك كانت الأولى رغم التراجع، واستطاعت أن تستعيد مرة أخرى صدارة المشهد السياسي، بعد سنوات من المشاركة في السلطة من مواقع مختلفة.
  • نتائج حركة النهضة مثلت مسارها التي عرف هزات ومنعطفات متعددة منذ إنشائها سنة 1972 تحت اسم “الجماعة الإسلامية”، وبعد حوالي عقد تراجعت الحركة عن تلك التسمية وحملت اسمها الحالي “النهضة” الذي اختارته سنة 1989.
  • الحركة بدأت تنظيمًا سريًا قبل أن تتجه إلى العلن وكان من أبرز قادتها التأسيسيين راشد الغنوشي، وعبد الفتاح مورو، والمنصف بن سالم قبل أن تلتحق بهم أجيال أخرى.
  • راكمت الحركة، تجربة منفردة في عالم الفكر والسياسة لدى الإسلاميين، وامتازت منذ البداية بتوجهها الحداثي حيث ظل زعيمها راشد الغنوشي مصنفًا على أنه رائد “اليسار الإسلامي”.
  • كانت الدعوة والتعليم في المساجد والمدارس، أول مهام الحركة قبل أن تؤسس مجلة علمية ناطقة باسمها سنة 1974.
  • في سنة 1979 أقامت مؤتمرها السري الأول وفيه حسمت خياراتها السياسية والفكرية والتنظيمية عبر المصادقة على نظامها الأساسي، وحملت اسم حركة الاتجاه الإسلامي.
راشد الغنوشي، رئيس حزب النهضة التونسي
الخروج إلى العلن
  • في سنة 1981 عقدت الحركة مؤتمرًا سريًا آخر، قررت فيه الخروج إلى العلن، وفي يونيو/حزيران 1981 عقد راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو مؤتمرًا صحفيًا لإعلان الحركة.
  • وتقدم زعيما الحركة، بطلب الترخيص الذي قوبل بالرفض وبدأت حملة الاعتقالات والمطاردات.
  • في سنة 1989 غيرت الحركة اسمها إلى النهضة وبدأت مسارًا جديدًا من التغلغل في المشهد السياسي والفكري التونسي.
  • الحركة رحبت بالانقلاب العسكري الذي قاده الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، ووقعت مع قادة أحزاب متعددة من اليسار والقوميين ميثاق شرف سياسي.
  • دعت، حركة النهضة النظام الجديد إلى إعادة تأسيس العمل السياسي والحزبي على معايير ديمقراطية.
  • الحركة شاركت في نيابيات 1989 تحت لوائح متعددة، وقال أنصارها إنها حصلت على 20% من المقاعد وإن الحزب الحاكم في تونس زوّر النتائج وتعمد إقصاء الحركة.
بين السجون والمنافي
  • منذ تأسيسها، نالت الحركة حربًا مفتوحة من نظامي الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، وتعددت منافي قادتها، كما تعددت السجون التي احتضنت الآلاف من المنتسبين إليها وقادتها.
  • بدأت الحركة علاقتها مع السجون والمنافي منذ إعلانها عن نفسها سنة 1981، حيث اعتقل النظام قادتها واتهمهم بالانتماء إلى جمعية غير مرخصة، واعتقل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو، قبل أن يفرج عنهما تباعًا سنتي 1983 -1984، بوساطة من الوزير الأول العروبي محمد مزالي.
  • في سنة 1987 عادت الحركة إلى السجون بعد فترة تقارب سنة، واتهمت بالمسؤولية عن تفجير أربعة فنادق في تونس وتلقي تمويلات من إيران، وحكم على الغنوشي بالسجن 10 سنوات مع الأشغال الشاقة، فيما تمكن عبد الفتاح مورو من مغادرة البلاد.
  • استفادت النهضة من انقلاب زين العابدين بن علي الذي أفرج عن السجناء السياسيين، وبدأت إعادة تنظيم نفسها من جديد قبل أن تفاجأ باعتقالات 1991 التي كانت أصعب موجة اعتقال تعرضت لها حركة النهضة منذ تأسيسها.
  • وأدت تلك إلى هجرة من استطاع الإفلات من الأمن التونسي إلى الخارج فيما تولت سياط التعذيب والسجون الانفرادية كتابة فصول مؤلمة من حياة بقية النهضويين في تونس.
  • الحكومة التونسية اتهمت حركة النهضة بالسعي لقلب نظام الحكم واغتيال الرئيس، وتم الحكم على أكثر من 250 من قادة الحركة بأحكام قاسية مثل السجن المؤبد فيما زاد عدد السجناء من الحركة عن ثلاثين ألف معتقل.
تراجع في صدارة المشهد
  • عندما أحرق الشاب التونسي محمد البوعزيزي،مهد الثورة، نفسه ، تهددت أركان نظام زين العابدين بن علي، حيث تسرب الرعب إلى قلب الرئيس الراحل وغادر البلاد، فاتحًا الباب لتونس الثورية لتعيد ترتيب مشهدها.
  • عاد السياسيون من المنافي، ومن بينهم راشد الغنوشي وبدأت حركة النهضة ترتيب أوراقها وسرعان ما تصدرت المشهد السياسي في انتخابات المجلس التأسيسي سنة 2012.
  • الحركة تولت رئاسة الحكومة ما جعلها الطرف الأقوى في نظام المراكز الثلاثة، وذلك بعد أن نالت الترخيص في 2010 أيام حكومة محمد الغنوشي المؤقتة.
  • لم تنل تجربة النهضة في رئاسة الحكومة الرضا الكامل من التونسيين ولا من عناصر النهضة نفسها فقد أدت إلى انشقاقات داخلها.
  • أدت أيضًا إلى تراجعها إلى الرتبة الثانية في نيابيات 2014 بعد حزب نداء تونس الذي تصدر المشهد، كما وقفت بالحياد بين المرشحين منصف المرزوقي والباجي قايد السبسي الذي فاز بالرئاسة.
  • شاركت النهضة في الحكومة التي شكلها الحبيب الصيد في يناير/ كانون الثاني 2015 واستمرت فيها إلى انتخابات 2019، حيث عادت إلى تصدر المشهد السياسي من جديد.
عبد الفتاح مورو نائب رئيس حركة النهضة التونسية
النهضة والإسلام الحداثي
  • النهضة تصنف ضمن دائرة الأحزاب الإسلامية المحسوبة فكريًا على تيار الإخوان المسلمين، ومع ذلك فقد حرصت الحركة على أن تظل محلية الأهداف وأن تقدم نموذجًا “حداثيًا” مختلفًا عن بقية مدارس الإخوان المسلمين في العالم.
  • تطور الخطاب السياسي والفكري لحركة النهضة مع تغيير أسمائها وتعدد مواقفها، ويؤكد بيانها التأسيسي سعيها “للنضال من أجل تحقيق وحدة المغرب العربي كخطوة باتجاه تحقيق الوحدة العربية، فالوحدة الإسلامية وتحرير فلسطين”.
  • رغم أن الحركة أكدت أكثر من مرة أنها ليست ناطقة باسم الإسلام، فقد كان من أبرز أهدافها المحلية كما جاء في وثائقها “إعادة الشخصية الإسلامية لتونس، وتجديد الفكر الإسلامي، والسعي إلى أن تستعيد الجماهير حقها في تقرير مصيرها، وضمان تنمية اقتصادية عادلة”.
بين غضب اليمين واليسار
  • المواقف الحداثية للنهضة جلبت لها كثيرًا من الانتقادات، من اليمين الإسلامي الذي يعتبر أن النهضة حركة علمانية وأنها تفرط بشكل متواصل في كثير من قضايا الإسلام، وخصوصًا قضايا الأحوال الشخصية وحقوق المرأة.
  • تلك القضايا مثلت ميدان جدال واسع بين النهضة وزعامات متعددة من اليمين واليسار، وخصوصًا اليسار التونسي الذي يرى في النهضة إسلامًا متطرفًا رغم ما تدعيه من حداثة.
  • تهتم النهضة بالقراءة المعاصرة للإسلام، واهتم رئيسها راشد الغنوشي بشكل خاص بتأصيل ملف الحريات العامة في صميم خطاب الإسلاميين عبر كتابه “الحريات العامة في الإسلام”.
  • الحركة تعلن أن من مهامها الآن تقديم تمايز وظيفي بين الدعوة والسياسة وأنها لا تحتكر الإسلام ولا تدعي القدرة الوحيدة على تفسيره.
  • يعتقد رئيس الحركة أن النهضة أنقذت تونس من الانهيار وأنها لم تخن الثورة وإنما قامت بحمايتها، وأن ما يسميه البعض تنازلات وتراجعات عن المبادئ لم يكن أكثر من قراءة واعية للمشهد وحماية لتونس من الانزلاق إلى بؤر التوتر التي غرقت فيها بلدان أخرى من الأوطان العربية!
المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة