بعد البريكست ورحيل ملكة بريطانيا.. أيرلندا الشمالية تضع تشارلز الثالث أمام أهم اختبار للمصالحة

الملك تشارلز الثالث في مطار بلفاست- 13 سبتمبر(غيتي)

لم يشارك الحزب الجمهوري الأيرلندي (شين فين) في المراسم التي أقيمت في أيرلندا الشمالية لإعلان تشارلز الثالث ملكًا، إذ رأت رئيسته “ماري لو ماكدونالد” أنه مخصص “لمن يدينون بالولاء للتاج البريطاني”.

لكن نائبة رئيسة الحزب ميشيل أونيل، قدمت “خالص تعازيها” لأسرة ملكة بريطانيا وقالت إن الملكة إليزابيث كان لها إسهامات مهمة في دفع السلام والمصالحة بين الجزيرتين في إشارة لبريطانيا وأيرلندا.

ويخلط كثيرون بين إقليم أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا، فأيرلندا الشمالية هو إقليم تابع للمملكة المتحدة وعاصمتها بلفاست أما أيرلندا الجنوبية فهي جمهورية مستقلة وعاصمتها دبلن.

وكشفت ماري لو ماكدونالد في تصريحات بثتها وكالة الأنباء (برس أسوسييشن) أن حزبها شين فين الذي يؤيد إعادة توحيد أيرلندا الشمالية مع جمهورية إيرلندا، لم يحضر، لكن مسؤولي الحزب سيحضرون مناسبات أخرى في إطار الحداد بعد وفاة الملكة إليزابيث الثانية.

أهم اختبار للملك تشارلز

ويزور ملك بريطانيا الجديد تشارلز الثالث المقاطعات الأربع للمملكة المتحدة الأسبوع الحالي، لكن في أيرلندا الشمالية التي وصلها اليوم الثلاثاء ينتظره أهم اختبار للمصالحة، ولم تشهد أيرلندا الشمالية سلامًا قبل 1998 وما زال هشًا.

ويخشى “الوحدويون” الأوفياء للملكة الراحلة أن تصبح قضيتهم -وهي الانتماء إلى المملكة المتحدة- مهددة أكثر من أي وقت مضى وسط أجواء سياسية يهزها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي (بريكست) والتقدم التاريخي للقوميين الجمهوريين وأنصار إعادة التوحيد مع جمهورية أيرلندا المجاورة.

الملك تشارلز الثالث في قلعة بأيرلندا الشمالية- 13 سبتمبر (رويترز)

بين الرفض والتهديد

وما زالت الحكومة المحلية مصابة بشلل منذ أشهر إذ يعارض حزب الاتحاد الديموقراطي الاتحادي بشدة الترتيبات الجمركية لما بعد (بريكست) معتبرًا أنها تهدد مكانة أيرلندا الشمالية داخل المملكة المتحدة.

أمّا حزب “شين فين” فيرفض الاعتراف بسلطة الملكية في أيرلندا الشمالية ولا يشغل مقاعده في البرلمان البريطاني بعد أن رفض تسلمها بسبب قسم الولاء للملكة.

وقد قاطعت نائبة رئيسه، الإعلان الرسمي لتشارلز الثالث ملكا يوم الأحد الماضي لكن الحزب أكد أنه سيلتقي بالعاهل الجديد مع السياسيين الآخرين ويحضر قداس الكنيسة لتكريم الملكة وتعبيرًا عن الاحترام للوحدويين.

وقالت أستاذة السياسة الاجتماعية في جامعة أولستر لوكالة الصحافة الفرنسية إن “الوحدويين يشعرون بقلق شديد بشأن هويتهم وبشأن مكانهم في المملكة المتحدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي”.

وأوضحت أن “وفاة الملكة هي ضربة أخرى لثقتهم وهويتهم، إنهم بالطبع سيتبعون الملك الجديد، لكنهم يعلمون أن تغييرًا كبيرًا يمكن أن يحدث”.

اضطرابات خلال حكم الملكة

وشهدت السنوات السبعون من حكم إليزابيث الثانية 3 عقود من الاضطرابات في المقاطعة البريطانية بين الجمهوريين الكاثوليك الراغبين في إعادة التوحيد مع أيرلندا، والوحدويين ومعظمهم من البروتستانت الذين يفضلون البقاء داخل التاج.

وأدى هذا النزاع الذي شارك فيه الجيش البريطاني إلى مقتل نحو 3 آلاف و500 شخص حتى تم التوصل إلى اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998.

وفي 2011، أصبحت الملكة أول عاهل بريطاني يزور أيرلندا، وفسرت هذه الزيارة على أنها مبادرة كبرى على طريق المصالحة.

واغتال الجيش الجمهوري الأيرلندي لويس ماونتباتن -ابن عم الملكة وراعي الملك المقبل تشارلز الثالث- في تفجير عام 1979، واعتذر “شين فين” العام الماضي عن عملية القتل.

حزب “شين فين”

وتعود أصول تأسيس هذا الحزب إلى عام 1905 وقد حمل الكثير من الأسماء المختلفة قبل أن يصبح على الشكل الذي هو عليه حاليًا، في عام 1970.

وخلال الحرب الدامية التي شهدتها أيرلندا بين أنصار الوحدة مع المملكة المتحدة وأنصار الانفصال كان حزب “شين فين” يعتبر الجناح السياسي للجيش الجمهوري الأيرلندي.

ويعتبر هذا الحزب الوحيد الذي له نشاط سياسي في شطري الجزيرة (أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا) ويحمل في عقيدته السياسية هدف توحيد الجزيرة بعيدًا عن المملكة المتحدة.

وتعرض الحزب للكثير من التغييرات في أطروحته السياسية، إلا أن موقفه من الانفصال بقي ثابتًا، ورغم توقيعه على اتفاق “الجمعة العظيم” الذي أنهى الحرب، إلا أن قادته يرفضون إدانة أعمال العنف التي قام بها الجيش الجمهوري خلال تلك الفترة.

ورفض الحزب استلام مقاعده السبعة في البرلمان البريطاني، بسبب أن كل النواب في البرلمان يؤدون القسم بالولاء للملكة، في حين يرفض أن يكون ولاؤه للملكة ويعتبر أن وصاية المملكة على أيرلندا وضع غير شرعي.

أيرلندا الشمالية

وأيرلندا الشمالية مقاطعة بريطانية مزقها نزاع استمر3 عقود بين الموالين للعرش والجمهوريين، وبعدما استعمرها الفايكنغ والنورمانديون استعادها التاج البريطاني وألحقت بمملكة بريطانيا العظمى منذ عام 1801.

وأدت خلافات مرتبطة بهذه الهيمنة إلى “حرب استقلال” دامت عامين من 1919 إلى 1921 بين مؤيدي الاستقلال في الجيش الجمهوري الأيرلندي والقوات البريطانية.

وأدى الصراع إلى تقسيم الجزيرة إلى “الدولة الأيرلندية الحرة” وهي جمهورية منذ 1948 وأيرلندا الشمالية ذات الأغلبية البروتستانتية، التي لا تزال تابعة للمملكة المتحدة وعاصمتها بلفاست.

وفي أبريل/نيسان عام 1998، توصلت لندن ودبلن والزعماء من الانفصاليين والموالين لأيرلندا الشمالية إلى اتفاق سلام تاريخي هو ” اتفاق الجمعة العظيمة” والذي أنهى 3 عقود من النزاع.

توتر “بريكست”

وثار التوتر مرة أخرى بعد خروج بريطانيا من الأوربي رسميا في يناير/كانون الثاني 2020 وغادرت الاتحاد الجمركي والسوق الأوربية الموحدة في يناير/كانون الثاني 2021 في نهاية الفترة الانتقالية لبريكست.

لكن مقاطعتها أيرلندا الشمالية لا تزال جزءًا منه بموجب بروتوكول خاص تم التفاوض عليه في اتفاقية الخروج بين لندن والاتحاد الأوربي، ويفرض مراقبة الشحن الوافد عبر المقاطعة البريطانية من بريطانيا.

واعتمد هذا الحل لتجنب عودة البنية التحتية الحدودية بين المقاطعة البريطانية وجمهورية أيرلندا والحفاظ على اتفاقية السلام لعام 1998.

لكن البروتوكول تسبب في صعوبات الإمداد وانتقد بسبب “إنشاء حدود في البحر الأيرلندي” وهو أحد المصادر الرئيسية للتوتر بين المفوضية ولندن التي تطالب بإعادة التفاوض بشأنه بعمق.

المصدر : الجزيرة مباشر + وكالات