من أغرق الإسكندرية .. المسيري وحده أم النظام ؟!

بخطوات متثاقلة يحملهم بين ذراعيه، تغوص أقدامه في الوحل لينقلهم بين ضفتي الشارع الغارق تماما بالمياه، الهرج يسيطر على الحاضرين، بين السخط والسخرية يهمسون. إنها الإسكندرية الغارقة بالأمطار.

روما القديمة تعود هنا في الإسكندرية ، مشهد المصارعين العبيد الذين يعرقون وربما تدمى أجسادهم من أجل لقمة تضمن لهم البقاء بين الأحياء ، العبيد كذلك كانوا يحملون أسيادهم في العصور الوسطى وهنا أيضا في الإسكندرية في عصر ما بعد يونيو .

شاب يحمل المواطنين ليجنبهم الخوض في غمار مياه الأمطار مقابل جنيه واحد ، إنه نفس المشهد القديم ، لكن لم يكن المخرج ريدلي سكوت حاضرا ليوثق القصة ويعلن أن مصر عادت لما قبل العصور الوسطى .

بضع ساعات بعد هذا المشهد الذي اختلطت فيه عبرات الضحك الهستيري إلى حد البكاء كانت كفيلة بإعلان غرق الإسكندرية بشكل شبه كامل نتيجة الأمطار الغزيرة وزارة الصحة تقول أن القتلى خمسة ومصادر تقول أنهم تسعة نتيجة الصعق بالكهرباء ، هذه المرة لم يكن الصعق متعمدا في أحد السجون لكنه بفعل سقوط محول كهربائي .

“حسبي الله ونعم الوكيل فيك ، بتصوروا فيه على إيه والله ما يستاهل الصورة” قالتها المرأة وهي تلاحق سيارة المحافظ بين عشرات آخرين يلاحقونه أيضا لكن سيارته الفارهة واصلت المسير.

لم يمر اليوم الذي بكت فيه السماء كما الأرض قبل أن يقدم هاني المسيري استقالته من منصبه كمحافظ للمدينة بحسب التلفزيون الرسمي .

“هو أحسن واحد تعامل مع الأزمة دي للأسف كان الزفت حسن البرنس .. نضف بدري وحط شبك على بلاعات صرف المطر” كتبها حسن خالد أحد مؤيدي السيسي من أبناء الإسكندرية في إشارة لتعامل نائب محافظ الإسكندرية حسن البرنس خلال حكم الرئيس المعزول محمد مرسي والذي استبق وقوع الأزمة بالتحضير للتعامل معها.

البنية التحتية المنهارة في الإسكندرية كانت اللاعب الأساسي في تفاقم الأزمة ، فشبكة الصرف الصحي المنهارة إضافة إلى عدم وجود مجرى للسيول ليس لتجنب الكارثة فحسب بل للاستفادة من تلك المياه العذبة عن طريق تخزينها والاستفادة منها في الزراعة والري كما تفعل الكثير من الدول عوامل مركبة تمثل حالة الغياب التام للنظام في توقع وإدارة الأزمات .

على الجانب الآخر أنفق نظام السيسي عشرات المليارات من الدولارات منذ توليه الرئاسة في يونيو 2014 في شراء الأسلحة الحربية .

حيث وقع السيسي اتفاقية لشراء 24 طائرة رافال من فرنسا مقابل مبلغ خمسة مليارات ومائتي مليون دولار .

كما وقعت مصر صفقة جديدة مع فرنسا، لشراء حاملتي طائرات من طراز “ميسترال”، بقيمة 950 مليون يورو.

وبحسب وكالة “تاس” الروسية فإن مصر وروسيا وقعتا مذكرة تفاهم، لتوريد 12 مقاتلة من الجيل الرابع الشهير من طراز مقاتلات سوخوي الشهيرة مقابل 3.5 مليار دولار .

ونقلت مجلة “نيوزويك” الأمريكية أن بريطانيا عقدت صفقات سلاح مع مصر وفقًا لتقارير رسمية حكومية نشرتها “حملة مكافحة تجارة السلاح” البريطانية.

وقالت المجلة أنه خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2015 فاقت مبيعات الأسلحة إلى مصر نحو 48.8 مليون جنيه استرليني (590 مليون جنيه مصري).

الإنفاق العسكري المبالغ فيه على حساب أولويات المواطنين القابعين في ظل أزمات متتالية لن تكون غرق الإسكندرية قطعا آخرها يدفع بالتساؤل عن المستفيد من بقاء تلك الأوضاع على ما هي عليه ، فبحسب مراقبين لن تكون استقالة المسيري حلا للأزمة طالما ظلت أولويات النظام مركزة على تأمين بقاءه بعيدا عن احتياجات المواطنين الأساسية بعد أن آلت تلك الاحتياجات إلى انهيار شامل على مستوى البنية التحتية والصحة والتعليم وارتفاع جنوني في أسعار الغذاء .

 

المصدر : الجزيرة مباشر