تقرير: القمع في مصر يسير “بطريقة منهجية” رغم الإفراج عن بعض الناشطين

سجون مصر تمتلئ بآلاف المعارضين والناشطين (مواقع التواصل)

أطلقت مصر في الأيام الأخيرة سراح بعض الناشطين السياسيين، وتنفس الناس الصعداء وتوقعوا حدوث انفراج في ملف حقوق الإنسان، وأن تخفّف السلطة تعاملها الخشن مع أطياف المعارضة.

ويرى المدافعون عن حقوق الإنسان أن القمع ما زال منهج تعامل السلطة المصرية، وأنه لا بارقة أمل في الأفق.

وتزايدت هذه الرؤية، الخميس الماضي، بعدما ألقت السلطات المصرية القبض على المعارض الشاب حسام سلام بعد هبوط طائرته اضطراريا في مطار الأقصر أثناء توجهها من العاصمة السودانية الخرطوم إلى مدينة إسطنبول التركية، كما أثار ذلك تساؤلات عدة بخصوص ملاحقة المعارضين في الداخل والخارج.

وفي 2021 بدا أن مصر تسجل بعض النقاط الإيجابية رغم الانتقادات التي توجه إلى النظام الحاكم بانتظام، بسبب انتهاك حقوق الإنسان بدءًا من عمالة الأطفال وانتهاءً بالإعدام خارج القانون.

وألغى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حالة الطوارئ السارية في البلاد منذ سنوات، وهو ما يعني تعليق العمل بقانون الطوارئ وبالمحاكم الاستثنائية، وصاحبت ذلك القرار ضجة إعلامية محلية كبيرة، بعدما تخلص النظام المصري من المعارضة تدريجيا منذ انقلاب عام 2013.

وتبع ذلك الإفراج عن بعض وجوه الحركة الحقوقية والناشطين السياسيين ومن بينهم ناشطة إسلامية.

وكانت السلطات المصرية قد أطلقت سراح الباحث المصري الإيطالي باتريك زكي.

كما جاءت عقوبة حسام بهجت أبرز وجوه حركة حقوق الإنسان الغرامة فقط، بعد أن كان يحاكم بتهم تصل عقوبتها إلى السَّجن 3 سنوات.

وفي مطلع هذا الأسبوع وصل الناشط المصري الفلسطيني رامي شعث إلى فرنسا بعد عامين ونصف من الحبس الاحتياطي، ولكنه أُرغم على التنازل عن جنسيته المصرية مقابل الإفراج عنه.

 

علاء عبد الفتاح وزياد العليمي

في الوقت ذاته، صدرت أحكام قاسية على ناشطين سياسيين مصريين آخرين، فحُكم على الناشط علاء عبد الفتاح -للمرة الثانية خلال فترة الحكم الحالي- بالسجن 5 سنوات وهو الحكم نفسه الصادر على الناشط زياد العليمي النائب في أول برلمان بعد الإطاحة بالرئيس المخلوع حسني مبارك، إضافة إلى أحكام أخرى بالسجن على ناشطين آخرين.

وفي يوم الثلاثاء الماضي، جدّدت السلطات المصرية حبس الزميل هشام عبد العزيز الصحفي بقناة الجزيرة مباشر 45 يومًا أخرى من دون محاكمة رغم تجاوزه مدة الاعتقال الاحتياطي لتصل مدة حبسه إلى ما يزيد على 900 يوم رغم تردّي وضعه الصحي وتخوفات من فقده البصر.

واعتقل الأمن المصري هشام عبد العزيز الصحفي بقناة الجزيرة مباشر خلال زيارة عائلية لمصر في يونيو/ حزيران 2019، وضمّه إلى القضية رقم 1365 لعام 2018 أمن دولة. وقد أفرجت عنه النيابة بعد ذلك، لكن الأمن في مصر أعاد تدويره بحبسه في القضية رقم 1956 لعام 2019.

وتقول أسرة هشام عبد العزيز إنه أصيب بالمياه الزرقاء في عينيه ويعاني من ارتفاع في ضغط العين، مما يسبب إعتامًا في القرنية وعدم وضوح للرؤية، وأوضحت أنه يحتاج إلى إجراء جراحة عاجلة حتى لا يفقد بصره.

وإلى جانب هشام، تعتقل السلطات المصرية كذلك 3 آخرين من صحفيي الجزيرة مباشر وهم: بهاء الدين إبراهيم وأحمد النجدي وربيع الشيخ، وقد اعتُقلوا خلال ذهابهم في إجازة اعتيادية إلى مصر خارج نطاق عملهم.

صحفيو الجزيرة مباشر من اليمين ربيع الشيخ -أحمد النجدي -هشام عبد العزيز -بهاء الدين إبراهيم

تشريعات أكثر قمعية

وزامن إلغاء حالة الطوارئ إقرار تشريعات جديدة في القانون العام، وبعض تلك التشريعات أكثر قمعية من قانون الطوارئ ذاته، ومن ذلك تشريع يقضي بتسجيل جميع المنظمات غير الحكومية نفسها لدى السلطات الرسمية قبل، منتصف يناير/ كانون الثاني الجاري، وإلا فسوف تُحلّ بقوة القانون.

وتشير (هيومن رايتس ووتش) إلى صعوبة تسجيل المنظمات غير الحكومية؛ لأن التسجيل المطلوب “عملية معقدة تتطلب مئات الأوراق”، وليس هناك أي ضمانة بإتمام التسجيل بعد إكمال الإجراءات المطلوبة؛ إذ إن “التسجيل يتوقف على موافقة وزارة التضامن الاجتماعي علنًا”.

ويعد هذا القانون آخر مسمار في نعش الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، إحدى أقدم وأهم المنظمات الحقوقية المصرية، وقد أعلنت، الاثنين الماضي، وقف نشاطها في مصر بعد 18 عاما من العطاء في مجال حقوق الإنسان.

وخلال مدة نشاطها، عاصرت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان 3 رؤساء في مصر، واندلعت ثورة شعبية أطاح الجيش تحت وطأتها برئيس البلاد حسني مبارك، ولم تواجه الشبكة الحقوقية في تلك السنوات ما يدفعها لتعليق النشاط أو إيقافه إلا في الأيام الأخيرة خلال فترة الحكم الحالي.

وأدانت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان “تزايد الاستهانة بسيادة القانون وتنامي انتهاكات حقوق الإنسان وتزايد الملاحقات البوليسية سواء المغلفة بغطاء قانوني أو قضائي”، وفق بيان الشبكة.

في السياق نفسه، قالت منظمة (هيومن رايتس ووتش) إن “محاولات مصر السطحية لخلق انطباع بالتقدم في حقوق الإنسان لم تخفِ القمع الحكومي الوحشي لجميع أنواع المعارضة”.

لكن الرئيس المصري رفض تماما كل هذه الاتهامات، وخاطب المنظمات الحقوقية في حديث مع الصحفيين، الأسبوع الماضي، قائلًا “هل تحبون شعبنا أكثر منا؟ هل أنتم تخافون على بلادنا أكثر منا؟ بلادنا لا تجد الأكل، فهل أنتم مستعدون لمساعدتنا؟”.

ويختزل الرئيس المصري رؤيته لحقوق الإنسان في توفير الرعاية الصحية والتعليم والكهرباء، مؤكدًا على طول الخط أن هذه المتطلبات أهم من حق التجمع المحظور عمليا في مصر.

وركز السيسي على هذا المحور خلال تقديمه “الاستراتيجية المصرية لحقوق الإنسان” في سبتمبر/ أيلول الماضي، في حين ترى المنظمات غير الحكومية أن الإطار التشريعي الراهن غير مقبول.

وقال جمال عيد مؤسس الشبكة العربية لحقوق الإنسان الذي يتعرض منذ سنوات هو وزملاؤه لمضايقات من السلطات، إن مسؤولًا دعاه إلى “حظر العمل على حرية التعبير وأوضاع السجون”.

وأضاف في بيان إيقاف نشاط الشبكة “نرفض أن نتحول لمؤسسة تعمل على موضوعات غير ذات أهمية، فلن نتحول إلى مؤسسة متواطئة أو (جنجوز)، أي منظمة غير حكومية تابعة للدولة” وفق البيان.

وما زال جمال عيد وكثيرون مثله ممن يعارضون النظام الحالي في مصر ممنوعين من السفر وأموالهم مجمدة.

وفي هذا السياق تؤكد المنظمات الحقوقية أن هناك 60 ألف سجين رأي وسجين سياسي في مصر.

ووصفت منظمة العفو الدولية و20 منظمة غير حكومية أخرى الوضع بأنه “كارثي”، مشيرة إلى وجود “ناشطين سلميين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومحامين وأساتذة جامعات وصحفيين محبوسين لمجرد أنهم مارسوا حقهم في حرية الرأي والاجتماع السلمي والتنظيم”.

“الدعوة إلى الفجور” كانت وسيلة أخرى استغلتها السلطة لإسكات أي معارضة بحجة “الطابع المحافظ للمجتمع المصري”؛ إذ جرى توقيف عشرين من الفتيات والنساء المؤثرات في وسائل التواصل الاجتماعي، خلال العام الماضي، بهذه الذريعة.

وقالت منظمة (هيومن رايتس ووتش) إن السلطات المصرية “وسّعت دائرة القمع ليشمل المدافعين عن الحقوق خارج البلاد بالقبض على أفراد أُسرهم في مصر وأحيانا بإخفائهم”.

وتؤكد المنظمة الحقوقية أنه “لا يمكن للمجتمع الدولي أن يتحمل السماح للدولة بإبادة المجتمع المدني المصري الذي كان حيويا في السابق بهذه التكلفة الزهيدة، وعلى المجتمع الدولي أن يضغط على الحكومة”.

المصدر : الجزيرة مباشر + مواقع التواصل + وكالات