الجغرافيا السياسية والاستراتيجية الروسية (1)

تعد روسيا أحد أقطاب السياسة العالمية، ومؤثرًا رئيسيًا في التغيرات التي تمر بها المنطقة العربية.

وسنبدأ في الحلقة الأولى باستعراض الجغرافيا السياسة، ثم نتناول في الحلقة الثانية، الاستراتيجية الروسية مع الدول المطلة على البحر الأسود، ونختم في الحلقة الثالثة، بشرح دوافع التدخل الروسي في سوريا، والأهداف الاستراتيجية التي تسعى إليها روسيا في سوريا.

نظرة على الأرض المغلقة

مفتاح فهم الجغرافيا السياسية لروسيا في معرفة أنها أرض مغلقة، لأن وصولها إلى المياه الدافئة ومعابر التجارة العالمية، مرهون بالمرور بممرات ملاحة تتحكم فيها قوى مختلفة.

للروس ثلاث طرق لبلوغ مياه التجارة العالمية
  1. طريق البحر الأسود مرورًا بمضيق البسفور الذي تتحكم به تركيا ويسهل إغلاقه متى ما أراد الأتراك ذلك.
  2. طريق من موانئ سانت بيترسبيرغ مرورًا بالمياه الدنماركية وهذا الثاني يسهل التحكم فيه كذلك.
  3. طريق المتجمد الشمالي الطويل الذي يبدأ من مورمانسك ويمتد إلى ما بين جرين لاند وآيسلندا والمملكة المتحدة.

وفي الحرب الباردة رصدت كل من النرويج واسكتلندا وآيسلندا قوات بحرية تمنع مرور السفن الروسية إلى المحيط الأطلسي.

وعليه فأزمة الروس في الوصول إلى المياه التجارية والممرات المائية الدولية أزمة واقعية وتشكّل هاجسًا دائمًا للإدارة الروسية.

كما أن هذا الانغلاق يشكل عقبات اقتصادية وأمنية وسياسية بالنسبة لها.

طريق من موانئ سانت بيترسبيرغ مرورًا بالمياه الدنماركية
التوزيع السكاني والأرض المهجورة

يعد التوزيع السكاني في أي دولة من العناصر الرئيسة لأمنها واقتصادها، ويجد الناظر للخريطة السكانية في روسيا التي تبلغ مساحتها 17,075,200 كلم مربع، بأن سكانها لا يتوزعون بشكل طبيعي على مساحتها، وإنما تتمركز المجموعات السكانية في روسيا على امتداد الحدود الغربية مع أوربا والحدود الجنوبية مع منطقة القوقاز (وهي المنطقة الواقعة بين البحر الأسود وبحر قزوين) وينحسر الوجود السكاني كلما اتجهنا نحو الشرق، حتى نصل إلى سيبيريا.

المناطق الزراعية والأمن الغذائي

تحتل الأراضي الزراعية مساحات كبيرة في روسيا، بيد أن المناطق الأكثر خصوبة والملائمة للزراعة، توجد في المنطقة الجنوبية وبشكل خاص أكثر في الجنوب الغربي، وهذا ما يجعل من الحدود الروسية مع أوكرانيا والقوقاز وآسيا الوسطى منطقة حيوية ومهمة للغاية.

أضف إلى ذلك وجود العنصر البشري، الذي أشرنا إلى تمركزه في تلك المناطق، وهذا يؤثر بشكل مباشر وحيوي على الإنتاج الزراعي.

وإذا أضفنا إلى أهمية المناطق الجنوبية والغربية مع ما تقدم عنصرَ البنية التحتية وخطوط المواصلات فإن صورة الأهمية لهذه المنطقة بالنسبة لروسيا تغدو في غاية الجلاء والوضوح.

طرق النقل والمواصلات المحدودة

تعد شبكة الخطوط "المواصلات" شريان الحياة الذي يمد الشعب الروسي بالمحاصيل والمنتجات الاستهلاكية والتجارية، وهي ذات أهمية كبيرة، ولكن خطوط النقل والمواصلات تنحصر أيضا مثل العاملين الآخرين اللذين عرفنا بهما، وهما التوزيع السكاني والأمن الغذائي في الغرب والجنوب حيث الجمهوريات السابقة للروس.

كما تبعد هذه الشبكة عن سيبيريا مشكلة بهذا البعد نوعًا من العزلة أو تقليل التواصل بين المناطق الغربية في روسيا وبين شرقها.

كما أن ثمة خطان فقط للمواصلات يربط روسيا الأوربية بروسيا المطلة على البحر.

أضف إلى ذلك أن روسيا تعاني من قلة في الأنهار مما يصعّب النقل الداخلي للبضائع فالمحاصيل الزراعية تحتاج إلى توفر النقل الجيد لتصل إلى السوق والمستهلك وهذا من شأنه خفض الفاعلية الاقتصادية.

ويتلخص لنا مما سبق، أن العمق الاستراتيجي، من حيث التمركز السكاني، والقطاع الزراعي، والبنية التحتيّة التي تشتمل على قطاع المواصلات، تنحصر في المناطق الغربية والجنوبية القريبة من أوربا والقوقاز، أما المنطقة الشرقية لا سيما سيبيريا تقل أهميتها، لقلة العوامل الثلاث فيها وهي: السكان، الزراعة، البنية التحتية.

بيد أن هذا الواقع المائل باتجاه الغرب الروسي يخلق إشكالًا ونقطة ضعف كبرى نشرحها لك فيما يلي.

فقدان روسيا للمنطقة العازلة أمام أوربا

تُعد روسيا إحدى قوى العالم، بيد أنها بطبيعتها تعاني من هشاشة جغرافية في أوقات الحروب، حيث إن طبيعتها السهلية في حدودها مع أوربا تجعل منها أرضًا مكشوفة للعدو ولا يجد القادم إليها من الغرب أي حواجز طبيعية كما هو الحال في الشق الشرقي حيث تحوطها سلسلة جبال الكاربات.

زد على ذلك أن غالب الأنشطة الاقتصادية متاخمة لحدودها المكشوفة وعليه فروسيا في خطر.

بهذا، أصبح من الواضح الآن للقارئ حرص السياسة الروسية على الاتجاه غربًا، إلى ما يليها من دول البلطيق (أوكرانيا وروسيا البيضاء) وأن الضرورات الجغرافية والاستراتيجية تدفعها دفعًا لمد نفوذها نحو الغرب قدر الإمكان، فدول البلطيق تشكل لها عمقًا استراتيجيا مهمًا لتأمين أرضها ولتوسيع الفرص الاقتصادية للبلاد.

ولكن نجاح روسيا في مد حدودها أو نفوذها إلى الغرب، لا ينهي أزمة الأرض المغلقة التي تعاني منها ومحدودية وصولها إلى المياه الدولية والدافئة.

فما هي الاستراتيجية الروسية في معالجة هذه المعضلة؟

في الحلقة القادمة ستتعرف على كيفية تعامل روسيا لتأمين الوصول إلى المعابر المائية.

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة