لماذا لم “يصبّح” المصريون على بلدهم رغم الحملات المكثفة؟

دعاية لحملة صبح على مصر بجنيه

رغم دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المصريين إلى التبرع بجنيه لصالح بلدهم في خطابه يوم 24 فبراير- شباط الماضي، وقيام عدد من الإعلاميين بالتبرع على الهواء بجنيهات معدودة تحت عنوان “صبح على مصر بجنيه”، ورغم الحملة المكثفة التي قامت بها وسائل الإعلام المقربة من النظام لحث المواطنين على التبرع، إلا أن القيمة الإجمالية لهذه التبرعات بلغت 4 ملايين جنيه فقط حتى أول أمس الاثنين، وهو مبلغ صغير مقارنة بما كان يستهدفه السيسي (4 مليارات جنيه).

بالتوازي مع ذلك توالت خلال الأيام الماضية أخبار عن إسراف شديد في إنفاق الأموال من المسؤولين في الدولة بينهم وزراء ومحافظون وقضاة وأعضاء بالبرلمان، لم يستجيبوا لدعوة السيسي، مصرين على البذخ الذي يصل في بعض الأحيان إلى إهدار المال العام.

وقائع فساد

“772 ألف جنيه” هي قيمة أعمال التشطيبات في شقة وزير الأوقاف المصري، محمد مختار جمعة، وفقا لما نشره موقع “التحرير” يوم الأحد الماضي، الذي كشف أيضا أن هذه التكاليف تحملتها هيئة الأوقاف بالكامل دون أن يدفع الوزير شيئا منها.

وتعد هذه المرة الثانية التي تثور فيها الشبهات حول وزير الأوقاف، بعد الحديث عن تورطه في قضية الفساد الكبرى بوزارة الزراعة العام الماضي، وأدت إلى عزل وزير الزراعة السابق “صلاح هلال” والقبض عليه.

تأتي هذه الأنباء بعد ضجة واسعة أثارها خبر نشرته مواقع مصرية حول قيام محافظ الإسكندرية محمد عبد الظاهر بدعوة وزير الثقافة “حلمي النمنم” -مع عدد من المرافقين والصحفيين- على وجبة بأحد مطاعم الأسماك بالمحافظة تكلفت 40 ألف جنيه. لكن مواقع أخرى نشرت نفيا على لسان “مصادر” لم تكشف عن هويتها، بعضها أكد لموقع “البوابة” أن الوجبة لم يتعد سعرها 10 آلاف جنيه “فقط”.

واتهم البدري فرغلي، رئيس اتحاد أصحاب المعاشات، الحكومة أمس الثلاثاء بالاستيلاء على أموال المعاشات والتي تقدر ب620 مليار جنيه، مؤكدا تدهور أحوال 9 ملايين مواطن من أصحاب المعاشات بسبب استيلاء الدولة على أموالهم.

وكانت وزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي قد قالت في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي إن الحكومة لا يمكن أن تستمر في تحمل مبلغ 55 مليار جنيه قيمة مخصصات أموال المعاشات والتأمينات، رغم أنها تستقطع من رواتب الموظفين على امتداد فترة خدمتهم.

سلطات الدولة “تصبحّ” على نفسها

أما أعضاء مجلس النواب، فقد تقدموا بطلب لزيادة المكافآت التي يحصلون عليها، لتشمل حساب بدل الجلسة بالساعة، وزيادة بدل الجلسات الأساسية والنوعية، كما طالبوا بتوفير بدلات أخرى للانتقال والمبيت والتغذية والمظهر والعلاج والاتصال. وقررت لجنة إعداد اللائحة الداخلية للمجلس استحداث مادة جديدة في اللائحة ترفع مكافأة العضو إلى 15 ألف جنيه تزداد بنسبة 7% سنويا، مع إعفائها من جميع أنواع الضرائب والرسوم، بتكلفة 90 مليون جنيه سنويا.

كما أقر المجلس اليوم الأربعاء إنشاء ناد اجتماعي للأعضاء لتقديم الخدمات لهم، واستخراج اشتراك للسفر بالدرجة الأولى الممتازة بالسكك الحديدية أو الطائرات من الجهة التي يختارها في دائرته الانتخابية إلى القاهرة.

ويصدر السيسي قرارات دورية بزيادة رواتب ومعاشات أفراد القوات المسلحة والشرطة، حيث صدرت 5 قرارات بزيادة معاشات العاملين بالجيش خلال عامين، لتصل إلى 250%.

وبدأ القضاة وأعضاء النيابة العامة المصرية في صرف مكافأة تحت مسمى “بدل مجهودات غير عادية” بقيمة 6 آلاف جنيه لكل منهم منذ السبت الماضي، وهي مكافأة تُسلم لأعضاء السلطة القضائية 3 مرات من كل عام خلال أشهر يناير/ كانون الثاني ومارس/ آذار وأغسطس/ آب.

واعتاد المجلس الأعلى للقضاء صرف مثل هذه المكافآت تحت مسميات مختلفة خلال العام، ففي شهرين فقط خلال العام الماضي (سبتمبر/ أيلول وأكتوبر/ تشرين الثاني) قرر المجلس صرف مكافأتين لكل القضاة وأعضاء النيابة العامة، تبلغ كل منها 5 آلاف جنيه لكل قاض، تحت نفس المسمى “جهود غير عادية” بإجمالي 150 مليون جنيه، تخللهما صرف مبلغ 10 آلاف جنيه لكل قاض وعضو نيابة، كمكافاتين بمناسبة عيد الأضحى وبداية العام الدراسي ليصبح المبلغ الإجمالي للمكافآت خلال تلك المدة 20 ألف جنيه لكل قاض وعضو نيابة خلال 40 يوما. وبذلك، يصبح إجمالي ما تقاضاه القضاة وأعضاء النيابة العامة كمكافآت خلال 40 يومًا 300 مليون جنيه. كما أقر المجلس منتصف العام الماضي زيادة في الحوافز وإضافي المرتب للقضاة وأعضاء النيابة العامة بنسبة 30%.

وتداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي خبرا يعود تاريخه إلى نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، يفيد بإعفاء شركة أوراسكوم للإنشاء من نزاع ضريبي بقيمة 7.1 مليار جنيه، كانت حكومة رئيس الوزراء الأسبق هشام قنديل قد طالبتها بها في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، معتبرين أن ذلك يمثل إهدارا للمال العام، وأن المسؤولين كان يمكن لهم أن يستعيدوا ذلك المبلغ بدلا من مطالبة المصريين بالتبرع.

جيوب المواطنين

لكن نفس هؤلاء المسؤولين يتحولون إلى التدقيق الشديد والحساب العسير للمواطنين والتفتيش في جيوبهم، فقد طالبت غادة عجمي عضو مجلس النواب بطرح مشروع قانون يُلزم المصريين بالخارج بتحويل مبلغ 200 دولار فور دخولهم المطارات المصرية بهدف المساهمة في حل أزمة الدولار، وإلزام السياح الوافدين إلى مصر بتحويل 200 دولار من أموالهم إلى جنيهات فور وصولهم. وقد بدأت شركة مصر للأسواق الحرة بالفعل في إصدار تعليمات تلزم القادمين من السفر والراغبين في القيام بالتسوق من الأسواق الحرة بالمطارات بالشراء منها بـ”العملات الصعبة” فقط وليس الجنيه المصري كما كان متبعا سابقا.

كما صرح رئيس الوزراء شريف إسماعيل أمس الثلاثاء بأن الحكومة تفكر في زيادة سعر تذكرة المترو خمسين قرشا، منوها إلى قرارات “مؤلمة” تتخذها الحكومة لأن الواقع “مؤلم” على حد قوله، وهي تصريحات تأتي تماشيا مع ما قاله المتحدث باسم وزارة النقل في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، من أن زيادة سعر تذكرة المترو 50 قرشا أو جنيها “لا تمثل فلوس للمواطنين”.

وامتدت تلك الحالة إلى الإعلاميين، إذ دعت المذيعة “دينا رامز” من سمتهم “من لا يستحقون الدعم” و”المستورين” بأن يصبح لديهم “كرامة” ويتنازلوا عن البطاقة التموينية التي بحوزتهم. وهاجمت الممثلة هالة فاخر في برنامجها على قناة الحياة الساخرين من زيارة السيسي إلى دولة كازاخستان، معتبرة أن السيسي سافر إليها للحصول على قمح لإطعام المصريين.

وفي مبادرة منها، أعلنت سفارة مصر بالكويت عن الحساب البنكي للسفارة لأبناء الجالية المصرية المقيمة فى الكويت للتبرع لهذه المبادرة بالدينار الكويتي، رغم أن الدينار الواحد يساوي نحو 24 جنيها، لتتحول المبادرة إلى “صبح على مصر بدينار”.

وفي مقابل التساهل الشديد في إنفاق وإهدار المال العام بالملايين، ألقت الإدارة العامة للمرور القبض على موظف بتهمة تقاضي رشوة 10 جنيهات مقابل إنهاء إجراءات تراخيص سيارة، ونشرت مواقع مصرية الخبر باعتباره حدثا يستحق التناول، لكن تعليقات مستخدمي مواقع التواصل تعاملت معه باستخفاف وسخرية واعتبرته من الأخبار الطريفة.

كما نشرت صحف أخرى خبرا عن القبض على موظف بشركة مقاولات بحجة تهربه من دفع تذكرة أثناء استقلاله مترو الأنفاق، وهو حدث يتكرر يوميا في مصر.

الموظفون الحكوميون الصغار لم يتركوا المواطنين أيضا، إذ أن مصطلح “التصبيح” كثيرا ما يستخدم في المصالح الحكومية كناية عن طلب رشوة بسيطة مقابل تخليص معاملات المواطنين، آخرها موظفة حكومية نشرت عدة مواقع مقطع فيديو لها وهي تقول لأحد المواطنين “إنت لسه ماصبحتش عليا”.

وأثار قرار نيابة بندر الأقصر، بإحالة متسولة إلى المحاكمة في سبتمبر/ أيلول الماضي، بعد ضبطها في أحد الشوارع وبحوزتها مبلغ 2 جنيه، ردود فعل غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقال عبدالرحيم إسماعيل محامي المتسولة آنذاك “في الوقت الذي تنهب فيه أموال الدولة بالملايين والمليارات من قبل رجال الأعمال الفاسدين، أضاع المسؤولون وقتهم الثمين في القبض على متسولة وحرزوا جنيهين كانا بحوزتها فكم من الوقت ستستغرق هذه القضية”، مؤكدا أن الورق الذي تحرر به المحضر والجنحة ثمنه أضعاف المبلغ المحرز من المتسولة”.

احتفالات السيسي

كثيرا ما يدعو السيسي المصريين إلى التبرع لصالح مصر والعمل بدأب من أجلها، وقام بإنشاء صندوق خاص بهذا الغرض فور توليه منصبه وسماه “تحيا مصر”.

في المقابل يحرص السيسي على إقامة احتفالات كبرى يصرف عليها الملايين، بدءا من حفل تنصيبه رئيسا للجمهورية في مايو/ أيار 2014، الذي تكلف ما لا يقل عن 10 ملايين جنيه وفقا لما نشرته صحف مصرية في ذلك الوقت، في حين قدر الخبير الاقتصادي حمدي عبد العظيم في تصريحات صحفية آنذاك التكلفة الإجمالية ب500 مليون جنيه، فضلا عن تعطيل الإنتاج في هذا اليوم نظرا لاعتباره إجازة رسمية، إضافة إلى حفل افتتاح تفريعة قناة السويس الجديدة في أغسطس/ آب 2015 الذي تكلف ما يقرب من 30 مليون دولار، وفقا لتصريحات إعلاميين مقربين من النظام.

ويقارن مصريون بين حديث السيسي عن التقشف، وقيامه بزيادة مرتبات القضاة والعسكريين، علاوة على الزيادة في البدلات والمعاشات، بينما يعيش الشعب المصري حالة من الفقر وتزداد الأزمة الاقتصادية صعوبة عليهم.

وأثارت صور السجادة الحمراء التي امتدت لعدة كيلومترات لتسير عليها سيارات موكب السيسي أثناء افتتاحه بعض المشروعات في فبراير/ شباط الماضي انتقادات واسعة، نظرا لفخامتها وعدم مناسبتها مع الحديث عن التقشف والتبرع لصالح مصر.

وكان المفكر محمد سيف الدولة قد كتب على حسابه على فيسبوك في فبراير/ شباط الماضي، تعليقا على سجادة السيسي الحمراء “لم أرَ في حياتي رئيسا مثله يحتقر شعبه ويكرهه ويذله ويعِّيره ليل نهار بأنه يعيش عالة على الدولة، رئيسا يتمادى ويتجبر فى إفقار الناس وإرهاقها معيشيا”، مضيفا “بعد الكهرباء والسولار والبنزين، السيسي يُعِّير المصريين بأنه يصرف عليهم يوميا 40 مليون جنيه مياه نظيفة، ويهددهم بان هذا الوضع لن يستمر”.

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة