تساؤلات حول صفقة الغاز المصرية الإسرائيلية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سبتمبر 2017
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سبتمبر 2017

أثارت صفقة الغاز المصرية الإسرائيلية تساؤلات عديدة لم تجد إجابة حتى الآن، ولا يبدو أن لها إجابة في الأفق المنظور.

التبرير الصادر من السيسي نفسه، تمثل في تصريحه اليوم الأربعاء إن الحكومة ليست طرفا في الصفقة، وأن القطاع الخاص هو من وقع الاتفاقية، مضيفا “إحنا جبنا جول في صفقة استيراد الغاز من إسرائيل”.

كان هذا التبرير واحدا من المبررات التي عملت عليها اللجان الإلكترونية التابعة للنظام المصري طوال اليومين السابقين، وهو نفس التبرير الذي قيل في صفقة تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل في عهد المخلوع مبارك، وهو ما اتضح كذبه بعد ذلك، وتضررت مصر من ذلك الاتفاق بعد أن باعت الغاز لإسرائيل بسعر متدن قياسا للأسعار العالمية في ذلك الوقت، وحوكم مبارك ووزير البترول في عهده “سامح فهمي” على تلك الصفقة.

وكشفت حيثيات حكم المحكمة في القضية، أن شركة “غاز المتوسط” المملوكة لحسين سالم مملوكة لجهاز المخابرات العامة المصرية، وأن تصدير الغاز لإسرائيل كان بسبب حاجة الجهاز إلى مصروفات للإنفاق. كما حدث أيضا في “اتفاقية الكويز” التي نصت على ضرورة وجود مكون إسرائيلي في الملابس المصرية والأردنية المصدرة إلى الولايات المتحدة، فرغم أن الموضوع قامت به شركات خاصة، إلا أنه استلزم اتفاقا رسميا بين 4 دول لإتمامه، وهو ما حدث في صفقة الغاز الأخيرة، إذ لا ينفصل عمل الشركات الخاصة عن سياسة الدولة، فهي مجرد منفذ لها.

 كما أن السيسي نفسه كان قد صدق على قانون “تنظيم أنشطة سوق الغاز” في أغسطس/ آب 2017، تضمن إنشاء جهاز لتنظيم سوق الغاز تقع ضمن صلاحياته منح رخص للشركات الخاصة من أجل استيراد الغاز لصالحها، وهو ما يثبت أن استيراد الغاز لصالح الحكومة المصرية حصرا.

كما تتناقض تلك التبريرات مع تصريحات المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم، وعلى رأسهم نتنياهو، الذي وصف يوم توقيع الصفقة بـ”العيد” وبأنها ستدر مليارات الدولارات على الخزانة الإسرائيلية وستستخدم لإنفاقها على التعليم والخدمات الصحية والرفاهية “لمصلحة المواطنين الإسرائيليين” وفقا للتصريح المتلفز الذي بثه أول أمس الاثنين.

وتتناقض تلك التبريرات أيضا مع تصريحات المسؤولين الحكوميين المصريين، وأبرزهم وزير البترول، الذي كان قد أكد في ديسمبر/ كانون الثاني 2017 أن مصر لن تستورد غازا طبيعيا وستحقق الاكتفاء الذاتي قبل نهاية العام الحالي، إلا أنه عاد مؤخرا بعد الإعلان عن الصفقة الأخيرة وقال إن “تحقيق الاكتفاء الذاتي لا يمنع استيراد الغاز من أي جهة، كما صرح “كارم محمود” رئيس جهاز تنظيم سوق الغاز، بأنه ليس لديه أي علم بموضوع الصفقة، مؤكدا ضرورة عرضها على ‏الجهاز للموافقة عليه أو رفضه.‏

لكنه أكد أن “الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي لا يعني منع ‏الاستيراد من الخارج”، وهي تصريحات تحمل إقرارا من ناحية بأن الصفقة تتضمن استيرادا للغاز وليس مجرد إعادة تسييله وإعادة تصديره مرة أخرى، كما تحمل تناقضا كبيرا لأن تحقيق الاكتفاء الذاتي يغني عن الاستيراد بالضرورة وإلا يصبح لا معنى له، وإلا فإن ترويج نظام السيسي لحقل “ظهر” باعتباره الأكبر في التاريخ والادعاء بأنه سيحقق الاكتفاء الذاتي لمصر كان “أكذوبة كبرى كما هي أكاذيب إنجازات السيسي التي يرددونها منذ 4 سنوات”، وفقا لما قاله “عبد الخالق فاروق” الخبير الاقتصادي في حسابه على موقع فيسبوك، والذي اتهم السيسي بالتنازل عن حقوق مصر في حقل “ظهر” لصالح الشركة الإيطالية والشركاء الأجانب مقابل شراء مصر لإنتاج هذا الحقل بسعر تفضيلى يدور حول 5.5 دولار للمليون وحدة حرارية.

وقد نشطت الحسابات المؤيدة للنظام، أو ما باتت تعرف بـ”اللجان الإلكترونية” الموالية له، لتبرير الصفقة بمبررات أخرى، قائلة إنها لا تتضمن استيرادا للغاز من إسرائيل، وإنما استيراده لـ”إعادة تسييله” ثم تصديره إلى أوربا مرة أخرى، وهو ما زعمه “محمد نجم” أحد أعضاء مجموعة اللجان الإلكترونية التي أنشأها “إبراهيم الجارحي” لدعم النظام على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تم الكشف عنها من قبل أحد أعضاء المجموعة الذي قرر فضحهم، ويعمل نجم حاليا باحثا اقتصاديا في قناة “دي إم سي” التابعة للأجهزة السيادية.

صمت الإعلام

في هذا الإطار لوحظ أن صحف القاهرة الصادرة أمس الثلاثاء قد تجاهلت تماما قصة تصدير الغاز الاسرائيلي لمصر، رغم الإعلان عن الصفقة ظهيرة اليوم السابق، وهي فترة كافية قبل طباعة تلك الصحف، عدا صحيفتي الشروق والمصري اليوم، والتي نشرت عنوانا رئيسا عن تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر، واكتفت الأهرام بنشر تعقيب بعنوان “مصر تتجه لتحرير سوق الغاز” دون نشر الموضوع الأصلي.

هذا التصرف يبدو غريبا من نظام السيسي، الذي يبالغ في تصوير إنجازاته، وتقوم وسائل الإعلام بتخصيص ساعات مطولة للإشادة بافتتاح مصنع أو مزرعة أو إنشاء طريق أو حتى مجرد مؤتمر يحضره السيسي، لكن الصمت الإعلامي في موضوع الغاز وترك اللجان الإلكترونية تتولى مهمة تبريره يدل على وجود تفاصيل خفية لم يكشف عنها بعد.

وفي ظل غياب أي معلومات شفافة حول ما يقوم به النظام المصري، وحالة التكتم الإعلامي التي فرضها، والتي تشير إلى شيء يحاول إخفائه، لا توجد وسيلة محددة لمعرفة الحقيقة، وغالبا ستبقى تلك التساؤلات موجودة حتى يحدث تغيير في النظام.

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة