طارق عزيز مات سجينا ويدفن منفيا

طارق عزيز ـ أرشيف

وافقت السلطات الأردنية على دفن جثمان وزير الخارجية العراقي الأسبق “طارق عزيز” الذي توفي في سجنه في أراضيها لأسباب إنسانية.

وقال مصدر رسمي أردني فضل عدم كشف هويته “يتم الآن مخاطبة السلطات العراقية بعدم ممانعتنا ثم تتخذ إجراءات هناك من قبلهم لتسليم الجثمان لعائلته”.

من جانبه، قال “زياد” نجل “طارق عزيز” المقيم في عمان: “لم يتصل بنا أحد من الحكومة العراقية أو السفارة العراقية هنا في عمان لإبلاغنا أن بإمكاننا تسلم جثة والدي أو ما إذا كان باستطاعتنا دفنه هنا”.

وأضاف أن “الجثة تم نقلها من الناصرية إلى بغداد بحسب تلفزيون قناة العراقية، ولكن لا أحد حتى الآن اتصل بوالدتي المتواجدة حاليا في بغداد لإخبارها أن بإمكانها تسلم الجثة”. وتوفي “طارق عزيز” الذي أمضى أعوامه الأخيرة في السجن، في أحد المستشفيات جنوبي البلاد حيث نقل إثر تدهور حالته الصحية.

وقال “عادل عبد الحسين الدخيلي” نائب محافظة ذي قار، حيث كان “عزيز” مسجونا “طارق عزيز توفي في مستشفى الحسين التعليمي في مدينة الناصرية، بعد نقله إليه إثر تدهور حالته الصحية”.

ولم يحدد “الدخيلي” السبب المباشر لوفاة “عزيز” إلا أن الرجل الذي كان أبرز الوجوه المعروفة في نظام “صدام حسين” في الخارج، عانى أمراض: السكري وارتفاع ضغط الدم وعدم انتظام دقات القلب.

وطالبت عائلة “عزيز” مرارا بالإفراج عنه نظرا للظروف الصعبة التي كان يعانيها في السجن. كما نقلت عن محاميه في العام 2011، طلبه من رئيس الوزراء السابق “نوري المالكي” الإسراع في تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقه، بسبب تردي وضعه الصحي.

وحكم على “عزيز” بالإعدام شنقا في تشرين الأول/أكتوبر 2010، لإدانته “بالقتل العمد وجرائم ضد الإنسانية” في قضية “تصفية الأحزاب الدينية”.

وعزيز المسيحي الوحيد بين الأركان البارزين للنظام السابق، كان الوجه الدبلوماسي الأبرز لصدام حسين لدى الغرب، وعرف الرجل الذي كان يتحدث الانكليزية بطلاقة ويدخن السيجار الكوبي الفاخر، بنظارتيه الكبيرتين ولباسه الانيق. وسلم عزيز نفسه للقوات الأمريكية بعد أقل من شهر على اجتياحها البلاد وإسقاط النظام السابق.

وشغل “عزيز” مناصب عدة، إذ عين وزيرا للإعلام في سبعينايت القرن الماضي، ووزيرا للخارجية في 1983، ونائبا لرئيس مجلس الوزراء في 1991. وبرغم مناصبه، يعتقد أن “عزيز” لم يكن صاحب نفوذ في عملية اتخاذ القرار داخل النظام، بل كان موكلا به الدفاع عنه أمام العالم.

ولد “طارق عزيز” في تلكيف شمال الموصل في شمال العراق في 28 من نيسان/أبريل 1936، وهو من عائلة كلدانية، واسمه الحقيقي يوحنا ميخائيل.

وتعرف “عزيز” على “صدام حسين” منذ خمسينيات القرن الماضي، إلا أنه بقي بعيدا عن الدائرة المقربة منه،  وتدرج في حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، ليصبح المسيحي ذي الرتبة الأعلى في الحزب الذي حكم البلاد منذ العام 1968.

واكتسب عزيز صيتا ذائعا في الغرب، بنظارتيه الكبيرتين وسيجاره الفاخر وقدرته على التحدث بالانكليزية بطلاقة. وبقي في منصبه إلى حين سقوط النظام إثر دخول القوات الأمريكية في نيسان/أبريل 2003.

ويقول منتقدو الغزو إن عزيز كان سجينا سياسيا، وأودع الاحتجاز بسبب مقارعته ببراعة للذرائع الأمريكية والبريطانية، لا سيما منها تلك المتعلقة بامتلاك بغداد أسلحة دمار شامل، والتي مهدت لاجتياح 2003.

ولم يعرف الكثير عن عزيز منذ دخوله السجن، باستثناء مقابلة صحافية بثتها قناة “العربية” السعودية معه في نيسان/أبريل 2013، تحدث خلالها عن علاقته بصدام والحرب مع إيران (1980 – 1988) وغزو الكويت الذي اعتبره “غلطة كبيرة” وعن نظرة صدام إلى إسرائيل وعلاقاته الأسرية.

ويتردد أن “عزيز” أصيب في السجن بأزمتين قلبيتين، يرجح أن الثانية سببها إضراب عن الطعام استمر ثلاثة أيام، احتجاجا على ظروف سجنه.

وبرز دور “عزيز” بعيد اجتياح الكويت في صيف 1990، وحرب الخليج في العام الذي تلاه، والحصار الدولي الذي فرض على العراق. وشهدت التسعينيات سجالات عدة بين بغداد ومفتشي الأمم المتحدة الباحثين عن أسلحة الدمار الشامل في العراق، أدى “عزيز” دورا أساسيا فيها.

وبعد غارات أمريكية وبريطانية ضد بلاده في 1998، وجه “عزيز” انتقادات لاذعة إلى المجتمع الدولي والدول العربية و”المجرمين” في إشارة إلى الرئيس الأمريكي “بيل كلينتون” ورئيس الحكومة البريطاني “توني بلير”.

وقام “عزيز” مطلع العام 2003 بجولة في العواصم الاوروبية، فيما بدا أنها محاولة ربع الساعة الأخير لتفادي الاجتياح الأمريكي لبلاده.

ومنحه اتقانه اللغة الإنكليزية منذ دراسته الجامعية، منفذا على الصحافة الأجنبية التي لجأت اليه لسماع وجهة نظر النظام الذي عرف بالشدة والبطش والخلافات الحادة مع الغرب، وغالبا ما اعتلى المنابر الدولية للدفاع عنه والخوض في نقاشات ديبلوماسية حادة مع خصومه.

وحتى بعد إعدام “صدام” بقي “عزيز” على مواقفه، لا سيما خلال محاكمته مع ثلاثة أركان آخرين بارزين في 2007، حين شدد على أن الزعيم السابق لم يرتكب جرائم ضد الإنسانية وأنه عاقب فقط من حاولوا اغتياله، في إشارة إلى الحكم على صدام بالاعدام في قضية مقتل 148 شخصا إثر تعرضه لمحاولة اغتيال في العام 1982.

وكان “عزيز” بين المسؤولين عن الدعاية الحزبية في البعث العام 1963، قبل خمسة أعوام من وصول الحزب إلى السلطة. وأدار صحيفة الثورة الحزبية، قبل أن يعين في السبعينيات وزيرا للإعلام.

ونجا “عزيز” من محاولة قتل بقنبلة يدوية استهدفته في الجامعة المستنصرية في بغداد في العام 1980، وأدت إلى مقتل عدد من الاشخاص، واتهم بها حزب الدعوة الشيعي الذي يعد حاليا من أبرز الاحزاب على الساحة السياسية في العراق.