الإستراتيجية الإيرانية من خلال جغرافيتها.. ضرورات التوسع وعقباته (2)

تمتلك إيران ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم ورابع أكبر منتج في العالم
تمتلك إيران ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم ورابع أكبر منتج في العالم

موقع حقول النفط الإيرانية أمر حاسم في فهم سياسات البلد، لأن النفط يظل أهم صادراته وأكثرها استراتيجية.

ويتم العثور على النفط في ثلاثة مواقع، الجنوب الغربي هي المنطقة الرئيسية، مع وجود رواسب أقل على طول الحدود العراقية في الشمال وواحد بالقرب من قم.
تعد حقول النفط الجنوبية الغربية امتدادًا للتكوين الجيولوجي الذي أنشأ حقول النفط في المنطقة الكردية في شمال العراق، وبالتالي فإن المنطقة الواقعة إلى الشرق من شط العرب لها أهمية بالغة بالنسبة لإيران.

بؤس اقتصادي

تمتلك إيران ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم ورابع أكبر منتج في العالم. لذلك، يتوقع المرء أن تكون واحدة من أغنى الدول في العالم؛ ولكن الأمر ليس كذلك.

تحتل إيران المرتبة 28 من بين أكبر الاقتصادات في العالم، لكنها تحتل المرتبة 71 من حيث نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي (كما توضحه القوة الشرائية). فهي تقارن في مرتبتها المعيشية مع بلدان مثل بيلاروسيا وبنما.
ينصرف جزء من أسباب هذا البؤس الاقتصادي إلى عدم الكفاءة في صناعة النفط الإيرانية، نتيجة للسياسات الحكومية؛ ولكن هناك مشكلة جغرافية أعمق، حيث يوجد في إيران عدد ضخم من السكان يقع معظمهم في جبال وعرة. المناطق الجبلية نادرا ما تكون مزدهرة. تكلفة النقل تجعل تنمية الصناعة صعبة، عادة ما تكون المناطق الجبلية قليلة السكان فقيرة؛ لكن المناطق الجبلية المكتظة بالسكان، أفقر.

تجعل جغرافية إيران وعدد سكانها الكبير من التحسينات الكبيرة في حياتها الاقتصادية مهمة صعبة. على عكس البلدان قليلة السكان والأقل تحديا جغرافيا مثل السعودية والكويت لا يمكن لإيران أن تتمتع بأي تحول عن الضعف الأساسي لاقتصادها بسبب ارتفاع أسعار النفط وزيادة الإنتاج.
يعني عدم وجود سهول صالحة للسكن أن أي منشأة صناعية يجب أن تؤسس في المناطق التي تميل فيها تكلفة البنية التحتية إلى القضاء على الفوائد. يمنع النفط إيران من الغرق بشكل أعمق، لكنها وحدها لا تستطيع إخراج إيران من حالتها.
 

المخطط العريض

إيران قلعة، من الصعب للغاية التغلب على إيران من ثلاثة جوانب حيث تحيط بها الجبال، أما الجهة الرابعة فهي مطلة على المحيط، مع وجود أرض قاحلة في وسطها. وقد تحقق ذلك مرة واحدة من قبل المغول، الذين دخلوا البلاد من الشمال الشرقي. اخترق العثمانيون جبال زاغروس وذهبوا شمال شرق البلاد حتى بحر قزوين، لكنهم لم يحاولوا الانتقال إلى الأراضي الفارسية.

إيران بلد جبلي يبحث عن سهول صالحة للسكن. لا يوجد شيء في الشمال، لا يوجد سوى المزيد من الجبال والصحراء، وفي الشرق الجغرافية مشابهة لها ولا توجد مغريات للتوسع نحو الشرق، حيث لم تعد البنية التحتية لأفغانستان أكثر جاذبية.
إلى الجنوب لا يوجد سوى المحيط. لكن السهول الموجودة في المنطقة تقع في الغرب، حيث العراق الحديث وبلاد ما بين النهرين التاريخية وبابل. إذا تمكنت إيران من السيطرة على هذه السهول، والجمع بينها وبين سكانها، فإنها ستكون أساس القوة الإيرانية.

في الواقع، كانت هذه السهول أساس الإمبراطورية الفارسية. نشأت الفرس في جبال زاغروس كشعب محارب. بنوا إمبراطورية عن طريق غزو السهول في حوض دجلة والفرات. لكنهم فعلوا ذلك ببطء شديد، على مدى فترة ممتدة في وقت لم توجد فيه حدود محددة ولم يواجهوا مقاومة تذكر تجاه الغرب. بينما كان من الصعب على سكان الأراضي المنخفضة مهاجمة الجبال، كان من السهل على سكان الجبال النزول إلى السهول. هذا المزيج من السكان والسهول الخصبة سمحت للفرس بالتوسع.

إن هجوم إيران على الشمال أو الشمال الغربي على القوقاز أمر مستحيل. فقد توقف كل من الروس والأتراك والإيرانيين على طول الخط الحالي في القرن التاسع عشر؛ البلد وعرة للغاية بحيث يمكن قياس سرعة الحركة فيها بالذراع بدلاً من الأميال.

يمكن أن تهاجم إيران شمال شرق تركمانستان، ولكن الأرض هناك صحراء مسطحة ووحشية لا حياة فيها. يمكن للإيرانيين الانتقال شرقًا إلى أفغانستان، لكن هذا سيتضمن المزيد من القتال الجبلي من أجل الحصول على أرض مشكوك في قيمتها.

لكن الهجوم على الغرب، في حوض نهر دجلة والفرات، ثم الانتقال إلى البحر الأبيض المتوسط، سيكون أمرًا ممكنًا. كان هذا هو المسار الذي سلكه الفرس عندما أنشأوا إمبراطوريتهم وتمددوا إلى اليونان ومصر.

من حيث التوسع، مشكلة إيران تكمن في جبالها. فهي فعالة كمنطقة حاوية وتشكيل حصن دفاعي. لكن دعم قوة مهاجمة يحتاج لتقديم الخدمات اللوجستية، ومن المستحيل دفع الإمدادات عبر جبال زاغروس بأعداد كبيرة.
ما لم يتمكن الفرس من احتلال العراق واستغلاله، يصبح التوسع الإضافي أمرًا مستحيلًا. من أجل استغلال العراق، تحتاج إيران إلى درجة عالية من التعاون النشط من العراقيين. وإلا، فبدلاً من تحويل ثروة العراق إلى قوة سياسية وعسكرية خادمة لها، ستتورط إيران في محاولة تهدئة العراقيين والخوف من صولتهم.
 

قلعة حصينة

من أجل التحرك غربًا، ستحتاج إيران إلى تعاون نشط من الدول التي تم فتحها. أي هجوم من داخل إيران سيفشل بسبب التحديات التي تفرضها الجبال في نقل الإمدادات. هذا هو السبب الذي دفع الفرس لخلق نوع الإمبراطورية التي أنشأوها. لقد سمحوا للدول المهزومة بقدر كبير من الحكم الذاتي والاستقلال، واحترام ثقافتهم وتأكدوا من أن هذه الدول استفادت من النظام الإمبراطوري الفارسي. بمجرد مغادرتهم زاغروس، لم يتمكن الفرس من تهدئة الإمبراطورية. كانوا بحاجة إلى الثروة بأقل تكلفة. وهذا هو الحد الأقصى للقوة الفارسية / الإيرانية منذ ذلك الحين.

إن إقامة علاقة مع سكان حوض دجلة والفرات – عراق اليوم – أمر صعب للغاية. في الواقع، خلال معظم التاريخ، كانت هيمنة الإيرانيين على السهول كانت مهمة مستحيلة. لقد استولت قوى إمبريالية أخرى – اليونان وروما والبيزنطيين والعثمانيين والبريطانيين والأمريكيين – على السهول بأنفسهم أو استخدموها كعازل محايد ضد الفرس.

بنفس المنطق الذي يجعل من إيران حصينة أمام القوى الخارجية فإنها تعاني من تكرر السيناريو على مستوى داخلي. تسمح الجبال للدول بحماية نفسها، وتجعل من القضاء تماما على ثقافة أمرًا صعبًا. لذلك، تحتوي معظم المناطق الجبلية في العالم على أعداد كبيرة من المجموعات القومية والإثنية التي تحتفظ بخصائصها الخاصة. هذا أمر شائع في جميع المناطق الجبلية. هذه المجموعات تقاوم الامتصاص والإبادة.

على الرغم من أن الدولة الإسلامية التي يبلغ عدد سكانها من 55 إلى 60% من أصل عرقي فارسي، فإن إيران تنقسم إلى عدد كبير من المجموعات العرقية. وهي مقسمة أيضًا بين الشيعة المهيمنين إلى حد كبير، والأقلية السنية التي تتجمع في ثلاث مناطق من البلاد – الشمال الشرقي والشمال الغربي والجنوب الشرقي.

إن أي قوة أجنبية مهتمة بإيران سوف تستخدم هذه الجماعات الإثنية الدينية لإنشاء حلفاء في إيران لتقويض سلطة الحكومة المركزية.

وبالتالي، فإن أي حكومة فارسية أو إيرانية لها مصلحة استراتيجية أولى وأولية في الحفاظ على السلامة الداخلية للبلاد ضد الجماعات الانفصالية. لذلك، من المحتم أن تتوفر إيران على حكومة مركزية مع جهاز أمني قوي للغاية.

بالنسبة للعديد من البلدان، يعد دمج مجموعاتها العرقية أمرًا مهمًا. وبالنسبة لإيران، فإن الأمر أكثر حتمية، حيث إنها لا تريد التراجع عن خطوطها الحالية وعدم الاستقرار في الداخل يمكن أن يقوض هيكلها الأمني ​​بأكمله. لذلك، ستواجه الحكومة المركزية الإيرانية دائمًا مشكلة التماسك الداخلي وستستخدم جيشها وقواتها الأمنية لهذا الغرض قبل أي شيء آخر.

للاطلاع على الحلقة الأولى يرجى زيارة الرابط التالي:
قلعة حصينة: الاستراتيجية الإيرانية من خلال جغرافيتها (1)

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة