دول الحصار تكرّس “دبلوماسية القرصنة” خلال العام الأول من الأزمة

وزراء خارجية دول حصار قطر خلال اجتماعهم بالقاهرة مطلع شهر يوليو - أرشيفية
وزراء خارجية دول حصار قطر خلال اجتماعهم بالقاهرة مطلع شهر يوليو - أرشيفية

تحل في هذه الأيام الذكرى الأولى للحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين ومصر على دولة قطر منذ 5 من يونيو/ حزيران 2017.

وقد تضمنت إجراءات دول الحصار قطع العلاقات مع دولة قطر، وإغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية معها، وتحريض دول أخرى على قطع العلاقات، بالإضافة إلى حملة تحريض وتشويه إعلامي محلية وإقليمية ودولية، وقطع الأرحام بين العائلات المشتركة التي تقطعت أوصالها.

بدأ الحصار تتويجا لنحو أسبوعين من الهجوم الإعلامي غير المسبوق من دول الحصار تجاه دولة قطر، بعد قرصنة موقع وكالة الأنباء القطرية وبث تصريحات مفبركة على لسان أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. وقد كشفت دولة قطر بالأدلة على تورط دول الحصار في تلك القرصنة، وكان آخر تلك الأدلة ما كشف عنه برنامج “ما خفي أعظم” بعنوان “ليلة القرصنة”.

لكن نظرة فاحصة في سياسة دول الحصار خلال العام الأول منه، تكشف أن “دبلوماسية القرصنة” كانت حاضرة بقوة في تعاملات دول الحصار مع عدة قضايا في الخليج والعالم وفي علاقاتها الدولية، وقد اتخذت دبلوماسية القرصنة عدة أشكال يمكن تلخيصها في المحاور التالية:

أولا: القرصنة التقنية

هي الصورة الأوضح لفعل القرصنة، وقد بدأت كما ذكر سابقا بقرصنة موقع وكالة الأنباء القطرية، بالإضافة إلى حساب الوكالة على تويتر ويوتيوب، وكشف تحقيق الجزيرة أن خلية قرصنة وكالة الأنباء القطرية “قنا” عملت من داخل وزارة سيادية في العاصمة السعودية الرياض، وأن تلك الخلية هي التي قامت بنشر الأخبار المفبركة المنسوبة إلى أمير دولة قطر.

أما جوانب القرصنة التقنية الأخرى التي اتبعتها دول الحصار، فهي استعانتها بجيش من الحسابات الإلكترونية الوهمية، أو ما بات يعرف بـ”الذباب الإلكتروني” وإحدى مهامه هي قرصنة واختراق الحسابات المعارضة على مواقع التواصل الاجتماعي، والقيام بحملات للإبلاغ عن تلك الحسابات لإغلاقها، وكان حساب ياسر أبو هلالة، مدير قناة الجزيرة السابق، أبرز الحسابات التي تعرضت للاختراق خلال العام الأول من الحصار، فضلا عن عشرات الحسابات الأخرى. كما تعرض حساب قناة الجزيرة الإخبارية على تويتر للإيقاف المؤقت لمدة 3 ساعات في يونيو/ حزيران من العام الماضي نتيجة حملة بلاغات منظمة قامت بها الجيوش الإلكترونية لدول الحصار.

ثانيا: القرصنة الإعلامية

لم تكتف دول الحصار بالقرصنة التقنية، بل قامت بقرصنة بث قناة “بي إن سبورت” عبر أجهزة استقبال أطلقت عليها اسم “بي أوت” وسط احتفاء مسؤولين سعوديين بهذه القرصنة وقيامهم بحملة دعاية لها، قبل أن يحاولوا التبرؤ منها والادعاء أن “بي أوت” شركة مقرها دولة كوبا، وأن السعودية لا علاقة لها بها، لكن سماح السلطات السعودية لأجهزة “بي أوت” بالتوزيع على المواطنين السعوديين يكشف عن تخطيط ودعم واضح من السلطات لهذه القرصنة. كما توصل تحقيق لنيويورك تايمز في مايو/ أيار الماضي إلى أن إشارة “بي أوت” تعود إلى القمر الصناعي “عرب سات” ومقره الرياض.

ثالثا: القرصنة السياسية

جانب آخر ظهرت فيه دبلوماسية القرصنة لدول الحصار، وهو قرصنة فعلية عبر اختطاف وإخفاء عدد من الشخصيات السياسية وعزلها عن العالم. وتعد حادثة اختطاف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، والشيخ عبد الله بن علي آل ثاني أبرز تجليات تلك السياسة.

بدأ احتجاز سعد الحريري منذ وصوله إلى المملكة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، ومع قيامه بإعلان استقالته بشكل مفاجئ من منصبه رئيسا للحكومة اللبنانية في خطاب متلفز من الرياض، قائلا إنه يخشى التعرض للاغتيال، وإنه يشعر بوجود دولة داخل الدولة، في إشارة إلى حزب الله اللبناني، وإن إيران تسيطر على المنطقة ولديها “رغبة جامحة في تدمير العالم العربي”. وقد أثار الخطاب أزمة دبلوماسية بين السعودية ولبنان التي طالبت بعودة الحريري أولا قبل البت في استقالته، قبل أن يتضح مع مرور الوقت أنه محتجز ولا يستطيع المغادرة. وقد كشفت وكالة رويترز في تحقيق لها بعد أيام من الاستقالة عن مصادرة هاتف الحريري وأنه أجبر على تلاوة بيان الاستقالة، وأن الرياض تخطط لأن يحل شقيقه الأكبر بهاء محله. وقد ألمحت فرنسا في ذلك الوقت إلى احتجاز الحريري بعدما أعربت عن تمنياتها بأن “يحصل سعد الحريري على كامل حريته في التحرك ويكون قادرا بشكل كامل على القيام بدوره الحيوي في لبنان”.

وقد حاولت السعودية نفي احتجاز الحريري، فقامت ببث لقطات للقائه مع الملك سلمان، كما قامت بتسفيره إلى أبو ظبي للقاء الأمير محمد بن زايد، وقامت بعرض لقاء تلفزيوني له بدا خلاله مرتبكا، قبل أن تنجح جهود دبلوماسية قامت بها فرنسا في إطلاق سراحه والسماح بعودته إلى لبنان التي أعلن منها تراجعه عن الاستقالة ملمحا إلى أنه أعلنها على غير رغبة منه، وقد كشف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رسميا قبل أيام عن أن السعودية احتجزت الحريري بالفعل وأن بلاده نجحت في تجنيب لبنان والمنطقة حرباً بسبب الخطوة السعودية.

أما الشيخ عبد الله بن علي آل ثاني، فقد ظهر للمرة الأولى في 16 من أغسطس/ آب من العام الماضي، خلال لقاء مع ولي العهد السعودي، وادعت وكالة الأنباء السعودية أن اللقاء تناول السماح للحجاج القطريين بالدخول لأداء مناسك الحج. كما ظهر في لقاء آخر مع الملك سلمان قيل إنه لمناقشة الموضوع نفسه. لتعلن السعودية بعد ذلك موافقتها على دخول الحجاج القطريين عبر منفذ “سلوى” البري بين قطر والمملكة، وحرصت السعودية على تأكيد أن تلك الموافقة جاءت بناء على وساطة الشيخ عبد الله، رغم نفي الدوحة ذلك وتأكيدها أن زيارة الشيخ عبد الله للسعودية كانت لأسباب شخصية. ووصلت القرصنة إلى درجة تدشين حساب باسم الشيخ عبد الله على موقع تويتر، لكتابة تغريدات تهاجم دولة قطر وسياستها، وكانت التغريدة الأخيرة المنشورة عبر الحساب المنسوب له في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، قبل أن تبدأ أخباره في الاختفاء مع مرور الوقت في إعلام دول الحصار، حتى يناير/ كانون الثاني الماضي، عندما ظهر في مقطع فيديو أكد خلاله أنه محتجز في أبو ظبي لدى الشيخ محمد بن زايد، محملا إياه المسؤولية عن أي مكروه قد يحدث له، وأن قطر بريئة من ذلك. كما ظهر مقطع صوتي آخر للشيخ عبد الله كشف فيه عن محاولته الانتحار بسبب الضغوط التي تعرض لها في أبو ظبي. وأن سبب الأزمة هو طمع دول الحصار في ثروة قطر، داعيا الشعب القطري إلى التمسك بقيادته والمحافظة عليها. واصفا الأمير محمد بن سلمان بأنه “مخادع”. لتسارع الإمارات بعد هذين التسجيلين بإطلاق سراحه ليستقر في الكويت.

أما فيما يتعلق بالملف اليمني، فقد ألمح وزير الدولة اليمني صلاح الصيادي في مارس/ آذار الماضي إلى احتجاز الرئيس عبد ربه منصور هادي في الرياض، مؤكدا أن الأخير لا يستطيع العودة إلى عدن، داعيا المواطنين بالتظاهر للمطالبة بعودته، مقارنا بين حالة هادي وحالة سعد الحريري. كما أكد عبد العزيز جباري نائب رئيس الوزراء اليمني إن الرئيس اليمني لا يستطيع العودة إلى عدن، متمنيا أن “يعامل باحترام” مضيفا “يجب تصحيح علاقتنا مع التحالف العربي لكيلا تكون علاقة تبعية” في إشارة إلى العلاقة مع السعودية. من دون أن يوضح مزيدا من التفاصيل.

لم تقتصر القرصنة السياسية على الشخصيات السياسية فقط بل تعدتها إلى شخصيات أخرى، فقد احتجزت السلطات السعودية رجل الأعمال الأردني السعودي صبيح المصري وأخضعته بعد إطلاق سراحه لما يشبه الإقامة الجبرية بالرياض في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، قبل أن يتم السماح له بالمغادرة بعد أيام، وقالت مصادر لرويترز إن المصري أفرج عنه بعد موافقته على تسوية مالية. ونقلت الوكالة عن مصادر سياسية أردنية قولها إن احتجاز المصري ربما كان بهدف الضغط على الملك عبد الله الثاني لإثنائه عن حضور القمة الإسلامية التي عقدت في إسطنبول لبحث قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن القدس.

أما الإمارات فكان لها نصيب من القرصنة السياسية، بعد احتجازها الفريق أحمد شفيق رئيس الوزراء المصري الأسبق والمرشح الخاسر في انتخابات الرئاسة عام 2012، عقب إعلانه الترشح للانتخابات التي أجريت في مارس/ آذار الماضي. فقد كشف شفيق في تسجيل مرئي عن منعه من مغادرة الإمارات رغم طلبه ذلك أكثر من مرة لبدء حملته الانتخابية، فما كان من السلطات الإماراتية إلا أن قامت بترحيله قسرا إلى مصر، لتقوم السلطات المصرية بالتحفظ عليه في أحد الفنادق، ليعلن بعدها تراجعه عن خوض السباق الانتخابي.

رابعا: قرصنة التاريخ والجغرافيا والثقافة

في إطار محاولتها صناعة هوية تاريخية وثقافية خاصة بها، قامت دولة الإمارات بالعديد من الإجراءات المثيرة للجدل، والتي وصفت بأنها “سرقة” لتاريخ دول أخرى ونسبته لنفسها. وكان مسلسل “المهلب بن أبي صفرة” الذي ادعى أن المهلب أصله إماراتي أحدث تلك الخطوات التي أثارت أزمة بين الإمارات وعمان، كون المهلب عمانيا.

لم تكن تلك الشخصية فقط هي التي حاولت الإمارات سرقتها ونسبتها إليها، فقد سبقت ذلك بالادعاء أن البحار “أحمد بن ماجد” إماراتي، كما ادعى أحد الباحثين أن عنترة بن شداد ينحدر من منطقة ليوا في الإمارات، كما احتفت الدوائر الرسمية الإماراتية بباحث آخر ادعى أن اللهجة الإماراتية هي لغة العرب قبل 15 قرنا. واحتفت أيضا بباحثة إماراتية ادعت أن مشروب الكابتشينو أصله إماراتي. كما اعتبر الشيخ وسيم يوسف أن اللهجة الإماراتية تعود إلى القرآن الكريم. وسبق لحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن قال إن الإماراتيين هم من قاموا بمقاومة البرتغاليين وهزيمتهم عام 1506، رغم أن العمانيين هم من قاموا بذلك.

قرصنة التاريخ امتدت أيضا إلى قرصنة الجغرافيا، فقد قام متحف اللوفر في أبو ظبي بعرض خريطة لدول الخليج بعد إزالة دولة قطر منها بشكل كامل، وهو ما اضطر إدارة المتحف إلى التراجع وإزالة الخريطة بعد الاعتراضات القوية التي واجهتها، مبررة ذلك بأنه “خطأ تم تداركه”. لكن “الخطأ” استمر بعد ذلك فيما يتعلق بسلطنة عمان، إذ قام المتحف بعرض خريطة للسلطنة بعد اقتطاع أجزاء منها وضمها إلى الإمارات، وهو ما أثار غضب العمانيين.

وقد أثار متحف اللوفر أبو ظبي نفسه الجدل بعد اتهامات له بعرض المئات من الآثار المسروقة من عدة دول عربية وأفريقية، وقالت “الحملة الدولية لمقاطعة الإمارات العربية المتحدة” إنه تم بيع جزء من هذه الآثار المسروقة لأبو ظبي عن طريق عصابات تهريب الآثار ذات العلاقة مع بعض الجماعات الإرهابية.

ويثور من وقت لآخر جدل حول قيام الإمارات بمحاولة نسبة عدد من الفنون والتقاليد الثقافية إليها بدلا من سلطنة عمان، مثل “الهبوت” وفن “العازي” والحلوى العمانية التي أصبحت “إماراتية” في صحف وفضائيات أبو ظبي.

كما مهدت الإمارات لاحتلال جزيرة سقطري اليمنية بادعاءات مفادها أن سكان الجزيرة أصولهم إماراتية، وهو ما أثار غضب شيوخ الجزيرة الذين انتفضوا في وجه القوات الإماراتية وأجبروها على المغادرة.

ولا ينفك المسؤولون الإماراتيون يتحدثون عن تاريخ الإمارات الذي يعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد، وعن أنها كانت مهدا للحضارات القديمة ومركزا من مراكز العالم. إذ أعلن عن مبادرة “دبي قبل الميلاد” بهدف “إبراز تاريخ دبي الحضاري” وقال باحث مشارك في المبادرة إن الإمارة شهدت مرور العديد من الحضارات منها الحضارة الفرعونية!

خامسا: قرصنة الإنجازات

حاولت دول الحصار أن تنسب لنفسها إنجازات لم تقم بها، فبعد قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) رفع الإيقاف عن الرياضة الكويتية، حاول المسؤولون السعوديون والإعلام السعودي أن ينسبوا لهم وحدهم الفضل في ذلك القرار، وأن الوساطة السعودية فقط هي التي قادت لحل المشكلة، فظهر تركي آل الشيخ رئيس الهيئة العامة للرياضة السعودية متحدثا عن مجهوداته لحل الأزمة، وتحدث الإعلام السعودي عن “مسيرة” آل الشيخ لرفع الإيقاف عن الرياضة الكويتية، رغم قيام المسؤولين الكويتيين بتوجيه الشكر إلى دولة قطر على مساهمتها الفعالة في ذلك القرار بعد مجهودات قام بها المسؤولون القطريون، وقيام الدوحة بالتنازل عن تنظيم بطولة كأس الخليج الأخيرة للكويت.

وفي يوليو/تموز 2017 اندلعت اشتباكات بين المحتجين الفلسطينيين وقوات الاحتلال بعد أن شرعت الأخيرة في تركيب بوابات إلكترونية لتفتيش المصلين، قبل أن تتراجع عن قرارها بعد موجة الغضب الفلسطينية، إلا أن السعودية لم تترك الفرصة تمر إلا وادعت أن التراجع الإسرائيلي كان بسبب تدخل الملك سلمان واتصالاته بقادة دول العالم، وأن هذه الاتصالات تكللت بالنجاح بتراجع إسرائيل عن القرار. وأطلق مغردون سعوديون وسم “الأقصى في قلب سلمان” لتأكيد ذلك الادعاء. وزعم موقع “إيلاف” السعودي أن تراجع إسرائيل جاء بعد تدخل العاهل السعودي عبر الولايات المتحدة، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعهد للسعودية بعدم المساس بالوضع الراهن للأقصى.

وحتى عندما حاولت السعودية تقديم الشيخ عبد الله بن علي آل ثاني باعتباره شخصية لها اعتبارها، فإنها قدمت الأمر وكأنه إنجاز يحسب لها وللملك السلمان، رغم أن السماح للحجاج يعد أمرا طبيعيا لا يستحق الاحتفاء. وقد اتضح بعد ذلك أن الأمر غير صحيح، فلم يتم السماح للحجاج القطريين بالدخول، نظرا لعدم وجود تنسيق بين سلطات البلدين بسبب الحصار.

وبعد إعلان ترمب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، تدخلت دول أوربية وأقنعت الرئيس الأمريكي بتأجيل قراره لبعض الوقت، فما كان من مغردين سعوديين إلا أن زعموا أن قرار التأجيل جاء بسبب تدخل السعودية وقيامها بالضغط على ترمب ليقرر التأجيل.

سادسا: القرصنة البحرية

في يناير/ كانون الثاني الماضي اختطفت السلطات الإماراتية قارب صيد قطري من داخل المنطقة الاقتصادية القطرية، واصطحبته إلى المياه الإقليمية الإماراتية بالقوة. واعتبرت قطر الحادثة “جريمة خطف مكتملة الأركان” وتقدمت بشكوى في هذا الشأن إلى مجلس الأمن. لكن المقاربة الأكثر وضوحا تشير إلى أن ذلك الحادث إنما يدل على جانب من جوانب دبلوماسية القرصنة لدول الحصار بعد أن وصلت إلى القرصنة الفعلية التي كانت سائدة في البحار أثناء القرون الوسطى.

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة