مصر السيسي.. بذخ المؤتمرات والاحتفالات في بلد “الفقراء أوي”

السيسي اشتكى من هاشتاج يطالبه بالرحيل ليتصدر موقع تويتر عالميا في نفس اليوم

لايزال نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مستمرا في إقامة المؤتمرات والاحتفالات الفاخرة، وسط انتقادات من مواطنين وخبراء لتكلفتها العالية واتهامات بعدم جدواها.

كما تأتي إقامة تلك الفعاليات في الوقت الذي يعاني فيه المصريون من قرارات رفع الأسعار المتتالية التي تتخذها السلطات بدعوى وجود أزمة اقتصادية، بالإضافة إلى الانتهاكات العديدة لحقوق الإنسان التي تؤثر على مصداقية النظام محليا ودوليا.

وتتناقض تلك الاحتفالات والمؤتمرات المتواصلة أيضا مع حديث السيسي نفسه الذي اشتكى من قلة الموارد، بعدما وصف المصريين في إحدى خطاباته بأنهم “فقراء أوي (جدا)”.

آخر تلك الفعاليات هي انعقاد “المؤتمر الوطني السادس للشباب” بمقر جامعة القاهرة على مدار يومين (28-29 يوليو/تموز)، وهو مؤتمر يعقد بصورة دورية لمناقشة ما يسمى “قضايا الشباب المصري”.

وقالت وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية الرسمية السبت إن المؤتمر يشهد مشاركة 3000 من شباب الجامعات والشخصيات العامة والبرلمان وأوائل الثانوية العامة ونخبة من رجال الدولة وممثلين عن مختلف المحافظات. وذلك لمناقشة قضايا من بينها “بناء الإنسان المصري” و”تطوير التعليم”.

وأضافت أن تلك السلسلة من المؤتمرات تعكس “اهتمام الرئيس بمد جسور الثقة المتبادلة بين الشباب ورجال الدولة ومسئووليها في مختلف القطاعات”.

وقال المتحدث باسم رئاسة الجمهورية بسام راضي إن “اختيار جامعة القاهرة لانعقاد المؤتمر له دلالته الواضحة التي تؤكد درجة الاهتمام الكبيرة لدى الرئيس السيسي بملف التعليم وقضايا الشباب”، كما اعتبر أن الاختيار يعكس اهتمام السيسي “بعنصري العلم والشباب، وإصراره على تحقيق ما وعد به في خطاب التنصيب، من وضع بناء الإنسان المصري علي رأس أولوياته خلال تلك المرحلة”.

وكانت الفترة الرئاسية الأولى للسيسي قد شهدت إقامة 5 مؤتمرات للشباب من ذلك النوع، بدأت بمؤتمر الشباب في شرم الشيخ نهاية عام ٢٠١٦ ليتقرر بعدها أن يكون دوريا، ليعقد المؤتمر الثاني في أسوان في يناير/كانون الثاني ٢٠١٧، والثالث في محافظة الإسماعيلية في أبريل/نيسان من نفس العام، والرابع في يوليو/تموز 2017.
وقد شهد المؤتمر الخامس توسعا في ضيوفه حتى أطلق عليه “منتدى شباب العالم” في مدينة شرم الشيخ، وشهد حضور الآلاف من الشباب من دول عديدة، وتحدثت تقارير في ذلك الوقت عن البذخ الشديد في الإنفاق على فعاليات المؤتمر والهدايا الفاخرة التي تلقاها المشاركون فيه.

وكشف الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة على حسابه بموقع تويتر أن تكلفة إقامة المؤتمر السادس بمقر الجامعة بلغت 30 مليون جنيه على الأقل، تتضمن تهذيب الأشجار ورصف الطريق ونصب الخيام وبناء قاعات خشبية مكيفة، متسائلا “هل هذا سلوك دولة فقيرة تعيش أزمة اقتصادية”؟

صور مستنسخة

هذه السلسلة من المؤتمرات تستنسخ بعضها بصورة تكاد تكون متطابقة. إذ تشهد حضور السيسي ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب بالإضافة إلى عدد من الوزراء والمحافظين والمسؤولين في الدولة، كما يحضر المؤتمر عدد من الشباب المؤيدين للنظام. وغالبا ما تشهد تلك المؤتمرات عدة ساعات من المناقشات حول موضوعات إنشائية عامة، تتخللها مداخلات مطولة من السيسي، يتحدث فيها عن قضايا عادة ما تكون اقتصادية يبرر فيها السيسي قراراته المستمرة برفع أسعار الخدمات المختلفة، ويخاطب فيها عددا من المسؤولين ليعطيهم عدد من التكليفات بطريقة مسرحية وسط تصفيق الحضور، مثل تكليف رئيس الأركان محمد حجازي بالقضاء على الجماعات المسلحة في سيناء خلال 3 أشهر في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي خلال الاحتفال بذكرى المولد النبوي، وترقية وزير الدفاع محمد زكي أمس السبت إلى رتبة فريق أول، مع تكليف عدد من الشباب بوضع شارة الرتبة الجديدة أمام المشاركين في مؤتمر الشباب.

كما يحرص السيسي في تلك المؤتمرات على الارتجال والخروج عن النص، عبر الحديث عن حياته الشخصية ورواية قصص من ماضيه وإلقاء بعض الدعابات وسط ضحكات الحضور، وهي حكايات عادة ما تثير سخرية المتابعين على مواقع التواصل، منها على سبيل المثال تصريح السيسي أنه قضى 10 سنوات من عمره لا تحتوي ثلاجته فيها سوى على المياه فقط، بالإضافة إلى العشرات من الحكايات والقصص الأخرى التي أصبح المصريون يتندرون بها وتحولت إلى نكات ورسومات ساخرة (كوميكس) يتداولونها فيما بينهم. وفي النهاية يتم إصدار عدد التوصيات والتكليفات لا يلمس المواطنون أي وجود لها على أرض الواقع لتطويها النسيان حتى يأتي موعد المؤتمر الذي يليه.

نتائج عكسية وسخرية

واللافت أن تصريحات السيسي في تلك الفعاليات غالبا ما تأتي بنتائج عكسية، ففي نفس اليوم الذي اشتكى فيه من هاشتاج “ارحل يا سيسي” الذي دشنه نشطاء معارضون ووصل إلى المركز الأول في مصر قبل أسابيع، جاء الرد على مواقع التواصل ليتصدر الهاشتاج الترتيب العالمي لفترة، قبل أن يستمر في المركز الثاني على مستوى العالم لفترة طويلة بعد شكوى السيسي منه.

كما سخر المغردون من حديث السيسي أنه “زعلان” من الهاشتاج الذي يطالبه بالرحيل، مع إبراز تناقض خطابه الأخير مع حديثه عام 2017 عندما تعهد بالرحيل إذا طالبه المصريون بذلك.

كما انتقدوا حديثه عن محاولاته لإخراج البلاد من حالة “العوز” قائلين إن السيسي نفسه هو السبب في حالة العوز بسبب القروض التي تورطت فيها البلاد بعشرات المليارات على مدار السنوات الماضية.

كما تساءل البعض عن السبب الذي يدفع السيسي دائما إلى مخاطبة الجمهور من خلف ظهره وهو جالس بدلا من الوقوف ومخاطبتهم وجها لوجه.

ولم يخل يوم السبت من مفارقات، ففي اليوم الذي حضر فيه مؤتمر عن “الشباب” أصدر القضاء المصري حكما بالسجن لمدة 3 سنوات على 16 من أعضاء رابطة ألتراس أهلاوي بسبب هتافات مناهضة للنظام في إحدى مباريات النادي الأهلي في دوري أبطال أفريقيا لكرة القدم، كما أصدرت محكمة أخرى في نفس اليوم قرارا بإحالة 75 من معارضي الانقلاب، عدد كبير منهم من الشباب، ومنهم أسامة ياسين وزير الشباب في عهد مرسي إلى المفتي لإبداء الرأي في إعدامهم، وهو ما يضرب مصداقية تلك المؤتمرات خاصة مع وجود أكثر من 60 ألف معتقل في السجون المصرية معظمهم من الشباب.

احتفالات بكل شيء 

أما عن الاحتفالات التي أقامها السيسي منذ أصبح رئيسا فأكثر من أن تحصى، وهي على ما يبدو مرتبطة بالطابع الاحتفالي أصلا الذي ارتبط بمظاهرات الثلاثين من يونيو عام 2013، وكذلك مظاهرات جمعة “التفويض” في 26 يوليو من نفس العام، والاحتفالات ووصلات الرقص التي طبعت الفعاليات الانتخابية منذ الانقلاب، بدءا من الاستفتاء على دستور 2014 مرورا بالانتخابات الرئاسية عامي 2014 و2018.

وبعدما أصبح السيسي رئيسا تفنن في إقامة الاحتفالات بذرائع شتى، فهناك احتفالات بتدشين العمل في المشروعات التي يعلن عنها، واحتفالات أثناء العمل فيها، واحتفالات أخرى بانتهاء العمل وتسليم المشروعات التي تصاحبها دعاية إعلامية تحتوي على مبالغات وأخبار كاذبة، كما أن بعض تلك المشروعات قديمة أو تم افتتاحها من قبل، مثل المشروع الأخير الذي احتفل به السيسي والخاص بمحطة لطاقة الرياح، والتي زعمت صحف مصرية أنها الأكبر في العالم على خلاف الحقيقة، كما أن تاريخ التخطيط للمشروع يعود إلى أواخر عام 2010، وسبق لوزارة الكهرباء أن افتتحته في نوفمبر/تشرين الثاني، وفقا لما كشف عنه موقع عربي بوست.

ويحرص نظام السيسي دائما على ربط إنجاز تلك المشروعات بالاحتفال، مثل شعار “مصر بتفرح” الذي تم الترويج له عند افتتاح قناة السويس الجديدة.

كما يتضح من خلال تلك الاحتفالات اهتمام السيسي بالحديث دائما عن وجود مشروعات، لدرجة أنه أعلن الانتهاء من إقامة 11 ألف مشروع خلال 4 سنوات بمعدل 3 مشروعات في اليوم الواحد، وهو ما أثار سخرية واسعة بسبب عدم منطقية ذلك الرقم، لأن حاصل ضرب 3 مشروعات في اليوم الواحد خلال 4 سنوات هو 4500 مشروع.

أيضا أثيرت تساؤلات عن طبيعة تلك المشروعات التي تقام في هذا الوقت القياسي. وقد كشف الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق أن جانباً كبيراً من تلك المشروعات تتضمن أشياء مثل “تطوير بوابات تحصيل الرسوم بطريق القاهرة – الإسكندرية، إنشاء بوابة لمدينة العلمين، إنشاء بوابة لمدينة 6 أكتوبر، افتتاح تطوير حديقة الأسرة” وهي إجراءات صغيرة لا ترقى لاعتبارها مشروعات.

المصدر : الجزيرة مباشر + وكالات