مصر: سلطة تشريعية تقوم بكل شيء عدا التشريع

أول جلسة لمجلس النواب المصري (أرشيف)

منذ افتتاح جلسات مجلس النواب المصري في 11 يناير/ كانون الثاني الماضي، تفرغ أعضاء المجلس لأشياء لا علاقة لها بمهام عملهم الأساسية، وهي التشريع وسن القوانين.

فمنذ 17 يناير/ كانون الثاني وحتى 20 يناير/ كانون الثاني، أي خلال 4 أيام فقط، أقر المجلس 342 قانونا، كان المستشار عدلي منصور (الرئيس المؤقت) وعبد الفتاح السيسي (الرئيس التالي) قد قاما بإصدارها قبل انعقاد المجلس، ومن يومها لم يخرج من المجلس أي قانون، باستثناء إقرار قوانين وقرارات تأتي من جهات أخرى في الدولة، مثل الموافقة على اتفاقية قرض مثيرة للجدل بين الجيش المصري ممثلا في وزارة الدفاع المصرية وبنوك فرنسية بقيمة 3.4 مليار يورو بضمان وزارة المالية دون تحديد تفاصيل لمدة القرض أو طرق سداده ولا نسبة الفائدة.

مواقف وتصريحات مثيرة للجدل

أما عن المواقف المثيرة للجدل لأعضاء البرلمان وتصريحاتهم فكانت كثيرة، بدءا من المشاجرات التي شهدتها الجلسة الافتتاحية، وإصرار النائب مرتضى منصور على عدم الاعتراف بثورة 25 يناير، رغم أن ديباجة الدستور الذي تم الاستفتاء عليه في يناير/ كانون الثاني 2014 تنص على اعتبارها ثورة.

وفي السابع والعشرين من فبراير/ شباط الماضي، قدم الأعضاء المنتمون إلى محافظة أسيوط اقتراحًا بإنشاء “سجن متكامل” بالمحافظة، يضم سجنًا مركزيًا، ومستشفى خاصًا به مزرعة تابعة.

وفي الأول من مارس/ آذار الجاري، هاجمت النائبة مايسة عطوة، سكرتيرة المرأة باتحاد عمال مصر، النقابات المستقلة، التي وصفتها بـ”أعداء الوطن”، مؤكدة رفضها للتعددية النقابية.

ويوم الأربعاء الماضي، اقترحت النائبة آمال طرابية، إخلاء محافظة شمال سيناء من الأهالي لمدة ثلاثة أشهر “لكي تتمكن القوات من محاربة الإرهاب” على حد قولها.

زيادة المكافآت

أما الموضوع الأهم الذي يشغل بال نواب المجلس حاليا، فهو إقرار زيادة بدلات الأعضاء، بعدما تقدم 221 نائبا بمقترح للجنة إعداد اللائحة، يطالبون فيه بحساب بدل الجلسة بالساعة، فضلا عن المطالبة بزيادة بدل الجلسات الأساسية والنوعية. كما طالبوا بتوفير بدل للانتقال والمبيت والتغذية والمظهر والعلاج والاتصال، وتوفير مندوبين اثنين على الأقل لكل عضو.

ويحصل النائب حاليا على مكافأة شهرية ثابتة قيمتها 5000 جنيه، بالإضافة إلى بدلات 150 جنيها لحضور اللجان العامة، و75 جنيها لحضور اللجان الخاصة، وبدلات غذاء وسفر، بحد أقصى إجمالي 20 ألف جنيه، وتمتعه بالعلاج على نفقة الدولة. واعتبر النائب عمرو أبو اليزيد أن المقابل الذي يحصل عليه “مبيض المحارة” أعلى مما يحصل عليه نائب مجلس النواب.

وكان العضو في مجالس الشعب السابقة يتقاضى ألف جنيه مكافأة شهرية،  وبحد أقصى 12 ألف جنيه، وتم إدخال تعديلات على هذا المبلغ بموجب قانون مجلس النواب الأخير رقم 47 لسنة 2014. ورفض مجلس الشعب بعد ثورة يناير زيادتها.

وكشفت صحيفة الشروق المصرية عن نية لجنة إعداد اللائحة الداخلية لمجلس النواب، التى يرأسها المستشار بهاء أبوشقة، استحداث مادة جديدة في لائحة المجلس، ترفع مكافأة العضو إلى 15 ألف جنيه تستحق من تاريخ حلف اليمين، وتزداد بنسبة 7% سنويا، ولا يجوز التنازل عنها أو الحجز عليها، مع إعفائها من جميع أنواع الضرائب والرسوم. وبذلك يبلغ مجموع هذه المكافآ، نحو 90 مليون جنيه فى العام، بإجمالى 450 مليون جنيه فى 5 سنوات هى مدة عمل المجلس، فضلا عن بدلات الانتقال والمهمات الخارجية والعلاج وتخصيص جراجات لسيارات النواب.

رغم تلك الأرقام والمكافآت، إلا أن غادة عجمي عضو مجلس النواب عن “قائمة في حب مصر”، طالبت بطرح مشروع قانون يُلزم المصريين بالخارج الذين تخطت إقامتهم ستة أشهر بتحويل مبلغ 200 دولار فور دخولهم المطار في الأراضي المصرية خلال الفترة المقبلة، بهدف المساهمة في حل أزمة الدولار. كما شمل مشروع القانون المقترح إلزام السياح الوفدين إلى مصر بتحويل 200 دولار من أموالهم إلى جنيهات فور وصولهم إلى الأراضي المصرية.

وأرجعت النائبة سبب أزمة الدولار إلى قيام من أسمتهم “الجماعات الإرهابية” بجمع الدولارات خارج مصر.

مؤامرات وتطبيع

نظرية المؤامرة استحوذت أيضا على تفكير حمدي بخيت، عضو مجلس النواب، والخبير الاستراتيجي، إذ وصف في مداخلة هاتفية عبر فضائية “العاصمة” واقعة مقتل سائق “توك توك” على يد أمين شرطة بمنطقة الدرب الأحمر بأنها “مخطط استخباراتي خارجي”. كما أرجع تصريحات “تيمور السبكي” التي أثارت أزمة مع أهالي الصعيد إلى السبب ذاته.

واستحوذ نائب التطبيع توفيق عكاشة على نصيب الأسد من التغطية الإعلامية خلال الأيام الماضية، بعد لقاءه بالسفير الإسرائيلي بمصر في منزله، وهو ما أدى إلى ضربه بالحذاء داخل قاعة المجلس، وإسقاط عضويته. لكن السفير الإسرائيلي كشف في حوار على قناة “بي بي سي عربي” أنه قابل بالفعل الكثير من أعضاء البرلمان، دون أن يكشف أسماءهم.

ورغم أن السبب المعلن الذي أدى لإسقاط عضوية عكاشة من البرلمان هو لقاءه بالسفير الإسرائيلي، إلا أن رئيس المجلس “علي عبد العال” نفى ذلك، مشيرا إلى أن إسقاط عضوية النائب جاء بسبب “سلوكه” مؤكدا احترام المجلس لكافة المعاهدات والتعهدات الدولية ومن بينها اتفاقية السلام. وأكد حسن عمر حسنين، أمين سر لجنة الدفاع والأمن القومي في البرلمان، أن “التطبيع مع إسرائيل لا يهدد الأمن القومي”.

نواب ضد الجماهير

لم يفوت أعضاء المجلس أي فرصة لإبداء ولاءهم لنظام السيسي، ومهاجمة من يفكر في معارضته، وكان تعامل النواب مع دعوات التظاهر يوم الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني الماضي أبرز مثال لذلك. إذ هاجم الأعضاء تلك الدعوات، وتسابقوا في إدانتها وتوجيه السباب والشتائم لمن يدعوا لها.

وكان لافتا انحياز بعض الأعضاء ضد مصالح من يمثلونهم، مثلما قام به النائب البرلماني عن دائرة المطرية “عاطف مخاليف” الذي هاجم أطباء مستشفى المطرية، الذين تعرضوا للاعتداء عليهم من قبل أمناء شرطة في فبراير/ شباط الماضي، مدعيا أنهم يعاملون المرضى بطريقة سيئة. وكان هذا الاعتداء قد دفع نقابة الأطباء إلى عقد جمعية عمومية طارئة هي الأكبر في تاريخها.

وقال النائب، في تصريحات إعلامية في ذلك الوقت، إن إضراب الأطباء فى مستشفى المطرية تسبب فى وفاة 3 من المرضى بعد منعهم من الدخول للعلاج بالمستشفى، مدعيا أنه كان حاضرا واقعة اعتداء أمناء الشرطة على الأطباء في المستشفى، قائلا إن سبب تفاقم الأزمة هو غضب أمناء الشرطة بشدة بعد أن دخلوا المستشفى لإسعاف أحدهم بعد إصابته في رأسه خلال مطاردة لتجار مخدرات، ولكنهم لم يجدوا أحدا في استقبالهم. مستطردا أن الأمناء فوجئوا بظهور الأطباء مرددين ألفاظًا نابية بحقهم، وهو ما أدى إلى حدوث تبادل الاعتداء بالأيدي بين الطرفين أدى إلى استدعاء الأمناء 7 من زملائهم لمساعدتهم في ضرب وسحل الأطباء واحتجازهم.

هذه الشهادة تبدو مختلفة في تفاصيلها عن مكالمة هاتفية سابقة قام بها نفس النائب في برنامج “الحياة اليوم” على قناة الحياة، قال فيها إنه رأى شخصين حضرا إلى المستشفى، وكان أحدهما مصابا وطلب إعداد تقرير، لكن حدثت مشادة مع أطباء المستشفى بسبب إسعاف أحد المصابين بطريقة سريعة وقام أحدهما برفع السلاح الميري في وجه الأطباء وقام بشد الأجزاء، ثم قام أحد الأمناء بسحل الأطباء، ووضع الحذاء فوق رقبة أحد الطبيبين. لكنه أكد في الوقت ذاته أنه سيشهد ضد ما سماه “تحريض الدكتورة منى مينا وكيل نقابة الأطباء بوقف العمل في مستشفى المطرية”.

واعتبر “علي الدمرداش” النائب الآخر عن دائرة المطرية، أن ما حدث في مستشفى المطرية كان “خطأ وسلوكا فرديا” من فرد شرطة، مستنكرا إغلاق المستشفى من جانب الأطباء بعد واقعة التعدي عليهم، وأكد أن الشرطة بها تجاوزات، لكن “هذا ليس منهج جهاز الشرطة بالكامل” حسب تعبيره.

وهاجم النائب “إيهاب عبد العظيم” عضو مجلس النواب، نقابة الأطباء، متهما إياها فى تصريحات صحفية بانعدام الإخلاص والأمانة وتنفيذ “أجندات”.

وقائع طرد

وكان رئيس المجلس علي عبد العال قد استحوذ على نصيب كبير من المشاجرات داخل القاعة، بعد اشتباكه مع العديد من الأعضاء وطرده لهم من الجلسات، وتعامله بعصبية شديدة معهم.

وبلغت حالات الطرد حتى الآن 6 حالات، أغلبها بسبب طلب الأعضاء الحق في إلقاء كلمة، واعتراضهم على بعض مواد القوانين التي يتم مناقشتها، منهم مرتين للنائب أحمد طنطاوي، منها واحدة أثناء مناقشة قانون الطعن على عقود الدولة، عندما كشف عن بطلان التصويت عليه في اللجنة الخاصة، وكيف قام مندوبو الحكومة بالتصويت بدلا من النواب، ليقوم رئيس المجلس بالتصويت على إخراجه.

ودائما ما يصرح عبد العال بأن هناك “جهات” تريد هدم الدولة المصرية، وأن هناك من يريد “اختطاف المجلس” و”استغلال الديمقراطية لتحقيق أغراض شخصية” وهي تهم يوجهها إلى الأعضاء الذين يشتبك معهم.

تصفية حسابات

فيما توجه نواب آخرون إلى معارك شخصية مع زملائهم، بعد أن نشرت صحيفة البوابة التي يرأس مجلس إدارتها ورئاسة تحريرها النائب عبد الرحيم علي، خبرا عن مقابلة قامت بها النائبة رانيا السادات عضو المجلس بالدائرة الثالثة بمحافظة بورسعيد مع القنصل الأمريكي ومسئول الشئون السياسية جون ونستد في بداية 2016. ووصفت الصحيفة النائبة بأنها “طابور خامس”.

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة