الاقتصاد المصري في “الكتاب الأسود للانقلاب العسكري” (2)

البنك المركزي المصري
البنك المركزي المصري

دشن برلمانيون مصريون سابقون ما سموه “الكتاب الأسود”، الذي قالوا إنه يوثق لسياسات وقرارات نظام الانقلاب العسكري الذي يحكم البلاد منذ الثالث من يوليو/تموز 2013 في مختلف المجالات.

وفيما يخص السياسة المالية ذكر الكتاب اتجاه الدين العام لمزيد من الارتفاع خلال الفترة القادمة، في ظل غياب برنامج للحد من قيمته، أو توفر بدائل غير التمويل بالدين. ويترتب على هذه السياسة زيادة أعباء الدين، والحد من قدرة واضع الموازنة العامة على تحديد مخصصات تفي باحتياجات الناس في مجالات التعليم والصحة والبنية الأساسية.

وسوف يؤدي اتجاه الحكومة لفرض ضرائب جديدة -بحسب الكتاب- أبرزها ضريبة القيمة المضافة، وفرض ضرائب على تعاملات البورصة، إلى تحميل المنتجين بتكاليف جديدة، تحد من قدراتهم على المنافسة في السوقين المحلي والعالمي، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج من جوانب مختلفة، كما أن سياسة زيادة الأعباء الضريبية في ظل الركود الذي يعاني منه الاقتصاد المصري، تؤدي إلى مزيد من خروج المستثمرين، سواء المواطنين أو الأجانب.

وفي الوقت الذي تتجه فيه الحكومة لفرض أعباء ضرائبية جديدة، سنّت تشريعًا جديدًا للاستثمار يعطي إعفاءات عدة للمناطق الحرة، وكذلك الاستثمار في مناطق القرى الأشد فقرًا، وتظهر التجربة أن المناطق الحرة، والمناطق ذات الطبيعة الخاصة منذ إنشائها في مصر لم تؤد إلى زيادة استثمارات، أو وجود تحسن في الناتج المحلي الإجمالي، وظلت  مجرد مناطق للتخزين وتهريب البضائع المستوردة للسوق المحلي، بحسب معدّي الكتاب.

السياسة النقدية:

ما يؤسف له، بحسب الكتاب، أن السياسة النقدية، والبنك المركزي على وجه التحديد، هو من قاد السياسة الاقتصادية في مصر منفردًا، دون أدنى تنسيق مع باقي مكونات السياسة الاقتصادية، فتم تعويم سعرالجنيه، في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، بشكل مفاجئ ودون ترتيبات؛ ما أدى إلى قفزات كبيرة في قيمة الدولار أمام الجنيه، وهو ما استرعى انتباه خبراء صندوق النقد الدولي، الذين صرحوا بأنهم لم يتوقعوا أن ينهار الجنيه بهذه الطريقة في ظل التعويم، وكانت تقديراتهم تدور بحدود سعر من 13 – 14 جنيهًا للدولار، بينما تجاوز السعر في السوق الرسمية والسوداء 18 جنيهًا للدولار، وتكاد تكون مستقرة عند 17.75 جنيهًا للدولار منذ شهرين، وترتـــــــب عــلى تخفــــيض قيمة الجنيه، ارتفاع معدلات التضخم بشكل كبير، أدى إلى تصدع الوضع الاجتماعي بمصر خلال الفترة الماضية؛ وتسبب في مشكلات اجتماعية، مثل زيادة حالات الانتحار، هربًا من الالتزامات المادية، وغيرها.

وفي الوقت نفسه الذي تزيد فيه أعباء تكاليف الحياة على الأسر، لم تتوقف الحكومة عن رفع أسعار الخدمات والسلع العامة، مثل مياه الشرب، والغاز الطبيعي، والوقود، وكذلك العديد من الخدمات المتعلقة بالمستندات الشخصية مثل تراخيص السيارات أو استخراج شهادات الميلاد أو جواز السفر.

والغريب أن البنك المركزي عند اتخاذ قراره بتعويم الجنيه، لم يُعد خطة مع الحكومة لمواجهة التداعيات السلبية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، فيما لم يتم التنسيق مع المنتجين أو المستوردين، ما أدى إلى زيادة ارتفاع تكاليف الإنتاج.

 وركز البنك المركزي على تحقيق نتيجة إيجابية واحدة، وهي تخفيف حدة أثر السوق السوداء على سعر الصرف (على الرغم من تعويم الجنيه واقترابه بنسبة كبيرة من أسعار السوق السوداء، إلا أن هذه السوق ما زالت تعمل؛ نظرًا لأن الجهاز المصرفي لا يزال يقوم بتوفير العملات الصعبة لفئات محمودة من المستثمرين والمستوردين)، ولكنه فشل في زيادة موارد مصر الدولارية من مصادرها التقليدية مثل السياحة أو تحويلات العاملين بالخارج، أوعوائد قناة السويس، أو الصادرات السلعية، بل العكس هو ما حدث، إذ تراجعت إيرادات هذه المصادر بشكل ملحوظ.

واتخذ البنك المركزي قرارًا برفع سعر الفائدة استجابة لتوصيات بعثة صندوق النقد الدولي للحصول على الشريحة الثانية من قرض الصندوق لمصر والمقدر بـ 12 مليار دولار، ما جعل سعر الإقراض بالبنوك يقترب من 18% وهو القرار الذي قوبل بالرفض من قبل مجتمع الأعمال لما له من دلالات سلبية تتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج، وزيادة أعباءالدين الحكومي، فالحكومة تعد أكبر مقترض من الجهاز المصرفي، للوفاء باحتياجات عجز الموازنة.

 وقد وصل سعر الفائدة على أذون الخزانة 19.2%، وحسب التقديرات فإن زيادة نسبة الفائدة بالبنوك بمقدار 1% يؤدي إلى زيادة أعباء الدين العام بنحو 16 مليار جنيه، أي أن قرارات البنك المركزي سوف تزيد أعباء الدين المحلي للحكومة بنحو 32 مليار جنيه، وهو ما جعل تقديرات الحكومة حول العجز بالموازنة مجرد أحلام، تعجز الحكومة عن إنزالها على أرض الواقع.

المصدر : الجزيرة مباشر