روسيا تغير قواعد اللعبة في سوريا

الرئيس الروسي فلاديمير بوتن – أرشيفية

يبدو أن قواعد اللعبة تتغير بسرعة في سوريا مع إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتن البدء بسحب “الجزء الرئيسي” من قواته في سوريا، وكشف مسؤولين أمريكيين عدم علمهم بالقرار الروسي مسبقا، وأنه صدر فجأة وبشكل غير متوقع وبدون أي إشعار مسبق للولايات المتحدة. فيما قال المبعوث الأممي إن البديل الوحيد لفشل مباحثات التسوية هو العودة إلى الحرب.

وقال بوتين خلال اجتماع في الكرملين مع وزيري الدفاع والخارجية: إن القوات العسكرية الروسية في سوريا حققت أهدافها إلى حد بعيد لكنه لم يحدد مهلة لاستكمال الانسحاب وقال إن القوات ستبقى في ميناء طرطوس وفي قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية بسوريا.

وأضاف: “العمل الفعال لجيشنا هيأ الظروف لبدء عملية السلام… أعتقد أن المهمة التي وضعت أمام وزارة الدفاع والقوات المسلحة الروسية حققت أهدافها في المجمل.” مؤكدا أن القوات المسلحة السورية تمكنت بمشاركة الجيش الروسي “من تحقيق تحول جذري في الحرب ضد الإرهاب الدولي وملكت زمام المبادرة في جميع النواحي تقريبا.”

وذكر ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين أن بوتين تحدث هاتفيا مع الأسد لإبلاغه بالقرار الروسي لكن الزعيمين لم يناقشا مستقبل الأسد وهو العقبة الرئيسية أمام التوصل لاتفاق سلام.

وفي دمشق قالت الرئاسة السورية إن الأسد اتفق على تخفيض القوات الجوية الروسية بعد أن ساعدت قوات الأسد على تحقيق مكاسب عسكرية. لكنها أضافت في بيان أن موسكو تعهدت بمواصلة دعم سوريا في “مكافحة الإرهاب”.

وردت جماعات المعارضة السياسية والمسلحة بحذر على تعليقات بوتين، وقال فادي أحمد المتحدث باسم جماعة الفرقة الأولى الساحلية التابعة للجيش السوري الحر والتي تقاتل في شمال غرب البلاد: “أنا لا أفهم الإعلان الروسي… إنه مفاجئ مثل الطريقة التي دخلوا بها الحرب.”

وطالب سالم المسلط المتحدث باسم المعارضة السورية بالانسحاب الروسي الكامل. وقال المسلط إن أحدا لا يعرف ما يدور بعقل بوتين لكنه أضاف أنه لا يحق لروسيا التواجد في سوريا وإن عليها الانسحاب.

وقال مسؤولان أمريكيان طلبا عدم نشر اسميهما إن واشنطن لم تتلق أي إشعار مسبق لقرار بوتين. وأضافا أن الولايات المتحدة لا ترى مؤشرات حتى الآن على استعدادات للقوات الروسية للانسحاب من سوريا.

وعبر دبلوماسي أوروبي عن تشككه. وقال الدبلوماسي “من الممكن أن يضع ذلك كثيرا من الضغط على الأسد والوقت ملائم لذلك.” لكنه أضاف “أقول أيضا من الممكن لأننا شاهدنا من قبل أن ما تعد به روسيا ليس دائما ما يحدث.”

وأكد فيتالي تشوركين سفير روسيا لدى الأمم المتحدة إن بعض القوات ستبقى في سوريا. وقال للصحفيين في الأمم المتحدة في نيويورك “سيستمر وجودنا العسكري هناك وسيتركز في أغلبه على التأكد من صمود الهدنة… وقف الأعمال القتالية.”

 لكنه أضاف “تلقت دبلوماسيتنا أوامر بالتحرك لتكثيف جهودنا لتحقيق تسوية سياسية في سوريا.”

وقبل إعلان بوتين الانسحاب قال دي ميستورا “إن سوريا تواجه لحظة حقيقة في مستهل المحادثات التي تهدف إلى إنهاء الصراع المستمر منذ خمس سنوات وأسفر عن نزوح نصف السكان ودفع بموجات من اللاجئين إلى أوروبا وحوّل سوريا إلى ساحة معارك لقوى أجنبية وجهاديين”. غير أن الهدنة المحدودة التي تستثني تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة جناح تنظيم القاعدة هشة.

وتطالب المعارضة السورية أن المحادثات يجب أن تركز على تشكيل هيئة انتقالية تتمتع بسلطات تنفيذية كاملة مشددة على ضرورة أن يترك الأسد الحكم مع بداية الفترة الانتقالية في حين تعتبر دمشق أن خصوم الأسد واهمين إذا ما اعتقدوا أنهم سيتسلموا السلطة على مائدة التفاوض.

ووصف بشار الجعفري رئيس وفد الحكومة السورية في محادثات جنيف لقاءه الأول مع دي ميستورا بأنه إيجابي وبناء مضيفا أنه قدم وثيقة بعنوان “العناصر الأساسية لحل سياسي”.

وقال المبعوث الدولي: “إن المحادثات يجب أن تركز على الانتقال السياسي الذي وصفه دي ميستورا بأنه “أم كل القضايا” فيما ستتولى مجموعات عمل منفصلة القضايا الإنسانية ووقف الأعمال القتالية”. وقال دي ميستورا “على حد علمي فإن الخطة البديلة الوحيدة المتوفرة هي العودة إلى الحرب وحرب أشد حتى مما شهدناه حتى الآن.”

وجرت محاولات لاتفاقات وقف إطلاق النار ومحادثات السلام منذ بداية الثورة الذي قتل أكثر 500 ألف شخص حتى الآن وأتم عامه الخامس هذا الأسبوع.

كما أرسلت الأمم المتحدة مئات من جنود حفظ السلام إلى سوريا عام 2012 لكنها سحبتهم مع استمرار القتال. وانهارت أيضا محادثات للسلام في جنيف قبل عامين عندما لم تحقق أي تقدم.

وقال دي ميستورا في مؤتمر صحفي “إذا لم نر في هذه محادثات أو في الجولات القادمة أي بادرة على الاستعداد للتفاوض… فإننا سنحيل الأمر مرة أخرى إلى من لهم تأثير أي روسيا الاتحادية والولايات المتحدة… ومجلس الأمن الدولي.”

واندلعت اشتباكات الاثنين على الكثير من الجبهات. وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن قوات الحكومة السورية خاضت معارك بدعم من حلفائها ضد فصائل المعارضة ومن بينها جماعات إسلامية في مناطق بغرب سوريا مثل محافظتي اللاذقية وحمص. وأشار مدير المرصد رامي عبد الرحمن إلى تسجيل ارتفاع في عدد القتلى اليومي بعد انخفاض العدد مع بداية سريان الهدنة.

وأضاف المرصد أن المقاتلين الأكراد في محافظة حلب في شمال البلاد خاضوا معارك مع مقاتلين من الفصائل الإسلامية في الوقت الذي كانت فيه فصائل مسلحة معارضة أخرى تخوض معركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وكانت روسيا وسوريا وقعتا قبل بدء التدخل العسكري الروسي في 30 ايلول/سبتمبر اتفاقا يسمح لروسيا بان يكون لها قاعدة عسكرية جوية في سوريا. وقامت الطائرات الحربية للجيش الروسي خلال خمسة اشهر من التدخل بآلاف الغارات الجوية واستهدفت الاف المواقع المعارضة، كما استخدم الجيش الروسي كل قوته فاطلق صواريخ من سفن حربية راسية في بحر قزوين او غواصات في البحر المتوسط.

وساعدت القوة الضاربة الروسية قوات الأسد على تحقيق انتصارات بعدما كان في وضع صعب الصيف الماضي. لكن الغربيين اتهموا روسيا بعدم تركيز ضرباتها خلال الاشهر الاولى على تنظيم الدولة الإسلامية بل على فصائل معارضة اخرى.    

وفي دمشق قالت وكالة “سانا” الرسمية، إن بشار الأسد اتفق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على “تخفيض عديد القوات الجوية الروسية في سوريا”. وان القرار يأتي “بما يتوافق مع المرحلة الميدانية الحالية واستمرار وقف الأعمال القتالية”

وبدأت روسيا في 30 ايلول/سبتمبر حملة جوية دعما للعمليات العسكرية للجيش السوري. وقالت انها تستهدف تنظيم الدولة الإسلامية ومجموعات اخرى، في حين اتهمتها دول الغرب وفصائل مقاتلة باستهداف المجموعات “المعتدلة” اكثر من تركيزها على الجهاديين.    

ويعد كسر حصار تنظيم الدولة الإسلامية لمطار كويرس العسكري في ريف حلب الشرقي في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر اول انتصار مهم للجيش السوري منذ بدء الحملة الروسية.   

وفي بداية شهر شباط/فبراير الماضي، حقق قوات الأسد الاختراق الاكثر الاهمية في محافظة حلب منذ العام 2012. وتمكن بغطاء جوي روسي مكثف من تضييق الخناق على الفصائل المقاتلة في مدينة حلب، وكسر الحصار المفروض على قريتين واستعادة مواقع عدة.  كما احرز قوات الأسد تقدما ملحوظا في ريف اللاذقية الشمالي ولم يعد امامه سوى بلدات وقرى معدودة ليفرض سيطرته على المحافظة كافة.


المزيد من تقارير
الأكثر قراءة