“البطالة” قنبلة موقوته في قلب “تونس”

احتجاجات في القصرين التونسية بسبب البطالة – أرشيف

في 17 من ديسمبر/ كانون الأول 2010 أضرم “محمد البوعزيزي” المحبط من أوضاعه الاجتماعية السيئة،النار في جسده، فاشتعل وأشعل معه ثورة واحتجاجات على البطالة والمحسوبية في بلده تونس، انتهت بإسقاط الرئيس” زين العابدين بن علي” وبداية حلم بتجربة ديمقراطية.

وبعد خمس سنوات انتحر شاب آخر عاطل اسمه “رضا اليحياوي” بعد شعوره بالإحباط وفقدان الأمل في العثور على وظيفة مفجرا موجة احتجاجات كبيرة اتسعت رقعتها بسرعة لتشمل أرجاء البلاد وتهدد بانتفاضة اجتماعية جديدة.

وإذا كانت تونس محل إشادة واسعة على أنها قصة نجاح لانتفاضات الربيع العربي بعد انتقال ديمقراطي هادئ، فقد أصبحت أيضا نموذجا للمخاطر في التعامل مع المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والتهميش والإحباط في صفوف الشبان اليائسين.

والاضطرابات التي هزت مدينة القصرين وانتشرت بسرعة إلى أرجاء البلاد تظهر مدى هشاشة انتفاضة 2011 على التهميش ونقص التنمية وتفشي البطالة في المناطق الداخلية.

وفي القصرين – تلك المدينة المهمشة والفقيرة بوسط البلاد حيث بدأت موجة الاحتجاجات الأخيرة – حاول شبان يائسون الانتحار بإلقاء أنفسهم من فوق مبنى المحافظة احتجاجا على بطالتهم. ونقل اثنان منهم على الأقل للمستشفى.

وفي أسوأ احتجاجات منذ العام 2011 انتشرت الاضطرابات والاحتجاجات في وسط وشمال وجنوب البلاد واقتحم المحتجون الغاضبون مقرات المحافظات وهاجموا وأحرقوا مقرات للشرطة وقتل شرطي في الاحتجاجات.

ولحقت عدة أحياء بالعاصمة تونس ببقية المناطق المضطربة بعد أعمال عنف واشتباكات بين الشبان والشرطة ، وقالت وزارة الداخلية التونسية الجمعة إنه تقرر فرض حظر تجول من الساعة الثامنة ليلا حتى الخامسة صباحا في كامل البلاد بعد التعدي على ممتلكات عامة وخاصة.

وخلال الاحتجاجات كان الشبان يرددون شعار “شغل.. حرية.. كرامة.. وطنية” في استحضار لذكريات “ثورة الياسمين” عام 2011 عندما كانوا يطالبون بحريات سياسية حصلوا عليها وفرص شغل وتنمية يقولون إن الحكومة عجزت عن تحقيقها. 

ولا يخفي البعض إلقاء اللوم على لا مبالاة وعدم اكتراث مسؤولين كانوا في نظام بن علي مثل الرئيس الباجي قائد السبسي الذي عاد للسلطة والحكم بعد الثورة التي أجبرت الرئيس السابق على الهروب من تونس.

ومنذ انتفاضة 2011 نجحت تونس في تفادي اضطرابات عنيفة هزت دول أخرى في المنطقة وأطاحت بزعمائها في مصر واليمن وسوريا وليبيا.

وأدت الديمقراطية الناشئة في تونس إلى دستور جديد وانتخابات حرة وتوافق بين الخصوم الإسلاميين والعلمانيين وأشيد بها كمثال  للانتقال الديمقراطي في المنطقة.

لكن التقدم الديمقراطي في تونس لم تتبعه نهضة اقتصادية ، بل بالعكس ارتفعت الأسعار واستمر تهميش المناطق الداخلية وزادت معدلات البطالة. ويرى التونسيون أن هذه أبرز الأولويات التي يجب لفت الانتباه إليها.

والشعور بالإحباط والاحتقان يتفشى خصوصا في الأحياء الفقيرة في تونس وفي مدن مهمشة داخل البلاد اندلعت فيها احتجاجات. وحتى الحاصلون على شهادات جامعية يصعب عليهم العثور على وظائف.

وتدفع أحيانا مثل هذه الظروف شبانا من الطبقة الوسطى والفقيرة في تونس للالتحاق بصفوف جماعات جهادية رغم تلقيهم تعليما جيدا وهي تسهل تجنيدهم للقتال في العراق وسوريا والآن في ليبيا.

وتقول الحكومة إن أكثر من ثلاثة آلاف تونسي التحقوا بساحات القتال في العراق وسوريا. 

إضافة لسيدي بوزيد كانت القصرين أيضا من أولى المدن التي انتفضت ضد “بن عل”ي في 2011. ومعدلات البطالة والفقر في القصرين الواقعة قرب الحدود الجزائرية هي الأعلى في تونس. 

بعد الثورة زادت معاناة أهالي القصرين وزاد على هموم البطالة والتهميش خطر المسلحين الإسلاميين الذين يحتمون بجبال الشعانبي في القصرين. 

وفي استجابة للاحتجاجات الأخيرة أعلن مكتب رئيس الوزراء الحبيب الصيد أنه سيعود للبلاد من زيارة لسويسرا حيث يحضر اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي وسيعقد اجتماعا طارئا للحكومة. 

وقال الناطق الرسمي باسم الحكومة خالد شوكات إن الحكومة ستسعى لتوظيف أكثر من ستة آلاف شاب من القصرين وتبدأ في تنفيذ مشروعات،  وبعد الإعلان تدفق آلاف العاطلين على مقر المحافظة في ساعة مبكرة أمس الخميس لقيد أسمائهم بسجل المرشحين لوظائف لكن حدة التوتر ما زالت مرتفعة ومازال الاحتقان شديدا.

وتأتي الاضطرابات والاحتجاجات في وقت حساس تحاول فيه تونس إنعاش اقتصادها العليل بعد ركود استمر سنوات بسبب  تراجع الاستثمارات الأجنبية. 

وتلقى قطاع السياحة ضربة قوية بعد ثلاثة هجمات كبرى لجهاديين استهدفت فندقا في منتجع سوسة ومتحف باردو وحافلة للحرس الرئاسي في العاصمة.  

ويتهم المعارضون الحكومة بتجاهل مطالب التنمية والتشغيل في المناطق الداخلية. وقال حمة الهمامي زعيم الجبهة الشعبية المعارضة إنه حذر السلطات من خطورة تجاهل ملف التنمية. 

وحتى الآن ليس هناك مؤشرات واضحة على أن الاحتجاجات قد تهدأ فورا بعد أن توسعت رقعتها بشكل واسع في أغلب مناطق البلاد. 


المزيد من تقارير
الأكثر قراءة