الاقتصاد المصري في “الكتاب الأسود لانقلاب العسكري” (3)

تحدث الكتاب الأسود الذي دشنه نواب برلمانيون سابقون ويوثق لسياسات نظام الانقلاب العسكري الذي يحكم البلاد منذ يوليو/ تموز 2013، عن السياسة التجارية، وسياسة الاستثمار، وسياسة التوظيف.

وفيما يخص السياسة التجارية، اتجهت حكومات الانقلاب لاتخاذ مجموعة من القرارات والإجراءات كان من أبرزها ترشيد الاستيراد بهدف تقليل العجز بالميزان التجاري، وبسبب العجز عن توفير العملات الصعبة للمستوردين، لكن ذلك أدى إلى تراجع معدلات الإنتاج في العديد من القطاعات الإنتاجية، بسبب هيكل الواردات المصرية، الذي تمثل العدد والآلات ومستلزمات إنتاج حوالي 75% منه.
كما أن الميزة التي عولت عليها الحكومة من قرارها بتخفيض قيمة الجنيه المصري، وهي تحقيق زيادة في الصادرات، لم تتحقق بسبب اعتماد الصناعات المصرية على مستلزمات إنتاج مستوردة بنسبة كبيرة، ولن تتحقق هذه المعادلة باستفادة الصادرات السلعية من تخفيض قيمة الجنيه، إلا إذا تم توفير مستلزمات الإنتاج من السوق المحلية، وأن يكون هناك قاعدة إنتاجية مرنة يمكنها اقتناص هذه الميزة، ولكن هذا لم يتحقق للأسف.

سياسة الاستثمار:

عوّلت حكومات ما بعد الانقلاب العسكري بشكل كبير على جذب الاستثمارات الأجنبية، في حين أن مصر افتقدت أهم مقومات جذب الاستثمار، ومنها افتقاد مصر لتقديم الطاقة المدعومة أو الرخيصة، إذ حيث أصبحت الصناعة في مصر الآن تحصل على الطاقة بأسعار السوق العالمي، كما أن تكلفة الاقتراض من الجهاز المصرفي المصري في ارتفاع مستمر، ومن جانب آخر لا زالت مصر تفتقد لتوفير العمالة الماهرة، وإن كانت تمتلك اليد العاملة الرخيصة، لكنها تفتقد للإنتاجية العالية.

ومن الجدير بالذكر أن تجربة مصر في الاستثمار الأجنبي المباشر، لم تطور الصادرات، أو تغير من هيكل الناتج الإجمالي، أو تساهم بشكل كبير في زيادة العمالة، حيث تشير بيانات البنك المركزي المصري، إلى أن نحو 67% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر تأتي في قطاع استخراج النفط، وهو قطاع كثيف رأس المال ولا يؤدي إلى خلق فرص عمل تناسب السوق المصري، فضلاً عن أن الاستثمارات الأجنبية أتت لتنافس بل ولتحتكر العديد من السلع في السوق المصرية، مثل سوق السلع الغذائية والدواء والمنظفات الصناعية، وكذلك تجارة التجزئة.

أما ما يتعلق بالاستثمار المحلي، فالمستثمرون يعانون مجموعة من المشكلات مثل ارتفاع معدلات التضخم، وعجز المشترين عن الشراء بكميات تساعد على زيادة الإنتاج، كذلك عجز المستثمرين عن زيادة أجور العمال، كما أدى ارتفاع سعر الفائدة بشكل كبير إلى تحجيم حركة الاستثمار في كافة المجالات سواء الخدمية منها أو الإنتاجية.

 سياسة التوظيف:

أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن انخفاض معدل البطالة ليصل إلى 12% خلال الربع الثالث من عام 2016/2017، وذلك بعد أن كانت بحدود 12.4% خلال الربع الثاني من نفس العام، وأرجع الجهاز هذا الانخفاض في معدل البطالة إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث إلى 3.9% مقابل 3.8%  في الربع الثاني، وهو ما يعني أن الزيادة المتحققة في الناتج بين الفترتين بحدود 0.1% وهي نسبة لا يمكن أن تؤدي إلى تخفيض معدل البطالة بنحو 0.4%  وفق المعايير الاقتصادية المتعارف عليها، فالأدبيات الاقتصادية تشير إلى أن زيادة معدل النمو للناتج المحلي بنسبة 1 % تؤدي إلى تخفيض البطالة بنحو0.3.%

إذا نحن أمام تزييف للبيانات الاقتصادية، وتصديرها في إطار سياسي، ما يفقد الثقة في البيانات التي يصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ومـع تحديات مشـــكـــلة البطالة، فإن العمالة المصرية تعاني من مشكلة أكبر هي عدم تناسب الأجور مع الأسعار، ففي الوقت الذي تزيد فيه الأسعار بنسبة تصل إلى30% سنويًا، نجد أن الأجور في أحسن الأحوال تزيد بنحو10%، وكثير من العاملين في القطاع الخاص غير المنظم (الذي يمثل نحو72% من سوق العمل بمصر( لا يستفيدون بهذه الزيادة على الرغم من انخفاضها.

ومن عجب ممارسة قائد الانقلاب العسكري في مصر، أنه دائم المطالبة للفئات الفقيرة، ومن بينهم الموظفون والعمال بالتبرع ببعض الأموال لصالح تمويل المشروعات العامة، أو مشروعات النهوض بالقرى الأشد فقرًا في مصر، في حين أن الضرائب المحصلة من رواتب العاملين سواء بالقطاع العام أو الخاص تصل إلى نحو32 مليار جنيه سنويًا، وهي قيمة تقترب من المبالغ التي تدفعها شركات المساهمة (قطاع عام + قطاع خاص على أرباحها، وهو ما يشير إلى خلل هيكل الضرائب في مصر، وافتقاد النظام الضريبي للعدالة الضريبة.

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة