لماذا خزّن مرفأ بيروت أطنانا من المادة شديدة الانفجار لسنوات؟

انفجار بيروت أودى بحياة أكثر من مئة شخص وشرد الآلاف
انفجار بيروت أودى بحياة أكثر من مئة شخص وشرد الآلاف

لست سنوات على الأقل، بقيت مئات الأطنان من مادة نيترات الأمونيوم مخزّنة في مستودع متصدِّع في مرفأ بيروت، من دون أن يتحرك أحد لنقلها رغم التحذيرات، إلى أن وقعت الكارثة.

انفجر المستودع، أمس الثلاثاء، وألحق أضرارًا هائلة بالعاصمة اللبنانية، وقُتِل 135 شخصًا، وجُرِحَ ما يزيد عن 5 آلاف، وفق آخر حصيلة، فضلًا عن عشرات المفقودين وتشريد آلاف آخرين.

وغداة إعلان رئيس الحكومة حسان دياب أن المستودع كان يحوي ألفين و750 طنًا من نترات الأمونيوم (شديدة الانفجار، والمستعملة في صناعة الأسمدة والمتفجِّرات)، أقرّ مجلس الوزراء إعلان حالة الطوارئ لمدة أسبوعين في بيروت. 

وطلب دياب من السلطة العسكرية فرض “الإقامة الجبرية” على المعنيين بالملف، ممن أشرفوا على تخزينه وحراسته، تزامنًا مع فتح تحقيق قضائي بالموضوع.     

وكانت سلطات مرفأ بيروت والجمارك والأجهزة الأمنية على علم بأن هناك مواد كيميائية خطيرة مخزنة في المرفأ.

في العام 2013، توقّفت الباخرة “روسوس” في مرفأ بيروت قادمة من جورجيا في طريقها إلى الموزمبيق، محمَّلةً بمادة نترات الأمونيوم الكيميائية، وفق ما قال مصدر أمني لوكالة “فرانس برس”.     

ومادة نترات الأمونيوم عبارة عن ملح أبيض عديم الرائحة، يُستخدم كأساس للعديد من الأسمدة النيتروجينية، وتسبّبت بعدد من الحوادث الصناعية، منها انفجار مصنع “إي. زد. أف” في مدينة تولوز الفرنسية عام 2001. 

وبحسب تقديرات مصدر أمني، تعادل “القدرة التدميرية” للشحنات التي كانت موجودة في المستودع رقم 12 بمرفأ بيروت “بين 1200 و1300 طن من مادة تي أن تي”.

 

ووفق موقع “مارين ترافيك” لمراقبة حركة السفن، وصلت السفينة التي كانت ترفع علم مولدوفا في 20 نوفمبر/ تشرين الأول 2013 إلى بيروت، وبقيت هناك.     

ورجّحت مصادر أمنية عدة لفرانس برس أن تكون السفينة قد مرّت على شكل ترانزيت في بيروت، لكن خلال توقفها، ادّعت شركة لبنانية لدى قاضي الأمور المستعجلة على الشركة المالكة لها؛ فصدر حكم قضائي بحجز الحمولة ثم إفراغ حمولتها، لأنها كانت تعاني من أضرار واهتراء، وغرقت السفينة لاحقًا أمام مرفأ بيروت. 

وأُودعت شحنات نترات الأمونيوم في العنبر رقم 12 المخصص لتخزين البضائع العالقة والمصادَرة.      

وفي يونيو/ حزيران 2019، بدأ جهاز أمن الدولة التحقيق في الموضوع، بعدما توالت شكاوى عن روائح منبعثة من المستودع، وذكر في تقريره أن “هناك مواد خطرة من الضروري نقلها”، وأن مادة سائلة من نوع “نيتروغليسيرين” السريعة الاشتعال كانت ترشح من المستودع، لكن لم تُتابَع المسألة لاحقًا، وأوصى جهاز أمن الدولة في تقريره الصادر نهاية 2019 بإصلاح العنبر والتشققات في جداره.

وأقدمت إدارة المرفأ الأسبوع الحالي على إرسال عمال لحام “لتلحيم” تشققات العنبر، وهو ما رجحت تقارير أن يكون سبب وقوع الفاجعة. في حين قالت مصادر أخرى إن مبعث الانفجار في عنبر 12 يعود إلى حريقٍ شبّ في عنبر 9، وامتدّ إلى العنبر 12 ما نجم عنه انفجار نترات الأمونيوم.

بعد الانفجار، سرّب مدير عام الجمارك بدري ضاهر مضمون رسالة وجّهها في ديسمبر/ كانون الأول 2017 إلى قاضي الأمور المستعجلة لتحديد مصير الشحنات. 

وجاء فيها أنه يكرّر طلبه إعادة تصدير أطنان نترات الأمونيوم، وأشار في رسالته -أيضًا- إلى إمكانية بيع المادة لشركة لبنانية بعدما قالت قيادة الجيش إنها ليست بحاجة إليها.

وقال مصدر قضائي لفرانس برس إن صلاحية القضاء اقتصرت على “النظر في قضية حجز الباخرة ومصيرها ومسألة عودتها من حيث أتت، في حين أنه لا علاقة له بتخزين المواد الذي يخضع لقوانين وأصول”.

وقال الصحفي الاستقصائي رياض قبيسي الذي أجرى تحقيقات عدة عن الفساد في مرفأ بيروت لفرانس برس إن الجمارك تحاول رفع المسؤولية عنها بعدما كان يجدر بها إعلام الحكومة والمسؤولين بأمر الشحنات، كان يجدر مراجعة الحكومة للتواصل الدبلوماسي مع بلد المنشأ أو بلد المقصد.

وأضاف أن ما حصل يُظهر “حالة الترهل والفساد في جسم الجمارك، وهو أحد أبرز الجهات التي تتحمّل المسؤولية، لكنه ليس المسؤول الوحيد”.

وتساءل قبيسي “هل جرى التواصل مع الجهات المختصة للسؤال عن أصول حفظ هذه المواد وكيفية تخزينها؟”.

وأصدرت منظمة العفو الدولية بيانًا جاء فيه: “أيًّا كان سبب الانفجار، ومنها احتمال أن يكون ناتجًا عن كمية كبيرة من نترات الأمونيوم المخزنة بطريقة غير أمنة، تدعو منظمة العفو الدولية إلى وضع آلية دولية.. للتحقيق فيما حدث”. 

فرنسا تفتح تحقيقًا عقب الانفجار

وفي السياق، فتحت نيابة باريس تحقيقًا، اليوم الأربعاء، في انفجار بيروت الذي وقع أمس وتسبب بـ”جروح غير متعمدة” بعد الانفجار الضخم، وقالت النيابة في بيان إن “احصاء أوليًّا سمح بتحديد هويات 21 شخصًا فرنسي  الجنسية أصيبوا في الانفجار”.

وأضافت “انطلاقا من الاختصاص الذي يشمل وقائع حصلت في الخارج، فإن دائرة الحوادث الجماعية في نيابة باريس تفتح اليوم تحقيقًا في التسبب بجروح غير متعمدة”. 

ويزور ماكرون، غدًا الخميس، لبنان حيث من المقرر أن يلتقي نظيره اللبناني ميشال عون ورئيس الوزراء، في وقت أعربت فيه فرنسا عن تضامنها مع لبنان، وأرسلت معداتٍ وأفرادًا لمساعدة السلطات اللبنانية، وفق ما أكدت الرئاسة الفرنسية.

وكتب ماكرون في تغريدة “أزور بيروت غدًا للقاء الشعب اللبناني، ولأحمل له رسالة أخوة وتضامن من الفرنسيين، وسنقيِّم الوضع مع السلطات السياسية”. 

وبعد ظهر الأربعاء، جمع رئيس الحكومة الفرنسي جان كاستيكس الوزراء الأساسيين المعنيين من أجل “تنسيق كل المساعدات ومواد الإغاثة التي ستُرسل” إلى بيروت. 

وغادرت أول طائرة مساعدات، ظهر الأربعاء، من مرسيليا (جنوب شرق) محمَّلة بمعدات إغاثة طارئة وفريق طبي من تسعة أشخاص (أربعة أطباء طوارئ، ثلاثة ممرضين، وإطفائيان) إلى لبنان، كما أكد المكتب الإعلامي لإدارة الإطفاء في مرسيليا. 

وتوجه هؤلاء إلى لبنان في طائرة خاصة وضعت تحت تصرفهم من قبل المدير التنفيذي لشركة “سي إم ايه – سي جي أم” للنقل البحري رودولف سعادة وهو من أصل لبناني، كما أوضح المكتب الإعلامي، ويفترض أن تقلع طائرتا مساعدات من مطار رواسي قرب باريس، في وقت لاحق الأربعاء.

وقال وزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان بعد اتصال بنظيره اللبناني شربل وهبة “في المحن يقف الأصدقاء بعضهم إلى جانب بعض، ونحن إلى جانبكم”.      

وأعلن لودريان أن فرنسا ستقدّم “مبادرات إضافية في الأيام المقبلة” بهدف تحريك مساعدة دولية ضرورية لا سيَّما على المستوى الأوربي؛ لتقديم دعم فوري للبنان. 

وأضاف الوزير، الذي انتقد خلال زيارة قام بها لبيروت في يوليو/ تموز غياب الإصلاحات الهادفة لإخراج البلاد من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، أن الوقت حاليًّا وقت تقديم المساعدة الإنسانية، لكن “لاحقًا يأتي وقت استئناف الأعمال، ولا شكّ وقت تقديم التوضيحات”. 

كما تداول ناشطون لبنانيون على موقع تويتر وسم “علّقوا المشانق”، منددين بفساد السلطات وإهمالها، محملين إياها مسؤولية الكارثة التي حلت بالعاصمة.

وكتب أحدهم “دمروا أحلامنا، فليدمرهم الله”، وأرفق آخر صورة لزعماء سياسيين بعبارة “عليكم أن تدفعوا ثمن حرق قلوب الأمهات ومستقبل الشباب ورعب الأطفال”.
وقالت لينا داوود لفرانس برس خلال تفقدها حي مار مخايل قرب المرفأ “الزعماء هم أعداء الوطن، يقتلوننا.. قتلوا كل شيء جميل، جعلوا من لبنان جهنم”.

المصدر : الجزيرة مباشر + وكالات

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة