مصر.. اغتيال هشام جنينة

هشام جنينة :الشرطة والقضاء عقبات أمام التطهير من الفساد

كما كان متوقعا خرج تقرير اللجنة التي شكلها الرئيس عبد الفتاح السيسي للتحقيق في صحة الأرقام التي أعلنها المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات عن  الفساد في مصر، والتي قال فيها إن حجم فاتورة الفساد في الدولة وصل في عام 2015 إلي 600 مليار جنيه   ليشكك في تصريحات جنينة عن الفساد ويتهمه بتضليل الرأي العام.

 وأوضح التقرير الذي نشر الثلاثاء، أن تصريحات جنينة تضمنت خمسة نقاط أساسية هي: التضليل والتضخيم لقيمة ما سمي بالفساد، وفقدان المصداقية، ووجود إغفال متعمد لحقائق وملاحظات، وإساءة توظيف الأرقام والسياسات مما يظهر الإيجابيات بشكل سلبي، وإساءة استخدام كلمة الفساد

في البداية كانت خطة تصفيته معنويا وتشويه سمعته واتهامه بأنه خلايا نائمة بجماعة الإخوان المسلين وهي التهمة الأكثر شيوعا في مصر بعد انقلاب 3 يوليو 2013 ، كما أنها “تهمة ” كفيلة بتدمير أى شخيصة عامة في مصر، وأجبرت الكثيرين على الرحيل والهجرة من البلاد .

ورغم أن الحملة الإعلامية الموجهة كانت ممنهجة ومكثفة ضد رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات؛ الا أنه رفض أن يحقق ما يصبون إليه وهو إجباره على تقديم استقالته ،وصرح جنينة في أكثر من لقاء تلفزيوني وأكثر من حوار صحفي أنه لولا أن منصبه محصن دستوريا وأنه لا يمكن لأحد بما فيهم رئيس الجمهورية عزله من منصبه لكانوا قد أقالوه فورا “

ويبدو أنه تم تأجيل قرار ذبح جنينة لحين الانتهاء من الانتخابات البرلمانية التي تم تأجيلها أكثر من مرة لكي يكون الذبح “بإرادة شعبية ” نظرا لأن الدستور الحالي والسابق لا يمكن رئيس الجمهورية من إقالة رئيس الجهاز .

لم يخف جنينة ولم يتراجع وقرر أن يواصل طريقه دون خوف ،وفي حواره مع جريدة الشروق المصرية المنشور بتاريخ 18 مارس/آذار 2014 قال جنينة “الفساد في وزارة الداخلية بالمليارات ” وأضاف “ضبطنا شيكا باسم عسكري مراسلة لوزير الداخلية ب75 ألف جنيه ” وتابع “مصلحة الأمن العام ومقربون من وزير الداخلية الأعلى فسادا “، وكان أخطر ما قاله جنينة في الحوار “جهات رقابية شريكة في الفساد ” وقوله “الشرطة والقضاء عقبات أمام تطهير الدولة من الفساد “.

تهديدات
وأكد جنينة في حواره الكاشف مع الشروق أنه تعرض لتهديدات من قبل النيابة العامة  لكي يتراجع، خاصة أنه وضع يده على أخطر منابع الفساد في وزارة الداخلية ومنها الصناديق الخاصة في الوزارة ومن بينها علي سبيل المثال صندوق الولاء لضباط الأمن المركزي الذي تتبعه مخابز الشرطة  والصندوق الخاص لضباط الشرطة الذي تتبعه مطابع الشرطة ،إضافة إلى صناديق المرور ونوادي  الشرطة. وأكد جنينة أن حصيلة أموال هذه الصناديق التي لا يعرف أحد عنها شيء تزيد عن 12 مليار جنيه، كما كشف جنينة عن مخالفات مالية بالغة لجهاز الأمن الوطني ،ومخالفات مالية صارخة لرئيس نادي القضاة المستشار أحمد الزند ونادي القضاة  والنيابة العامة ومنها على سبيال المثال لا الحصر تخصيص أراضي بالمربع الأخضر بالشيخ زايد لضباط الأمن الوطني ووكلاء نيابة وقضاة .،وقال “لقد وضعت يدي في عش الدباببير ولا أخشى اللدغ “

ولكن اللدغ الذي كان يتوقعه رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات كان رفاهية ،وقررت “مدفعية الدولة العميقة ” فتح النار على جنينة ورفع مؤشر تصفيته معنويا إلى أقصي درجة.

ورغم أن الجهاز المركزي للمحاسبات  يتبع رئاسة الجمهورية دستوريا؛ ورغم أنه وبنص الدستور هو أهم جهاز رقابي مالي في الدولة؛ ورغم أن تقارير الجهاز كانت المادة الأهم للصحف وباقي وسائل الإعلام؛ الا أن الصحف والمواقع والفضائيات والمذيعين المحسوبين للأجهزة الأمنية قاموا بحملة منظمة لإكمال تشويه صورة هشام جنينة ،وسبقهم رئيس نادي القضاة أحمد الزند الذي قاد بنفسه سيفمونية العزف على أعصاب وسمعة جنينة وقدم بلاغات إلى النائب العام ضد رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات؛ رغم أن الزند مدان بتقارير رسمية من الجهاز، وتم استدعاء جنينة أمام النيابة العامة وبحسب تعبيره كان استدعاء مبطنا بصيغة الضبط والإحضار .

وعلى جبهة الإعلام تم الضغط على زر الضوء الأخضر لتشويه جنينة، فتطاول عليه البعض من عينة المذيع أحمد موسى ووجه له سبابا وشتائم على الهواء، وتبعته صحف وقنوات أخرى. المفارقة أن جنينة بعد كل حملة تشويه كان يخرج أكثر صلابة وقوة .

وكانت النهاية مع تصريحاته التي كشف فيها أن حجم فاتورة الفساد في مصر عام 2015 زاد عن 600 مليار جنيه .

أزعج التقرير بشدة الجهات التي كانت ضالعة في عملية التجهيز لنحر هشام جنينة ، وفضح جميع جهات الدولة التي تتحدث عن مكافحة الفساد ، وهي من أكثر الكلمات التي يستخدمها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في خطاباته والتي أسس جهازا يحمل نفس الاسم يتبع رئاسة الجمهورية من أجل القضاء على الفساد؛ ولكن تصريحات جنينة كشفت أن الفساد تضاعف عدة مرات بعد انقلاب 3 يوليو .

وبدلا من أن يتم التحقيق في كل وقائع الفساد التي كشفتها تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات ،تم منع مسئولي الجهاز من دخول وزارة الداخلية ، وقرر رئيس الدولة الدخول على خط المواجهة مع جنينة وقام بتشكيل لجنة للتحقيق في صحة الأرقام التي ذكرها جنينة عن حجم الفساد في مصر فبدلا من أن يتم تشكيل لجنة لمحاسبة الجهات المتورطة في الفساد تم تشكيل لجنة للحكم علي تصريحات  رئيس الجهاز تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات ولمعرفة اذا ما كانت صحيحة أم لا ، رغم أن الجهاز جهاز رسمي تابع للدولة ولا ينتمي لجهات معارضة .

قبل أن تصدر اللجنة تقريرها كان إعلاميون مقربون من النظام والأجهزة الأمنية يعرفون مسبقا ما سيخرج به التقرير، وقال خالد صلاح رئيس تحرير اليوم السابع الاثنين وقبل صدور تقرير اللجنة إن “جنينة سيواجه مأزقا غدا بعد صدور تقرير اللجنة”، وووقع رئيس تحرير اليوم السابع في أخطاء مهنية وأخلاقية فادحة حينما قال إن رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات سيكون في مأزق سياسي وأخلاقي كبير بعد صدور تقرير اللجنة لأنه صمت حتي يصل حجم الفساد إلى 600 مليار “وكأن كل التقارير التي خرجت من الجهاز والتصريحات والحوارات التي صرخ فيها رئيس الجهاز من وصول الفساد الي مستويات غير مسبوقة كانت تصدر في دولة أخري غير مصر “

وأكمل رئيس تحرير اليوم السابع وقال بالنص “وإما أن تقرير اللجنة سيؤكد أن رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات مخطئ ويجب أن يحاسب أي مغرض ويجب أن يعاقب “

كانت هذه التصريحات قبل صدور تقرير اللجنة وهي تعني أنه في كل الحالات سيتم ذبح هشام جنينة .

وهو ما حدث بالفعل ،وانفردت “اليوم السابع ” بنشر التقرير الذي يدين جنينة ،وبعده انطلقت كل السهام التي تطالب بمحاسبته ومعاقبته ،ومن المقرر أن يتم استدعاء جنينة في الأيام المقبلة أمام مجلس النواب للإجهاز على ما تبقى منه، فوفقا لتصريحات احمد الزند التي نشرتها اليوم السابع الثلاثاء فإن تقرير اللجنة التي شكلها السيسي للتحقق من أرقام جنينة عن الفساد ستعرض تقريرها على مجلس النواب بناء على قرار من السيسي نفسه وهو ما يستوجب حضور جنينة أمام البرلمان. ومن المتوقع أن تكون جلسة محاسبة جنينة أمام البرلمان هي الرصاصة الأخيرة التي ستطلقها عليه الجهات التي تجهز لاغتياله منذ سنوات حتي من قبل توليه رئاسة الجهاز المكرزي للمحاسبات عقابا له على دوره في تيار الاستقلال الذي واجه الرئيس المخلوع حسني مبارك.

 

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة